يرتبط المغرب والاتحاد الأوروبي منذ عقود بعلاقة متميزة، تقوم على القرب الجغرافي، وروابط اقتصادية وثيقة، ورؤية مشتركة للاستقرار الأورو-متوسطي. غير أن هذه الشراكة مطالبة باستمرار بالتجدد حتى تظل في مستوى التحديات المطروحة.
وفي هذا السياق، احتضنت الرباط، يوم الأربعاء، لقاء جمع نائب رئيس مجلس المستشارين، لحسن حداد، ورئيسة لجنة الشؤون الخارجية، نائلة التازي، من جهة، ووفدا من المجموعة البرلمانية المشرق-المغرب التابعة لمجلس الاتحاد الأوروبي، من جهة أخرى. وشكل هذا الاجتماع جلسة عمل مكثفة طبعها الحوار والتشاور بشأن الملفات ذات الاهتمام المشترك.
ووضع لحسن حداد منذ البداية إطار النقاش، مؤكدا أن المغرب يعتبر الاتحاد الأوروبي «شريكا استراتيجيا وتاريخيا متعدد الأبعاد». وأبرز أن التحولات التي يشهدها العالم اليوم، من اضطراب جيوسياسي وضغوط اقتصادية واستعجال مناخي، تفرض الانتقال من علاقة حسن الجوار إلى التزام فعلي قائم على «المسؤولية المشتركة» و«الالتزامات المتبادلة». وبعبارة أخرى، شراكة بين طرفين متكافئين، تحترم الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
الصحراء المغربية: محور دبلوماسي لا محيد عنه
واحتلت قضية الصحراء المغربية، بطبيعة الحال، موقعا مركزيا في هذه المباحثات. وذكّر نائب الرئيس حداد بأن الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية ما فتئ يتعزز، واصفا إياها بأنها حل «جاد وواقعي وذي مصداقية» لتسوية هذا النزاع الإقليمي المستمر منذ عدة عقود.
وكانت الرسالة الموجهة إلى الوفد الأوروبي واضحة: فالمغرب لا يسعى إلى المواجهة، بل يعتمد مقاربة قائمة على الواقعية وروح التوافق، في احترام صارم للشرعية الدولية. وترى الرباط أن استقرار المنطقة بأكملها، بما في ذلك منطقة الساحل، يمر عبر إنجاح مسار سياسي براغماتي في هذا الملف.
اقرأ أيضا: اليوروبوند: المغرب ينجح في عودته إلى الأسواق
من جانبهم، أشاد البرلمانيون الأوروبيون بدور المغرب باعتباره شريكا موثوقا وأساسيا للاتحاد الأوروبي. كما أبرزوا المساهمة المغربية في الأمن والاستقرار الإقليميين، خصوصا في منطقة الساحل، وهي منطقة ترتبط فيها المصالح الأوروبية بشكل مباشر في مواجهة التهديد الإرهابي وتدفقات الهجرة وتزايد الاضطراب السياسي.
تعاون اقتصادي وأمني: طموحات مشتركة
وبعيدا عن القضايا السياسية، أتاح اللقاء استكشاف آفاق تعميق التعاون في مجالات عملية. وأعرب الوفد الأوروبي عن اهتمام واضح بتوسيع المبادلات الاقتصادية والتجارية، مع التركيز بشكل خاص على قطاعات الصناعة والطاقة والبنيات التحتية.
وبات المغرب يُنظر إليه بشكل متزايد في بروكسيل باعتباره بوابة نحو القارة الإفريقية ووجهة مفضلة للاستثمارات الأوروبية. فموقعه الجغرافي، واستقراره المؤسساتي، وإصلاحاته الهيكلية، تجعل منه مركزا لا غنى عنه في الجغرافيا الاقتصادية الصاعدة.
اقرأ أيضا: حفظ السلام: المغرب يحظى بإشادة الأمم المتحدة وفرنسا في الرباط
وعلى المستوى الأمني، شدد الجانبان على ضرورة تعزيز تعاونهما في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات السيبرانية والأمن البحري. فهذه التحديات، المشتركة بين ضفتي المتوسط، لا يمكن مواجهتها إلا من خلال تنسيق وثيق ومنظم. ويبرز هنا الدبلوماسية البرلمانية، الأقل رسمية من القنوات الحكومية ولكنها لا تقل أهمية من الناحية الاستراتيجية، كرافعة ثمينة للحفاظ على روابط ثقة دائمة.
ويجسد هذا الاجتماع، الذي شارك فيه أيضا عدد من البرلمانيين من الغرفتين، نضج علاقة لم تعد تقتصر على المبادلات التجارية أو اتفاقيات الصيد فقط. كما يعكس إرادة مشتركة لبناء فضاء أورو-متوسطي أكثر استقرارا وازدهارا وتضامنا في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.