سياسة

“الرسوم الجامعية”.. استثمار في البحث العلمي أم ضرب في المجانية؟

enseignement superieur 900x450 1
طلاب في إحدى الجامعات © (كل الحقوق محفوظة)
A A A A A

أثار اعتماد رسوم مالية على التكوين الجامعي بـ”التوقيت الميسر” جدلا واسعا في الأوساط الجامعية، في ظل اعتراضات موظفين وأجراء يعتبرون أن هذه الرسوم الجامعية تمس بمبدأ مجانية التعليم العالي وتفرض أعباء إضافية على فئة اختارت استكمال مسارها الدراسي إلى جانب التزاماتها المهنية.

وتعود خلفية هذا الجدل إلى قرار الجامعات فرض واجبات للتسجيل في مسالك التكوين بالتوقيت الميسر، وهو نمط يتيح للموظفين والأجراء متابعة دراستهم الجامعية خارج التوقيت العادي، مقابل رسوم تصل إلى 5 آلاف درهم سنويا بالنسبة للإجازة، و15 ألف درهم للماستر، و20 ألف درهم سنويا بالنسبة للدكتوراه، الأمر الذي فتح نقاشا حول حدود مجانية التعليم العالي، ومبررات هذه الرسوم الجامعية، ومدى ملاءمتها مع وضعية الفئات المستفيدة من هذا النوع من التكوين.

رسوم بـ”سند قانوني”

ويرى عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بالنيابة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أحمد أجعون، أن نظام التوقيت الميسر يستند إلى القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي يتيح تنظيم تكوينات أساسية مؤدى عنها خارج التوقيت الجامعي العادي لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وغيرهم من الراغبين في الاستفادة منه.

وشدد في تصريح لـ”Lebrief” عربي، أن هذا النظام لا يستهدف الموظفين والأجراء فقط، بل يندرج ضمن توجه أوسع يقوم على تنويع أنماط الولوج إلى الجامعة وتكييف الزمن الجامعي مع الأوضاع المهنية والاجتماعية، بما يتيح للموظفين والأجراء الجمع بين العمل والدراسة، كما يمكن أن يساهم في توسيع قاعدة المستفيدين وتحسين استغلال البنيات الجامعية والتخفيف من الاكتظاظ.

وأشار العميد إلى أن التوقيت الميسر لا يعني التخلي عن مجانية المسار الجامعي العادي، ولا يفرض رسوما على الطلبة الذين يتابعون دراستهم وفق التوقيت التقليدي، موضحا أن الرسوم ترتبط بتنظيم التكوين خارج الأوقات المعتادة وما يتطلبه ذلك من تعبئة إضافية للأساتذة والأطر واستعمال القاعات والتجهيزات والخدمات.

كما دافع عن إدراج الدكتوراه ضمن هذا النظام، باعتبارها مسارا للتكوين والبحث يتضمن وحدات وأنشطة علمية وتأطيرا، وليس مجرد إعداد أطروحة.

وخلص المتحدث في تصريحه، أن فلسفة التوقيت الميسر تقوم على تحقيق المرونة دون المساس بجودة التكوين أو قيمة الشهادة الوطنية، إذ يتعلق الأمر بتغيير زمن تقديم الخدمة الجامعية وليس تخفيف متطلبات النجاح أو التقييم، معتبرا أن نجاح التجربة يظل مرتبطا بمدى مساهمتها في توسيع الولوج إلى الجامعة، ودعم التعلم مدى الحياة، وتقوية صلة الجامعة بمحيطها المهني والاقتصادي، مع ضمان الشفافية في التدبير والحفاظ على المعايير الأكاديمية.

“صمت للوزارة” … تنسيقية الموظفين: التعليم “لا يجب أن يضرب في الأداء”

أما في الجهة المقابلة، قال زكرياء مزواري، عضو التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر، أن الأخيرة ترفض رفضا قاطعا فرض رسوم على التكوين الجامعي، معتبرا أن ذلك يمس بمبدأ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص والحق في التعلم والتكوين مدى الحياة، مشددا على رفض تحويل الجامعة العمومية إلى فضاء تحكمه القدرة المادية، بما يؤدي، وفق تعبيره، إلى قيام جامعة بسرعتين، مفتوحة أمام القادرين على الأداء ومغلقة أمام الفئات محدودة الدخل.

وانتقد مزواري في تصريح لـ”Lebrief” عربي، دفاع بعض مكونات منظومة التعليم العالي عن الرسوم، مقابل صمت الوزارة الوصية، مطالبا بالكشف عن الأساس القانوني والسياسي الذي تستند إليه في فرضها، معتبرا، أن اعتماد هذه الرسوم يأتي في سياق اجتماعي واقتصادي صعب، يواجه فيه الموظفون والأجراء تراجع القدرة الشرائية، رغم أن مواصلة الدراسة وتطوير الكفاءات يفترض أن تظل متاحة أمامهم داخل الجامعة العمومية.

وحمل مزواري الوزارة الوصية مسؤوليتها عن هذا المسار وما قد يترتب عنه من احتقان، داعيا رئيس الحكومة إلى التدخل وفتح حوار جدي حول مستقبل التكوين بالتوقيت الميسر وإعادة النظر في الرسوم المفروضة، خالصا إلى أن الجامعة العمومية يجب أن تظل حقا متاحا للجميع، وأن التكوين مدى الحياة لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز مرتبط بالقدرة على الأداء.

ملف الرسوم يجمع “أغلبية ومعارضة”

وحول الموضوع، وجه برلمانيون أغلبية ومعارضة على حد سواء، أسئلة كتابية إلى الحكومة رفضوا فيها الرسوم الجامعية المفروضة على التكوين بالتوقيت الميسر، واصفين إياها بـ”الباهظة”، ومطالبين بتوضيحات بشأن الأساس القانوني لاعتمادها ومدى انسجامها مع مبدأ مجانية التعليم العالي.

ووجه منصف الطوب، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية (أغلبية برلمانية) سؤالا كتابيا إلى عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حول ارتفاع هذه الرسوم و”انعكاساتها على الحق في التعليم وتكافؤ الفرص”، مؤكدا أن فرض رسوم مرتفعة على بعض مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه يثير مخاوف من ربط الولوج إلى التكوين الجامعي بالقدرة المادية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرا إلى الصعوبات التي تواجه الطلبة الأجراء بسبب الرسوم وبرمجة الدراسة والامتحانات في أوقات تتعارض مع التزاماتهم المهنية.

كما أثار الطوب إشكال مطالبة بعض الطلبة المسجلين قبل دخول هذه الرسوم حيز التنفيذ بأدائها، معتبرا أن ذلك يطرح تساؤلات بشأن “الأمن القانوني وعدم رجعية القوانين”، فضلا عن جدوى هذه الرسوم في تحسين جودة التكوين والبحث العلمي، متسائلا في نفس السؤال عن الأساس القانوني لفرضها، ومبررات تحديد قيمتها، والتدابير الكفيلة بمراعاة وضعية الطلبة الأجراء، إلى جانب مدى استعداد الوزارة لإجراء تقييم وطني مستقل وشفاف لآثار هذه الرسوم على الولوج إلى التعليم العالي وجودة التكوين والبحث العلمي ونشر نتائجه للرأي العام.

من جهتها، أثارت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي (معارضة)، ملف الرسوم الجديدة المعتمدة ببعض الجامعات، مسلطة الضوء على انعكاساتها الاجتماعية والقانونية، خصوصا بعدما بلغت في بعض المسالك نحو 20 ألف درهم سنويا بالدكتوراه و30 ألف درهم ببعض برامج الماستر، معتبرة أن هذه المبالغ قد تحول الكلفة المالية للتكوين إلى عائق أمام فئات من الطلبة، لاسيما أبناء الأسر محدودة الدخل، بما يطرح، بحسبها، تساؤلات حول تكافؤ الفرص والحق في الولوج إلى التعليم العالي.

وركزت التامني في سؤالها الموجه إلى وزير التعليم العالي على مدى قانونية مطالبة طلبة كانوا مسجلين قبل اعتماد الإطار المنظم لهذه الرسوم بأدائها، أو إلزامهم بالإدلاء بما يثبت عدم مزاولتهم لعمل، معتبرة أن الأمر يستدعي توضيحا بشأن الأمن القانوني ومبدأ عدم رجعية القوانين، لافتة إلى الصعوبات التي تواجه الطلبة الأجراء بسبب برمجة الدراسة والامتحانات خلال أوقات العمل، مطالبة بالكشف عن السند القانوني لهذه الرسوم ومدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية، وكذا الإجراءات المرتقبة لمراجعتها وضمان تكافؤ الفرص.

خفض رسوم الماستر.. وإبقاء رسوم الإجازة “على حالها”

في هذا الإطار، أوضح منتدى رؤساء الجامعات أن تنظيم التكوين بالتوقيت الميسر وتحديد واجبات التسجيل الخاصة به يدخلان ضمن اختصاصات الجامعات، مؤكدا أن الرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء والمهنيين لا تشمل التكوين بالتوقيت العادي ولا تمس مجانيته بالنسبة إلى الطلبة. وذكر أن رسوم الإجازة لم تعرف تغييرا مقارنة بالسنوات السابقة، بينما جرى خفض رسوم الماستر، مع اعتماد تسهيلات في الأداء ومراعاة الحالات الاجتماعية، بما في ذلك إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجور، وفق قرار سبق للمنتدى الإعلان عنه، معتبرين أن التكوين بالتوقيت الميسر يندرج ضمن مبدأ التكوين مدى الحياة ويتيح للعاملين استكمال دراستهم إلى جانب التزاماتهم المهنية.

بلاغ توضيحي لمنتدى رؤساء الجامعات حول جدل الرسوم الجامعية
بلاغ توضيحي لمنتدى رؤساء الجامعات حول جدل الرسوم الجامعية

وأشار المنتدى في بلاغه، إلى أن رسوم الدكتوراه ترتبط بخصوصية هذا التكوين وما يتطلبه من بحث علمي وتأطير وتعبئة للأساتذة الباحثين والأطر والمختبرات والتجهيزات، مشيرا إلى تخصيص 40 في المائة من المداخيل للتسيير أو الاستثمار و60 في المائة لدعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين.

كما أكد التزام الجامعات باحترام القانون وصون الحقوق المكتسبة، ولا سيما مبدأ عدم رجعية القواعد القانونية، مشيرا إلى أن التكوين بالتوقيت الميسر قرار بيداغوجي يدخل ضمن اختصاصات الجامعات، ورفض المنتدى ما وصفه بـ”تسييس” الشأن التربوي وتوظيفه خارج اعتبارات الجودة والجدية والمواطنة.

وفي هذا السياق، أوضح محمد لروز، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، أن التكوين بالتوقيت الميسر يختلف عن التكوين الأساسي بالتوقيت العادي، باعتباره صيغة تنظيمية جامعية خاصة تستجيب لحاجيات فئة من الراغبين في متابعة دراستهم الجامعية بالتوازي مع التزاماتهم المهنية.

ومن هذا المنطلق، أبرز العميد تصريح لـ”Lebrief” عربي، في أن هذه الصيغة لا تعني بأي حال التراجع عن مجانية التعليم الجامعي بالتوقيت العادي، مشيرا إلى أن فلسفة التوقيت الميسر تقوم على تنظيم الزمن الجامعي بما يراعي خصوصية الفئة المستهدفة، التي تضم أساسا الموظفين والمستخدمين وأجراء القطاع الخاص وغيرهم من المهنيين، ممن تحول ساعات عملهم دون الانتظام في الدراسة وفق التوقيت الجامعي المعتاد.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية