سياسة

رئاسة مجلس النواب.. منصب دستوري في قلب مفاوضات الأغلبية

C7LYB0QiGB0nqIgUNphvKzEUHyugkPLFTK82bHUhvA7m49SxkH4kQuIrQDvpcOYaLziRHXgGRx5d 5ZWVwmKUAPhiAEqSG0Se65ykUSLQppQY6vNz1o wuh6ZIuilsGEeRloEjSJa8jwSLnmfKBNswCbzhijtKV0hHaSX1HhgtoU YnpB5OKryaA4On9PRGe
مقر البرلمان المغربي بالرباط. المصدر: ويكيميديا كومنز / Taha ahh – CC0.
A A A A A

قبل ساعات من افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، بقي واحد من أبرز مناصبها خارج دائرة الحسم الرسمي، ويتعلق الأمر برئاسة مجلس النواب. وبينما يترأس الملك محمد السادس، الجمعة 9 أكتوبر، افتتاح الدورة الأولى، تواصل الأحزاب مفاوضاتها بشأن الأغلبية الحكومية وتوزيع مواقع المسؤولية، وقد تحولت رئاسة الغرفة الأولى إلى أحد الملفات التي تتقاطع عندها الحسابات الحكومية والبرلمانية.

وتفيد المعلومات المنشورة  إلى غاية مساء الخميس 8 أكتوبر بأن المنصب ما زال حاضرا في المفاوضات بين الأحزاب المرشحة لتشكيل الأغلبية. ونقلت مصدر إعلامية أن النقاش يدور حول إسناده إلى حزب الأصالة والمعاصرة أو حزب الاستقلال، بالتوازي مع طرح رئاسة مجلس المستشارين ضمن التوازن نفسه. هذا في الوقت الذي  تحدثت مصادر صحافية أخرى عن اتجاه داخل الأصالة والمعاصرة للاحتفاظ برئاسة مجلس النواب، مع تداول عدة أسماء من الحزب، من دون إعلان رسمي عن مرشح نهائي حتى الآن.

هذه المفاوضات تمنح المنصب أهمية تتجاوز شخص الرئيس المقبل. فرئاسة مجلس النواب ستكون، عمليا، أول امتحان بالتصويت لمدى قدرة التحالف الذي يتشكل خارج البرلمان على التحول إلى أغلبية منضبطة داخله.

الرئيس لا يأتي بحكم نتائج الانتخابات

لا يمنح الدستور رئاسة مجلس النواب للحزب المتصدر للانتخابات، ولا يربطها بالحزب الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة. فالفصل 62 يترك القرار لأعضاء المجلس أنفسهم، عبر الانتخاب في مستهل الفترة النيابية، قبل إعادة انتخاب الرئيس في السنة الثالثة، خلال دورة أبريل، لما تبقى من الولاية.

وتكشف هذه القاعدة فارقا أساسيا بين رئاسة المجلس وبقية هياكله. فالدستور يفرض توزيع أعضاء مكتب مجلس النواب وفق التمثيل النسبي للفرق، بينما يخضع منصب الرئيس لتصويت مستقل يحتاج إلى بناء أغلبية حول مرشح بعينه. لذلك يستطيع حزب لا يملك أكبر كتلة نيابية الوصول إلى الرئاسة متى استطاع جمع الأصوات اللازمة، وهو ما حدث أكثر من مرة خلال العقد ونصف العقد الأخيرين.

وتعطي هذه الخصوصية للمنصب قيمة تفاوضية مرتفعة خلال تشكيل التحالفات. فالحزب الذي لا يحصل على عدد الحقائب الحكومية الذي يطمح إليه قد يبحث عن تعويض داخل المؤسسة التشريعية، كما يمكن للأحزاب أن توزع فيما بينها رئاسة الغرفتين واللجان ومواقع المكتب ضمن تفاهم سياسي أشمل.

من يدير الانتخاب؟

قبل ظهور الرئيس الجديد، يدخل مجلس النواب مرحلة مؤقتة حددها نظامه الداخلي بالتفصيل. فبعد توصل المجلس باللائحة الرسمية للنواب المنتخبين، يتولى الكاتب العام إشعار أقدم نائب أو نائبة من حيث عدد الولايات التشريعية المتتالية، مع اعتماد السن عند الحاجة، للإشراف على انتخاب الرئيس. ويشكل الرئيس المؤقت مكتبا يضم نائبتين ونائبين من أصغر أعضاء المجلس سنا.

وتنحصر مهمة هذا المكتب في الوصول بالمجلس إلى انتخاب رئيسه، إذ يمنع النظام الداخلي إجراء مناقشات أخرى تحت إشرافه.

وخلال الجلسة المخصصة للانتخاب، يفتح الرئيس المؤقت باب الترشيحات. ويحق لكل نائب أو نائبة تقديم ترشحه شخصيا داخل الجلسة نفسها، قبل إعلان قائمة المرشحين والانتقال إلى الاقتراع السري. ولا توجد، من الناحية القانونية، آلية تمنح الأحزاب وحدها حق تقديم المرشح، حتى وإن كانت الترشيحات في الممارسة السياسية نتيجة توافقات حزبية سابقة.

ويضع النظام الداخلي عتبة واضحة لحسم الرئاسة من الجولة الأولى وهي الحصول على الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب. وبما أن الغرفة الأولى تتكون من 395 نائبا، يحتاج المرشح إلى 198 صوتا، بصرف النظر عن عدد النواب الموجودين فعليا داخل القاعة.

وفي حالة إخفاق جميع المرشحين في بلوغ هذه العتبة، ينتقل المجلس إلى دور ثان، يصبح فيه الفوز لمن يحصل على الأغلبية النسبية للأصوات المعبر عنها. وعند التعادل يفوز الأكبر سنا، وإذا تساوى المرشحان في السن أيضا تحسم القرعة النتيجة. أما في حالة وجود مرشح وحيد، فيكفي حصوله على الأغلبية النسبية في دور واحد.

رئاسة مجلس النواب..5 نقاط للفهم
  1. 198 صوتا تكفي لحسم الرئاسة من الدور الأول.
  2. لا أولوية للحزب الأول، المنصب يُحسم بالتصويت داخل المجلس.
  3. الولاية ليست خمس سنوات كاملة؛ يعاد انتخاب الرئيس في السنة الثالثة.
  4. المنصب جزء من توازنات الأغلبية إلى جانب الحكومة ورئاسة مجلس المستشارين وبقية الهياكل.
  5. أول اختبار للأغلبية الجديدة سيكون قدرتها على ترجمة تفاهماتها إلى تصويت منضبط داخل البرلمان.

ولاية مقسمة إلى مرحلتين

من يحصل على الرئاسة بعد افتتاح البرلمان لن يحتفظ بها تلقائيا إلى نهاية الولاية التشريعية. فالفصل 62  ينص على إعادة انتخاب الرئيس وأعضاء المكتب ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها في السنة الثالثة خلال دورة أبريل. وبالنسبة للولاية التي تبدأ في أكتوبر 2026، يعني ذلك أن مجلس النواب سيعيد انتخاب رئاسته في أبريل 2029، لما تبقى من الفترة النيابية.

ويجعل هذا النظام التوازنات البرلمانية قابلة لإعادة الاختبار في منتصف الولاية. فإذا تغيرت التحالفات أو خرج حزب من الحكومة أو أعادت الأحزاب ترتيب علاقاتها، يستطيع ذلك أن ينعكس على رئاسة المجلس عند محطة التجديد.

وقد قدمت ولاية 2011-2016 مثالا واضحا على ذلك. ففي دجنبر 2011، وبعد تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات بـ107 مقاعد، آلت رئاسة مجلس النواب إلى كريم غلاب عن حزب الاستقلال، الشريك في الأغلبية، بعدما حصل على 222 صوتا.

لكن خروج الاستقلال من الحكومة غير المعادلة. وعندما حان موعد تجديد هياكل المجلس في أبريل 2014، تقدم غلاب هذه المرة مرشحا لفرق المعارضة، في مواجهة رشيد الطالبي العلمي مرشح الأغلبية الحكومية. فاز الطالبي العلمي بـ225 صوتا مقابل 147 لغلاب.

بهذا المعنى، يتيح موعد منتصف الولاية نقل التحولات السياسية التي تقع خارج البرلمان إلى بنيته الداخلية من خلال تصويت جديد.

2017.. عندما وصل الحزب السادس إلى الرئاسة

وتقدم تجربة 2017 المثال الأوضح على أن رئاسة مجلس النواب لا تتبع ترتيب الأحزاب في الانتخابات. فبعد اقتراع أكتوبر 2016، تصدر حزب العدالة والتنمية النتائج، ودخل المغرب فترة طويلة من التعثر في تشكيل الحكومة. وسط تلك المفاوضات، تقدم الحبيب المالكي، عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مرشحا وحيدا لرئاسة المجلس، رغم حلول حزبه في المرتبة السادسة في الانتخابات.

وفي 16 يناير 2017 حصل المالكي على 198 صوتا، مقابل 137 ورقة بيضاء وسبع أوراق ملغاة، بينما انسحب الفريق الاستقلالي من عملية التصويت.

وأظهرت تلك المحطة أن الرئاسة يمكن أن تصبح جزءا من هندسة التحالف السياسي الأوسع، وأن وزن الحزب داخل المجلس لا يحدد وحده فرصه في الحصول عليها.

وفي 2021 اتخذ المشهد شكلا مختلفا. فبعد تصدر التجمع الوطني للأحرار الانتخابات وتولي عزيز أخنوش رئاسة الحكومة، انتخب المجلس رشيد الطالبي العلمي، المنتمي إلى الحزب نفسه، رئيسا بـ258 صوتا في الجولة الأولى. ثم أعاد انتخابه في أبريل 2024 بـ264 صوتا لما تبقى من الولاية.

وتكشف الحالات الثلاث ثلاثة نماذج مختلفة، رئيس من شريك في أغلبية يقودها حزب آخر سنة 2011، ورئيس من حزب صغير نسبيا وسط مفاوضات حكومية معقدة سنة 2017، ثم جمع الحزب المتصدر بين رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب سنة 2021.

أكثر من إدارة الجلسات

وتفسر صلاحيات رئيس مجلس النواب جانبا آخر من المنافسة على المنصب. فالنظام الداخلي يمنحه الإشراف على إدارة المجلس وأجهزته، ودعوة الجلسات العمومية وترؤسها، واستدعاء مكتب المجلس وندوة الرؤساء وإدارة اجتماعاتهما، إضافة إلى متابعة تنفيذ القرارات المرتبطة بعمل هذه الأجهزة. كما يمثل المجلس قانونيا، ويتحدث باسمه رسميا في علاقاته مع باقي المؤسسات، ويتولى صفة الآمر بصرف ميزانيته.

ويمتد موقع الرئيس إلى المجال الدستوري الأوسع. فهو عضو في المجلس الأعلى للأمن إلى جانب رئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين ومسؤولين آخرين، وعضو في مجلس الوصاية. كما يستشيره الملك قبل إعلان حالة الاستثناء، ويستشيره رئيس الحكومة قبل اتخاذ قرار حل مجلس النواب. ويملك رئيس المجلس أيضا صلاحية إحالة بعض القوانين والاتفاقيات الدولية إلى المحكمة الدستورية، ويرأس الجلسات المشتركة للبرلمان.

أما داخل المؤسسة، فيقود الرئيس جهازا محوريا آخر هو ندوة الرؤساء، التي تشارك في تنظيم المناقشات والبرمجة الزمنية لأشغال المجلس، ما يمنح الرئاسة حضورا مستمرا في تدبير إيقاع العمل التشريعي والرقابي.

ويحمل انتخاب الرئيس أثرا مباشرا على استكمال بناء مجلس النواب نفسه. فخلال أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام من انتخاب الرئيس، يعقد المجلس جلسة لانتخاب أعضاء مكتبه. ويتكون المكتب، إلى جانب الرئيس، من ثمانية نواب للرئيس ومحاسبين وثلاثة أمناء، مع توزيع المواقع وفق التمثيل النسبي للفرق وضمان مواقع للمعارضة وفق النظام الداخلي.

بعد ذلك تكتمل بقية البنية عبر الفرق واللجان ورئاساتها. ومن ثم يصبح انتخاب الرئيس نقطة البداية التي تسمح بانتقال المجلس من وضعه المؤقت إلى مؤسسة مكتملة الأجهزة وقادرة على ممارسة وظائف التشريع ومراقبة الحكومة.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً