يدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى اعتماد منعطف أكثر صرامة في مكافحة عمل القاصرين في المغرب. وفي رأي قُدم خلال لقاء انعقد يوم الأربعاء 1 يوليوز، أوصت المؤسسة باعتماد سياسة عمومية مندمجة تقوم على مبدأ محوري يتمثل في المنع الفعلي والواضح لأي نشاط اقتصادي يشمل قاصرين دون 16 سنة.
ويأتي هذا التوجه في سياق يعرف، رغم التراجع الكبير للظاهرة خلال العقدين الماضيين، استمرار أشكال من العمل المبكر تطرح تساؤلات بشأن نجاعة الآليات الحالية. ويرى المجلس أن تشتت التدخلات القطاعية لم يعد يسمح بمواجهة تعقيد الظاهرة، داعيا إلى إعادة صياغة شاملة للعمل العمومي ضمن إطار موحد ومنسجم وملزم.
اقرأ أيضا: عمل الأطفال: 103.000 قاصر معنيون في المغرب سنة 2025
تراجع مهم لكن الظاهرة ما تزال قائمة
وتظهر المعطيات التي قدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تطورا لافتا على المدى الطويل. فقد انتقل عدد القاصرين في وضعية عمل من نحو 517.000 سنة 1999 إلى حوالي 101.000 سنة 2024، أي بانخفاض يفوق 80%. ويصف المجلس هذا التطور بأنه «تقدم لا جدال فيه»، مع التأكيد على أنه لا ينبغي أن يحجب استمرار أوضاع يعتبرها غير مقبولة.
وبحسب رئيس المجلس، عبد القادر اعمارة، فإن الانتقال إلى «صفر تسامح» أصبح اليوم ضرورة. ويرى أن «حرمان طفل واحد من التمدرس وتعريضه لنشاط اقتصادي بسبب الهشاشة الاجتماعية يظل اختلالا كبيرا»، مذكرا بأن مكان الطفل يظل، من حيث المبدأ، في الفضاء التربوي والأسري.
ومن بين أبرز التوصيات، يقترح المجلس رفع الحد الأدنى القانوني لولوج العمل داخل المقاولات إلى 16 سنة، انسجاما مع إلزامية التمدرس. ويعني هذا الإجراء مراجعة المادة 143 من مدونة الشغل، بما يضمن مواءمة صارمة بين قانون الشغل والمتطلبات التعليمية.
كما توصي المؤسسة بتحيين لائحة الأشغال الخطرة الممنوعة على القاصرين دون 18 سنة. ويُعتبر النظام الحالي، المؤطر بمرسوم يعود إلى أكثر من عقد، غير ملائم بما يكفي للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، خصوصا مع بروز أشكال جديدة من الاستغلال المرتبطة بالمنصات الرقمية والبيئات المرقمنة.
ويشدد المجلس على ضرورة اعتماد مقاربة موسعة لمفهوم الخطر، تدمج حاليا الأنشطة عبر الإنترنت، والعمل غير المهيكل عن بعد، وبعض أشكال المشاركة الاقتصادية غير المباشرة التي قد تعرض القاصرين لأعباء عمل أو ضغوط غير ملائمة.
ربط المساعدات بالتمدرس وتحميل الفاعلين الاقتصاديين المسؤولية
ويهم أحد المحاور الأكثر هيكلة في هذا الرأي العلاقة بين الحماية الاجتماعية ومكافحة عمل القاصرين. ويوصي المجلس بربط المساعدات العمومية الممنوحة للأسر الهشة بالتمدرس الفعلي للأطفال. ويتمثل الهدف في الحد من الخيارات الاقتصادية التي تدفع بعض الأسر إلى تفضيل دخل فوري على حساب الدراسة.
وفي الاتجاه نفسه، يقترح المجلس إقرار آليات عقابية مشددة في حق المقاولات المخالفة. وقد يصبح تشغيل القاصرين سببا للإقصاء من الصفقات العمومية وسحب الدعم المالي العمومي. كما تدعو المؤسسة إلى تعزيز تتبع سلاسل المناولة لتفادي انتقال بعض الممارسات إلى دوائر اقتصادية أقل ظهورا.
وبعيدا عن الجانب الزجري، يشدد المجلس على الأسباب البنيوية للظاهرة. فالفقر، والانقطاع المدرسي، والفوارق المجالية، وثقل الاقتصاد غير المهيكل، تُحدد كأبرز عوامل استمرار عمل القاصرين.
ويؤكد رئيس المجلس أن الاستجابة يجب أن تتجاوز المنطق المعياري وحده. ووفقا له، فإن «مكافحة عمل الأطفال لا يمكن أن تكون فعالة من دون معالجة الهشاشات الاجتماعية التي تشكل أرضيتها». ويقتضي ذلك، على الخصوص، تعزيز سياسات دعم الأسر، وجودة التعليم، وآليات إعادة الإدماج المدرسي.
نحو مسار مؤطر للفئة بين 16 و18 سنة
ولا يقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي فقط منطق المنع، بل أيضا هيكلة المسارات الخاصة بالمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة. ويوصي بإرساء وضع خاص للمتدرب أو المتمرن، مؤطر قانونيا، يجمع بين التكوين داخل المقاولة والتعلم في مركز متخصص.
ويتمثل الهدف في ضمان انتقال تدريجي إلى عالم الشغل، مع تأمين حماية اجتماعية فعلية وتأطير تربوي صارم. كما يروم هذا النظام توفير بدائل للشباب المنقطعين عن الدراسة، لا سيما عبر آليات من نوع «الفرصة الثانية».
وعلى المستوى العملي، يدعو المجلس إلى تعزيز كبير لتفتيش الشغل. ويوصي باستخدام أدوات تحليل البيانات لتحديد المناطق المعرضة للخطر واستهداف المراقبة بشكل أفضل. كما يمكن توسيع نطاق العقوبات ليصل إلى سحب رخص الاستغلال من البنيات العائدة إلى المخالفة.
وتشدد المؤسسة أيضا على ضرورة تعزيز الموارد البشرية والتقنية لأجهزة المراقبة، بما يضمن التطبيق الفعلي للقانون على امتداد التراب الوطني.
اقرأ أيضا: عمل الأطفال: المرصد الوطني لحقوق الطفل يطلق حملة لتعزيز اليقظة
استراتيجية طويلة الأمد تضع الطفولة في صلبها
ويذكر المجلس أيضا بأنه أبرم في مارس 2026 اتفاقية شراكة مع المرصد الوطني لحقوق الطفل بهدف تعزيز التنسيق المؤسساتي. ويهدف هذا التعاون إلى تحسين إنتاج المعطيات، والتحسيس، وتقييم السياسات العمومية.
وفي ختام توصياته، يجدد المجلس التأكيد على موقف مبدئي مفاده أن القضاء على عمل القاصرين لا يمكن تصوره من دون تحول أوسع في النموذج الاجتماعي. ويرى في ذلك رهانا يتعلق بالتماسك، وأيضا بالتنمية، معتبرا أن حماية الطفولة تمثل استثمارا مباشرا في استقرار البلاد وإنتاجيتها مستقبلا.