وتشير المعطيات المتوفرة، إلى أن الرباط تدرس إمكانية التقدم بطلب الانضمام إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن أخنوش سيعرض في باريس حصيلة أداء حكومته خلال السنوات الخمس الماضية. ولم تتحدث المنظمة أو الحكومة المغربية، إلى حدود الآن، عن تقديم طلب رسمي للعضوية، ما يجعل الأمر في مستوى دراسة الخيار وليس قرارا معلنا.
الرباط و”OECD”.. علاقة مؤسساتية متقدمة
ويأتي هذا التطور في سياق علاقة مؤسساتية متقدمة بين الرباط والمنظمة التي يوجد مقرها في باريس، إذ لم يعد التعاون بين الطرفين مقتصرا على برامج محدودة، بل تطور خلال السنوات الماضية إلى شراكة استراتيجية شملت مجالات الحكامة والسياسات العمومية والاستثمار والتنمية الترابية والتعليم ومحاربة الفساد.
وتؤكد صفحة المنظمة الرسمية الخاصة بالمغرب، المحدثة حاليا، أن تنفيذ المرحلة الثانية من “برنامج المغرب” انتهى في شتنبر 2024، بعد إنجاز 15 مشروعا موزعة على أربعة محاور رئيسية.
وبحسب المنظمة، فقد خلص التقييم الخارجي للبرنامج إلى نتائج ممتازة، قبل أن يوقع المغرب و”OECD” مذكرة تفاهم جديدة تتضمن خطة عمل جديدة. كما تعمل مديرية العلاقات العالمية والتعاون في المنظمة حاليا مع مكتب رئيس الحكومة لتحديد نطاق هذه الخطة وأولوياتها.
وكان توقيع مذكرة التفاهم الجديدة قد تم في الرباط يوم 11 شتنبر 2024، بالتزامن مع اختتام المرحلة الثانية من برنامج التعاون، بحضور الأمين العام للمنظمة ماتياس كورمان ورئيس الحكومة عزيز أخنوش. واعتبرت OECD حينها الاتفاق محطة جديدة لمواصلة دعم أهداف المغرب في النمو والتنمية الاقتصادية.
من شراكة متقدمة إلى بوادر العضوية
وتمنح هذه الخلفية أهمية خاصة للحديث عن بوادر طلب المغرب الانضمام إلى المنظمة. فالمغرب ليس عضوا في “OECD”، لكنه يتمتع منذ سنوات بعلاقة تعاون وثيقة معها، وكان إلى جانب تايلاند من الاقتصادات الشريكة الوحيدة التي دخلت في مرحلة ثانية من “برنامج بلد” تابع للمنظمة. وتقول “OECD”، إن هذا النوع من البرامج، يهدف إلى تمكين الشركاء من الاستفادة من خبرة المنظمة وممارساتها وتعزيز المؤسسات والقدرة على إصلاح السياسات والاقتراب من معاييرها.
وفي حال قررت الرباط الانتقال من مستوى الشراكة إلى طلب العضوية، فسيكون ذلك تحولا نوعيا في طبيعة العلاقة، لأن العضوية في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ترتبط بمسار طويل من التقييمات والمراجعات والمواءمة مع عدد كبير من المعايير والسياسات التي تعتمدها المنظمة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والحكامة والمنافسة والضرائب والسياسات الاجتماعية وغيرها.
ماذا يعني انضمام المغرب إلى “OECD”؟
انضمام المغرب إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، سيضع المغرب أمام مسار تقني متعدد السنوات، وليس مجرد إعلان سياسي. فبعد تقديم طلب رسمي، يحتاج فتح مفاوضات الانضمام إلى قرار من مجلس المنظمة، ثم اعتماد خارطة طريق تحدد شروط الانضمام. بعدها يقدم البلد مذكرة أولية للتقييم الذاتي، وتبدأ مراجعات تقنية قد تشمل ما يصل إلى 25 لجنة متخصصة، تقيّم مدى توافق قوانينه وسياساته وممارساته مع معايير المنظمة، ويمكن أن تنتهي بتوصيات لتعديل تشريعات وسياسات وممارسات قائمة.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن جزءا من هذا العمل موجود أصلاـ قبل أي طلب عضوية محتمل. فالمملكة انضمت بالفعل إلى 35 أداة قانونية لـ “OECD”، وترتبط بـ12 لجنة داخل المنظمة، وتحظى بوضعية مشارك في 3 لجان، ومدعوة إلى 32 لجنة أخرى. كما أن المغرب أصبح عضوا مشاركا في لجنة الاستثمار، وتخضع سياساته الاستثمارية لمراجعات المنظمة.
وتكمن أهمية العضوية في أنها ستنقل المغرب من شريك يشارك في أجزاء من منظومة OECD إلى دولة عضو تشارك في صياغة معايير المنظمة ومناقشة سياساتها. كما يمكن أن تعزز العضوية ثقة المستثمرين، خصوصا من خلال الالتزام بمعايير في مجالات حوكمة الشركات، مكافحة الفساد، الاستثمار، المنافسة والأسواق المالية والحكامة العمومية.
والنقطة الأهم في الحالة المغربية، هي أن المملكة لا تبدأ من الصفر؛ فقد استخدمت برنامج التعاون مع “OECD”، خلال السنوات الماضية كآلية لتقريب تشريعاتها وسياساتها من معايير المنظمة. وإذا تحولت فكرة العضوية إلى طلب رسمي، فإن جزءا من البنية التقنية والمؤسساتية اللازمة موجود بالفعل، لكن ذلك لا يعني أن المغرب مستوف لكل شروط العضوية، إذ سيتعين عليه المرور بمراجعات واسعة لمختلف مجالات السياسات العامة قبل اتخاذ القرار النهائي.
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OECD” في سطور:
- منظمة دولية مقرها في باريس، تأسست سنة 1961، وتضم حاليا 38 دولة عضوا.
- تعمل على تطوير معايير وسياسات مشتركة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والضرائب والحكامة والمنافسة والتعليم وسوق الشغل والبيئة.
- تعتمد على البيانات والمقارنات الدولية لتقييم السياسات العمومية وتقديم توصيات للإصلاح وتحسين النمو والإنتاجية ومستويات المعيشة.
- لا تمنح العضوية تلقائيا، إذ يخضع البلد الراغب في الانضمام لمسار تفاوضي ومراجعات تقنية واسعة للتأكد من توافق قوانينه وسياساته مع معايير المنظمة.
- المغرب ليس عضوا فيها حاليا، لكنه يرتبط بها منذ سنوات بشراكة مؤسساتية متقدمة، انتهت مرحلتها السابقة في شتنبر 2024، قبل إبرام مذكرة تفاهم جديدة وخطة عمل جديدة.
أجندة الـ “OECD” تحت المجهر
ويأتي هذا النقاش بينما تعرف أجندة “OECD” في باريس خلال هذه الفترة نشاطا مكثفا. وتظهر الأجندة الرسمية للمنظمة عقد مؤتمر حول تحديث مراقبة عمليات الاندماج والاستحواذ اليوم الاثنين 7 شتنبر، إضافة إلى مواعيد أخرى مرتقبة خلال الأيام المقبلة، من بينها مؤتمر حول إدارة الدين العام يومي 10 و11 شتنبر.
كما تكشف أجندة المنظمة عن صدور تقارير ودراسات جديدة خلال هذه الفترة، في وقت تستعد فيه “OECD”، لإطلاق تقريرها حول إصلاحات السياسة الضريبية لسنة 2026 يوم 8 شتنبر، وهو تقرير يغطي الإصلاحات الضريبية التي اعتمدتها أو أعلنتها 92 ولاية قضائية.
وبذلك، تبدو زيارة أخنوش إلى باريس المرتقبة، في لحظة تتقاطع فيها حصيلة خمس سنوات من العمل الحكومي مع مرحلة جديدة في العلاقات المغربية-الأوروبية والمؤسساتية.