وقبل ساعات من التصويت، أعلن المتحدث باسم المجموعة البرلمانية الاشتراكية، باتشي لوبيز، دعم حزبه للمبادرة، واعتبر أنها ستعيد للصحراويين “الحق في الاعتراف بالجنسية الإسبانية” الذي تم منحه إياهم قبل خمسين عاما، ولم يتمكنوا، وفق قوله، من ممارسته فعليا. وشدد لوبيز على أن المجموعة الاشتراكية، تتخذ موقفها “بشكل مستقل” عن رأي المغرب، مستحضرا ما وصفه بـ”الالتزام التاريخي” للحزب الاشتراكي بـ” القضية الصحراوية”.
قانون يعيد جذوره إلى انسحاب إسبانيا من الصحراء
قدمت مجموعة سومار البرلمانية المصنفة في أقصى اليسار، والمعروفة بدعمها لأطروحة البوليساريو، المقترح رسميا في مارس 2024، بتوقيع نواب بينهم تيش سيدي، النائبة الإسبانية ذات الأصول الصحراوية، وأغوستين سانتوس وإنريكي سانتياغو. ويقوم مبرر المبادرة على وجود ما يعتبره أصحابها “دينا تاريخيا” لإسبانيا تجاه الصحراويين الذين عاشوا تحت إدارتها قبل انسحابها سنة 1976.
وتستعيد ديباجة النص الرواية الإسبانية لتاريخ الصحراء، لاسيما تحويل الإقليم سنة 1958 إلى “مقاطعة إسبانية”، وامتلاك سكان منه وثائق هوية إسبانية، ومشاركتهم في مؤسسات الإدارة، فضلا عن التحاق بعضهم بالوظيفة العمومية والقوات المسلحة والدراسة في الجامعات الإسبانية. ويستند أصحاب المشروع إلى هذه الروابط لتبرير وضع قانوني استثنائي يختلف عن المسار العادي للحصول على الجنسية.
وتعود إحدى العقد الأساسية بحسب نفس الرواية، إلى المرسوم الملكي الصادر سنة 1976، بعد انتهاء الوجود الإسباني في الصحراء. فقد منح المرسوم لفئات من السكان حق اختيار الجنسية الإسبانية خلال أجل سنة، شريطة التوفر على وثائق إسبانية محددة. غير أن إسبانيا كانت قد انتهى وجودها في الصحراء منذ فبراير من العام نفسه، ما يعتبره أصحاب المقترح سببا جعل ممارسة هذا الحق صعبة بالنسبة إلى عدد كبير من المعنيين.
وأعاد حكم للمحكمة العليا الإسبانية سنة 2020 القضية إلى الواجهة القانونية، بعدما قضى بأن الولادة في منطقة الصحراء خلال الفترة الاستعمارية، لا تجعل الشخص مولودا في إسبانيا بالمعنى الذي يمنحه الجنسية الإسبانية الأصلية تلقائيا.
واختار المقترح الجديد، لذلك مسارا مختلفا، إذ يعتبر أن “ظروفا استثنائية” متوفرة بالنسبة إلى سكان الصحراء المولودين فيها قبل 29 شتنبر 1977، بما يسمح لهم بطلب الجنسية بصفة استثنائية، من دون اشتراط الإقامة في إسبانيا. وتم اختيار هذا التاريخ لأنه يوافق انتهاء مهلة السنة التي منحها مرسوم 1976 لاختيار الجنسية.
ويتيح النص إثبات الاستفادة بواسطة بطاقة الهوية الإسبانية القديمة، أو التسجيل في لوائح استفتاء الصحراء الموثقة من الأمم المتحدة، أو شهادات الميلاد والدفاتر العائلية ووثائق الوظيفة التي أصدرتها الإدارة الإسبانية. كما يمكن اعتماد مجموعة من الوثائق الأخرى مجتمعة، بينها شهادات الدراسة ورخص السياقة الإسبانية ووثائق العلاج، أو أي وثيقة إدارية إسبانية تثبت الولادة في الإقليم قبل التاريخ المحدد.
ويمتد الامتياز إلى الأبناء من الدرجة الأولى، إذ يمنحهم القانون خمس سنوات لاختيار الجنسية بعد حصول أحد الوالدين عليها. كما يعدل المادة 22 من القانون المدني ليصبح بإمكان المنحدرين من الصحراء طلب الجنسية بعد سنتين من الإقامة القانونية في إسبانيا، على غرار مواطني دول أمريكا اللاتينية والبرتغال والفلبين وغينيا الاستوائية وأندورا واليهود السفارديم.
وفي حال إقراره نهائيا، سيدخل القانون حيز التنفيذ بعد أربعة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، وسيكون أمام المعنيين ثلاث سنوات لتقديم الطلبات، قابلة للتمديد سنة إضافية.

المغرب في خلفية القانون.. ملف جديد يضغط على العلاقة مع مدريد
ويحمل القانون حساسية خاصة بالنسبة إلى المغرب، ترتبط أساسا بملف الصحراء، وبالصفة القانونية والسياسية التي يمنحها النص للمستفيدين، فضلا عن المعايير التي يعتمدها لتحديد من يعتبرهم “صحراويين” لأغراض الجنسية.
فالديباجة تتحدث صراحة عن “الشعب الصحراوي” و”الصحراء الغربية”، كما يضع القانون تعريفا خاصا لمن يعتبرهم “صحراويين” لأغراض الجنسية. وتزداد حساسية المسألة لأن المستفيدين لا يقتصرون على المقيمين في مخيمات تندوف أو إسبانيا، بل يمكن أن تشمل الشروط أشخاصا يعيشون في العيون والداخلة وبقية مناطق الصحراء.
وظهرت هذه الحساسية داخل الأغلبية الحكومية الإسبانية نفسها. ففي اجتماع لجنة العدل في يوليوز، تقدم الحزب الاشتراكي بتعديلين لحذف عبارة “الشعب الصحراوي” من الديباجة وتعويضها بـ”السكان الصحراويين” أو “الصحراويين”. ونقلت صحيفة إلباييس عن مصادر برلمانية أن المبادرة جاءت بطلب من وزارة الخارجية لتجنب إغضاب المغرب، لكن التعديلين سقطا وبقيت العبارة في النص الذي أقرته اللجنة.
وقبل ذلك بأسابيع، أظهر وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس حجم الموازنة التي تحاول مدريد الحفاظ عليها. ففي 24 يونيو أعلن أنه “مؤيد تماما” لمنح الجنسية للصحراويين المولودين تحت الإدارة الإسبانية، لكنه قرن ذلك بالتأكيد على ضرورة الحفاظ على “أفضل علاقة مع المغرب”، مستحضرا المصالح الاقتصادية الإسبانية والعلاقات البشرية الواسعة بين البلدين.
ويأتي المشروع أيضا في ظروف مختلفة تماما عن المرحلة التي بدأ فيها النقاش. فمنذ مارس 2022، تعتبر الحكومة الإسبانية المبادرة المغربية للحكم الذاتي “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لحل نزاع الصحراء، في الوقت الذي تنطلق ديباجة مشروع الجنسية من تصور للعلاقة التاريخية بين إسبانيا و”الشعب الصحراوي”، وهو الأمر الذي يخلق ازدواجية سياسية بين الموقف الدبلوماسي للحكومة واللغة التي اعتمدها النص البرلماني.
وتبرز هذه الازدواجية مجددا عشية التصويت. فبينما أقرت مصادر في الحزب الاشتراكي، وفق إلباييس، بحساسية توقيت القانون بالنسبة إلى العلاقة مع المغرب، شدد باتشي لوبيز على أن موقف المجموعة الاشتراكية سيكون مستقلا عن موقف الرباط، فيما تتمسك وزارة الخارجية الإسبانية بأن تحديد من يمكنه الحصول على الجنسية يدخل ضمن “سيادة البرلمان الإسباني”.
وفي 17 غشت، ذكرت نفس الجريدة اليسارية أن الحكومة المغربية نقلت عبر قنوات مختلفة إلى مدريد مجموعة من المآخذ، بينها عدم التشاور معها حول تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا، وموضوع الجنسية للصحراويين، وقواعد الإرجاع على الحدود.
ولم تظهر الرباط، بشكل علني، موقفا رسميا بشأن هذه المبادرة الإسبانية، خصوصا أن منح الجنسية الإسبانية لا يغير قانونيا وضع الإقليم، ولا يعني اعتراف إسبانيا بـ”الجمهورية الصحراوية”. إلا أن المغرب قد يجد نفسه أمام فئة واسعة من سكان الصحراء أو المنحدرين منها تحمل مستقبلا الجنسية الإسبانية، وبالتالي جنسية الاتحاد الأوروبي، بما توفره من حقوق في الإقامة والتنقل والمشاركة السياسية داخل إسبانيا وأوروبا.
وعلى المدى الأبعد، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشكل جالية إسبانية من أصول صحراوية قادرة على التحرك داخل الأحزاب والجمعيات والمؤسسات الإسبانية والأوروبية.
من “تصحيح خطأ تاريخي” إلى مخاوف قانونية وجيوسياسية
وتقف سومار في مقدمة القوى الداعمة للمشروع. ويقدم إنريكي سانتياغو المبادرة باعتبارها استعادة لـ”حق تاريخي”، ويرى أن إسبانيا جعلت الاستفادة من خيار الجنسية الذي أقرته سنة 1976 شبه مستحيلة بعد مغادرة إدارتها الإقليم. كما دافع أمام لجنة العدل عن توسيع القانون إلى الأبناء وتقليص مدة الإقامة للحصول على الجنسية من عشر سنوات إلى سنتين.
وانتقل الحزب الاشتراكي بدوره إلى دعم النص بعد فترة طويلة من التحفظ والتعطيل. ففي لجنة العدل وصف النائب الاشتراكي فرناندو رالو القانون بأنه خطوة لـ”تصحيح ظلم تاريخي”، ودافع عن طريقتي الحصول على الجنسية، سواء عبر الإقامة لمدة سنتين أو عن طريق منح الجنسية بصفة استثنائية.
أما الحزب الشعبي، فاتخذ موقفا أكثر تعقيدا. فهو لا يرفض منح تسهيلات للصحراويين من حيث المبدأ، وسبق أن دعم مقترحات لتقليص مدة الإقامة المطلوبة، لكنه يعترض على التجنيس الواسع بالطريقة التي صاغتها سومار والحزب الاشتراكي. وأثار الحزب شكوكا بشأن الضمانات المتعلقة بإثبات هوية المستفيدين وطريقة استخدام آلية منح الجنسية الاستثنائية، وقدم تعديلات للدفاع عنها أمام الجلسة العامة. وبعد امتناعه في لجنة العدل، ظل موقفه من تصويت الخميس غير محسوم حتى عشية الجلسة.
واتخذ فوكس اليميني المتطرف موقفا رافضا، رغم تأكيده دعمه السياسي لمطلب “تقرير المصير” وانتقاده موقف حكومة سانشيز من المغرب. وبرر رفضه بمخاوف تتعلق بصعوبة التحقق من الوثائق، وعدم ملاءمة استخدام آلية منح الجنسية بصفة استثنائية على نطاق جماعي.
ودعم المبادرة كل من اليسار الجمهوري الكتالوني، وائتلاف إيه إتش بيلدو، والحزب القومي الباسكي، فيما ربطت مداخلات ممثلي هذه القوى بين الجنسية وما تعتبره مسؤولية تاريخية لإسبانيا تجاه الصحراء. أما حزب “معا من أجل كتالونيا”، فرغم دفاعه عن حق الصحراويين في الجنسية وانتقاده موقف مدريد الداعم للحكم الذاتي المغربي، فقد امتنع عن التصويت في اللجنة، وأبدى تحفظات على سرعة المسار التشريعي وعلى غياب تعريف قانوني أكثر دقة للمستفيدين.
من جهتها، تنظر البوليساريو بإيجابية إلى المبادرة، وتقدمها باعتبارها استعادة لحق مرتبط بفترة الوجود الإسباني. ويمنح القانون، إذا تم إقراره، جزءا من الصحراويين وأبنائهم إمكانية الحصول على الجنسية الإسبانية من دون أن يطلب منهم التخلي عن مواقفهم السياسية بشأن النزاع.
ويبقى موقف الحكومة الإسبانية أكثر دقة. فهي تدعم القانون حاليا، وفي الوقت نفسه تحاول الحد من انعكاساته على علاقتها الاستراتيجية مع المغرب. ومحاولة الخارجية حذف عبارة “الشعب الصحراوي” تعكس هذا التوازن، كما تعكسه تصريحات ألباريس التي جمعت بين دعم التجنيس والتشديد على أهمية الرباط بالنسبة إلى مدريد.