بدأت مؤشرات التصعيد قبل الموجة بأيام. ففي تقرير للشرطة الإسبانية مؤرخ في 29 يوليو، صنف المركز الوطني للهجرة والحدود خطر العبور سباحة إلى سبتة بأنه “مرتفع جدا”، بعدما أحصى بين 1 و28 يوليو 921 حالة عبور سباحة مقابل 124 محاولة عبر السياج. وأشار التقرير إلى 1164 عملية تدخل نفذها المغرب، في مقابل 119 عملية إنقاذ أو اعتراض ضمن البيانات التي استند إليها الجانب الإسباني.
ورصدت الشرطة في الوقت نفسه منشورات لبيع بدلات الغوص والزعانف، ورسائل داخل مجموعات للمهاجرين تتحدث عن تنسيق عمليات دخول عبر البر والبحر بالتزامن مع عيد العرش. لكنها سجلت أن المؤشرات المتاحة بشأن هجوم منظم على السياج ظلت غير حاسمة، كما اعتبرت أن تأثير حكم المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بمن يدخلون عبر البحر على تصاعد المحاولات لم يكن مثبتا آنذاك.
وفي اليوم نفسه، انتقل التحذير من الرصد الداخلي إلى التواصل مع المغرب. فقد وجه المركز الوطني للاستخبارات، في 29 يوليو عند الساعة 18:26، مذكرة عاجلة إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST والمديرية العامة للدراسات والمستندات DGED، تتحدث عن التخطيط لدعوات للدخول إلى سبتة سباحة وعبر السياج خلال أسبوع عيد العرش. وحددت المذكرة مجموعة على واتساب ومجموعتين على فيسبوك، إحداهما تضم أكثر من 160 ألف عضو والثانية أكثر من 22 ألفا.
وقبل إرسال المذكرة إلى الرباط، أبلغ ممثل CNI في سبتة مندوبية الحكومة الإسبانية عند الساعة 13:52 بوجود دعوة للعبور في اليوم التالي، قائلا إن مجموعتين تضمان نحو 180 ألف متابع، وإن الدعوة تراهن على انشغال قوات الأمن المغربية باحتفالات عيد العرش. وبعد دقيقة، نقل الجهاز التحذير نفسه إلى وحدة الاستخبارات التابعة للحرس المدني.
تقييمات إسبانية متباينة
تكشف الوثائق اختلافا واضحا بين الأجهزة الإسبانية عند تقييم موقف السلطات المغربية. ففي تقرير صادر عن استخبارات الحرس المدني يوم 30 يوليو، سجل الجهاز 1109 محاولات دخول سباحة خلال 24 ساعة، اعترضت القوات المغربية 493 منها، وخلص إلى أن هذه الأرقام لا تسمح بالقول إن السلطات المغربية أظهرت “تخليا واضحا عن مهامها” في اليوم السابق.
ورصد التقرير نفسه، صباح 30 يوليو، تجمعا قد يصل إلى 6 آلاف شخص يتجه نحو منطقة تاراخال، مع ما وصفه بـ”الخمول الظاهر” للقوات المغربية خلال تلك اللحظة، لكنه أشار أيضا إلى تعزيز الانتشار قرب سبتة بنحو ألف عسكري ودركي. وفي تقييمه النهائي، اعتبر الحرس المدني أن استخدام المغرب للهجرة ردا على إسبانيا “غير مرجح جدا”، ولم يرجح أن يكون العبور الجماعي قد جرى بموافقة أو تشجيع من السلطات المغربية.
ويختلف هذا التقييم جزئيا عن تقرير مركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية الصادر في 30 يوليو. فقد وصف الجهاز موقف القوات المغربية في سبتة بأنه اتسم بـ”السلبية” مقارنة بتحركها في مليلية، وقدر بدرجة “مرجحة جدا” أن السلطات المغربية لم تكن تشجع الموجة بنشاط، لكنه رأى أنها تصرفت حتى ذلك الوقت بطريقة “مهملة وسلبية”.
أما CNI، فقال في تقرير آخر يوم 30 يوليو إن السلطات المغربية أبدت في المرحلة السابقة تعاونا “معقولا”، لكنها تعرضت لضغط كبير بسبب حجم عمليات الإنقاذ، قبل أن تتجاوز التطورات قدرة الوحدات الموجودة على ضبط الوضع. وأكد الجهاز أن مشاركة السلطات المغربية أصبحت أساسية لاستعادة السيطرة على حدود سبتة.
وقبل ذلك بيوم، كان مركز تنسيق المضيق التابع للحرس المدني قد سجل ارتفاع عمليات الاعتراض المغربية من 947 إلى 1429 في أسبوع واحد، مشيرا صراحة إلى أن “تعاون المغرب يساهم في خفض وصول المهاجرين إلى إسبانيا”.
الخيط الجزائري.. رقم هاتف وزيارة سانشيز في تقديرات الاستخبارات
تحضر الجزائر داخل الوثائق في مستويين منفصلين. الأول مباشر وتقني، فمذكرة CNI المرسلة إلى الأجهزة المغربية في 29 يوليو تقول إن مشرف مجموعة واتساب المسماة “اقتحام سياج سبتة” كان يستخدم رقمين هاتفيين، أحدهما إسباني والآخر جزائري. المذكرة لم تنسب المجموعة إلى جهة جزائرية رسمية، ولم تقدم معطيات تربط الرقم بالدولة الجزائرية أو بأجهزتها، واكتفت بتسجيله ضمن المعلومات المتاحة عن مشرف المجموعة.
أما المستوى الثاني فظهر داخل تقييم CIFAS للأبعاد السياسية للأزمة. فقد أشار التقرير إلى زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو، وقال إن الزيارة “لم يظهر أنها تلقت استقبالا سلبيا في المغرب”. ومع ذلك، وضع الجهاز ضمن تقديراته احتمال وجود قدر من الاستياء في المغرب مرتبط بهذه الزيارة، مستخدما صيغة “لا يمكن استبعاده”، كما لم يستبعد أن تحاول الرباط استغلال أزمة سبتة لخدمة مصالحها الاستراتيجية.
ويقدم تقرير استخبارات الحرس المدني قراءة مختلفة لهذه النقطة. فقد سجل أن وسائل إعلام مغربية قريبة من الموقف الرسمي لم تتعامل بصورة انتقادية مع التقارب الجديد بين إسبانيا والجزائر، واعتبرت أنه لا يغير موقف مدريد من المغرب أو مصالحه، وهو ما استند إليه الجهاز للقول إن فرضية استخدام الهجرة انتقاما من إسبانيا “غير مرجحة جدا”.