التفويض الحقيقي داخل المقاولة الصغيرة والمتوسطة.. ليس منح المهام بل منح السلطة

في كثير من المقاولات الصغيرة والمتوسطة المغربية، يعتقد المسير أنه يُفوّض. يوزّع المهام، يحدد المواعيد، يتابع التقارير. لكنه في الحقيقة لا يُفوّض — هو يُوزّع العمل مع الاحتفاظ بكل القرارات. والفرق بين الاثنين ليس تقنياً. هو فرق في القناعة العميقة.

A A A A A

المهمة بدون سلطة: وهم التفويض

حين تقول لمديرك التجاري “أنت مسؤول عن المبيعات” ثم تُراجع كل عرض قبل إرساله، وتُعدّل كل سعر، وتحضر كل اجتماع مع العميل — فأنت لم تُفوّض. أنت أضفت طبقة إدارية دون أن تُخفف الضغط عن نفسك.

المدير الذي يعمل في هذا الإطار يفهم الرسالة الضمنية: “أنت هنا لتنفّذ، لا لتقرر.” ومع الوقت، يتوقف عن التفكير. يتوقف عن المبادرة. ويصبح مجرد ذراع تشغيلية لرئيسه.

وهذا بالضبط ما يجعل المسير لا غنى عنه — وليس بالمعنى الجيد.

السلطة الحقيقية تعني ثلاثة أشياء

التفويض الفعلي داخل المقاولة الصغيرة والمتوسطة يقوم على ثلاثة أركان لا يمكن الاستغناء عن أي منها:

أولاً: حق القرار داخل إطار واضح. المدير المفوَّض يعرف حدوده — ميزانية، مخاطرة، نطاق — ويقرر بحرية داخلها دون الرجوع إلى رئيسه في كل خطوة.

ثانياً: حق الخطأ المحسوب. إذا كان المدير يعلم أن أي خطأ سيُعاد إليه كدليل على عدم الكفاءة، فلن يجرؤ على القرار. التفويض يتطلب هامشاً للتعلم.

ثالثاً: الغياب المقصود للرئيس. التفويض الحقيقي يُقاس بما يحدث حين لا يكون الرئيس موجوداً. هل تسير الأمور؟ هل تُتخذ القرارات؟ هل يعود الفريق بنتائج أم بأسئلة؟

لماذا يصعب على مسيري المقاولات الصغيرة والمتوسطة التفويض؟

الجواب لا يكمن في غياب الثقة فقط. في كثير من الحالات التي أواجهها في مسيرتي المهنية، المسير يعلم أن فريقه قادر. لكنه يخاف من شيء آخر: أن يُثبت للآخرين — وربما لنفسه — أن المقاولة تستطيع العمل بدونه.

هذا الخوف مشروع إنسانياً. لكنه مُكلف تنظيمياً. لأن المقاولة التي تتوقف حين يغيب رئيسها هي مقاولة لم تنضج بعد.

التفويض كاستثمار، لا كتنازل

المسير الذي يُفوّض فعلياً لا يتخلى عن سلطته — هو يُضاعفها. لأنه يُحرر وقته للقرارات التي لا يستطيع أحد غيره اتخاذها: الرؤية، الشراكات الاستراتيجية، العلاقات المحورية.

المقاولة الصغيرة والمتوسطة التي تنمو هي تلك التي يكون فيها الرئيس حاضراً حيث يجب، وغائباً حيث يكفي.

السؤال الذي أطرحه على كل مسير أعمل معه: إذا غبت أسبوعين، ماذا سيحدث لمقاولتك؟

الجواب يكشف كل شيء.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً