اقتصاد

سانتياغو.. بوابة تجارية جديدة للمغرب نحو أمريكا اللاتينية

علم تشيلي في سياق الموقف الداعم لسيادة المغرب على الصحراء المغربية
علم تشيلي © DR
A A A A A

فتح المغرب وتشيلي، بتوقيعهما أمس الاثنين بنيويورك، وثيقة الشروط المرجعية التي ستؤطر مفاوضات اتفاق للتجارة الحرة، مسارا اقتصاديا جديدا، يمكن أن يعيد رسم خريطة العلاقات التجارية بين المملكة وأمريكا اللاتينية.

ووقّع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره التشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا، على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، الشروط المرجعية التي تشكل أساس الانتقال إلى مفاوضات اتفاق التجارة الحرة بين البلدين. وتصف الخارجية التشيلية الخطوة بأنها محطة مهمة لتعميق العلاقات الثنائية.

ولا تأتي هذه الخطوة في فراغ اقتصادي. فقد بلغ حجم المبادلات التجارية بين المغرب وتشيلي 80.2 مليون دولار خلال 2025، مقابل 10.4 ملايين دولار فقط سنة 2003، بحسب بيانات وزارة العلاقات الاقتصادية الدولية التشيلية. وبلغت الصادرات التشيلية إلى المغرب 16.6 مليون دولار، مقابل واردات من المغرب بقيمة 63.7 مليون دولار.

من 80 مليون دولار إلى سوق أكبر

رغم النمو المسجل في المبادلات، يظل الحجم الحالي للتجارة الثنائية محدوداً مقارنة بالإمكانات التي يتيحها اقتصادا البلدين.

وهنا تبرز أهمية المفاوضات المقبلة: فالمسألة لا تتعلق فقط برفع قيمة التجارة القائمة، وإنما بفتح المجال أمام تنويع المنتجات والخدمات والاستثمارات وتوفير شروط أفضل للولوج إلى السوقين.

وتشير السلطات الاقتصادية التشيلية إلى أن العلاقة التجارية بين البلدين توسعت بمعدل سنوي متوسط بلغ 9.7 في المائة منذ 2003، فيما ارتفع عدد الشركات التشيلية المصدرة إلى المغرب إلى 62 شركة خلال 2025.

وتكشف هذه الأرقام أن هناك قاعدة تجارية قائمة بالفعل، لكنها لا تزال قابلة للتوسع بشكل كبير.

48 مليون دولار إضافية محتملة

وتقدم المعطيات الرسمية التشيلية أكثر دلالة على حجم الفرصة.

فبحسب تحليل يستند إلى بيانات مركز التجارة الدولية، يمكن للصادرات التشيلية إلى المغرب أن تحقق إمكانات إضافية بنحو 48 مليون دولار بحلول 2030 إذا واصل البلدان تحسين شروط الولوج إلى الأسواق وتسهيل المبادلات، مع توقع أن يمثل القطاع الزراعي أكثر من 40 في المائة من هذه الإمكانات.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة لأن صادرات الأغذية التشيلية إلى المغرب لا تزال محدودة؛ فقد بلغت 12.7 مليون دولار في 2025، أي 77 في المائة من إجمالي الصادرات التشيلية إلى المملكة، وشملت منتجات من بينها الجوز والزبيب والزبدة وبلح البحر وبعض المنتجات البحرية.

وفي المقابل، ترى السلطات الاقتصادية التشيلية أن السوق المغربية تستورد أصلا منتجات زراعية بقيمة تتجاوز 11 مليار دولار سنوياً، وأن جزءاً من هذه المنتجات يوجد ضمن سلة الصادرات التشيلية، ما يعني أن الرهان يتمثل في رفع حصة تشيلي من طلب قائم وليس خلق طلب جديد من الصفر.

المغرب يبحث عن منفذ أوسع في أمريكا اللاتينية

بالنسبة للمغرب، تكتسي الخطوة أهمية مختلفة. فالمفاوضات المرتقبة ستكون، وفق الجانب التشيلي، أول مسار للتوصل إلى اتفاق تجاري لتشيلي مع دولة إفريقية، وفي المقابل أول اتفاق تجارة حرة للمغرب مع دولة من أمريكا اللاتينية.

وهذا يمنح سانتياغو موقعا خاصا في الخريطة التجارية المغربية بالمنطقة، ليس فقط باعتبارها سوقاً في حد ذاتها، وإنما باعتبارها نقطة اتصال مع اقتصاد منفتح تجارياً ومرتبط بشبكة واسعة من الاتفاقات التجارية.

وتشير بيانات السلطات التشيلية إلى أن 96.5 في المائة من تجارة السلع التشيلية خلال 2025 تمت مع اقتصادات ترتبط معها باتفاقات تجارية نافذة. كما بلغت صادرات تشيلي خلال السنة نفسها 107 مليارات دولار.

وبالتالي، فإن دخول المغرب في اتفاق تجاري مع تشيلي، في حال انتهاء المفاوضات والمصادقة عليه، لن يتعلق فقط بالسوق التشيلية، وإنما يمكن أن يمنح الشركات المغربية إطارا إضافيا للتعامل مع شبكة تجارية مرتبطة بتشيلي.

من الأسمدة إلى تنويع الصادرات

وتكشف تركيبة التجارة الحالية أيضا عن مجال واسع للتنويع.

فالمبادلات الحالية بين البلدين تتركز في عدد محدود نسبيا من المنتجات، بينما تسعى المفاوضات المرتقبة إلى الانتقال نحو علاقة تجارية أكثر تنوعا.

وفي الاتجاه المقابل، تعمل تشيلي على توسيع حضور منتجاتها الزراعية والغذائية في السوق المغربية، وقد وقعت في غشت الماضي اتفاقا للتعاون في مجالات الحجر الصحي والصحة النباتية والحيوانية بين المصالح المختصة في البلدين، ما وصفته السلطات التشيلية بأنه خطوة عملية لتسهيل ولوج منتجات جديدة إلى السوق المغربية.

اتفاق يتجاوز التجارة

ولا تقف الأهداف المعلنة عند السلع فقط. فالبيان المشترك الموقع في نيويورك ينص على تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والتجاري في الأقاليم الصحراوية المغربية، بما يقوي روابط الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية.

وبذلك، يأتي توقيع الشروط المرجعية لاتفاق التجارة الحرة في سياق مسار متدرج، بدأ خلال السنة الحالية بإعلان مشترك في يونيو، ثم اتفاق في المجال الصحي والجمركي المرتبط بتجارة المنتجات الغذائية، قبل الانتقال الآن إلى الإطار الرسمي للتفاوض حول اتفاق تجاري.

وتضع هذه التطورات الرباط وسانتياغو أمام رهان اقتصادي واضح: تحويل مبادلات لا تتجاوز حالياً 80 مليون دولار إلى شراكة تجارية أوسع، وتنويع المنتجات والخدمات والاستثمارات، وجعل العلاقة بين البلدين منصة للتوسع المتبادل في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية مستجد الاثنين فقط في الإعلان عن مفاوضات اتفاق تجارة حرة، وإنما في كونه يضع أول إطار تفاوضي من هذا النوع بين المغرب ودولة من أمريكا اللاتينية، بما يجعل سانتياغو مرشحة لتكون بوابة تجارية جديدة للرباط نحو أسواق المنطقة.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً