اقتصاد

كم يكلّف الاحتيال الضريبي في المغرب سنوياً ؟

كم تُكلّف fraud الضريبة على القيمة المضافة في المغرب؟
A A A A A

تُقدَّر مطالبات استرجاع اعتمادات الضريبة على القيمة المضافة الاحتيالية بأكثر من 12 مليار درهم سنوياً، عبر شبكات للفوترة الوهمية تستنزف الخزينة العامة.

– لو بريف: أستاذ كريم، باختصار، كيف تعمل عملية الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة عبر الفواتير المزورة؟
– البروفيسور محمد كريم: تقوم الآلية على منطق محكم. فالضريبة على القيمة المضافة في المغرب تعتمد على نظام خصومات متتالية، وهو المبدأ المعروف بقابلية خصم الضريبة على القيمة المضافة: إذ تخصم كل شركة الضريبة التي أدتها لمورديها من الضريبة التي استخلصتها من زبنائها. وعندما تتجاوز الضريبة القابلة للخصم الضريبة المحصلة، يصبح لدى الشركة رصيد يمكنها المطالبة باسترداده من الخزينة. وهنا يتسلل الاحتيال. إذ تصدر شبكات من الشركات المنسقة، وغالباً ما تكون شركات حديثة التأسيس أو خاملة، فواتير وهمية مقابل خدمات أو توريدات لم تتم أصلاً. وتقوم الشركة «المتلقية» بتسجيل هذه الفواتير المزورة، وخصم ضريبة مصطنعة، ثم تتقدم بطلب استرداد مدعوم بملف يبدو كاملاً في الظاهر.

– لو بريف: هل هذه الظاهرة حديثة أم بنيوية؟
– البروفيسور محمد كريم: إنها ظاهرة بنيوية. فقد ظهرت أولى إشارات الإنذار منذ سنوات 2000. لكن تعقيد هذه الشبكات ارتفع بشكل كبير منذ 2015، لا سيما مع استخدام شركات واجهة متعددة الطبقات، ومسيرين صوريين، وتدفقات مالية نقدية غير قابلة للتتبع. والمديرية العامة للضرائب على دراية بذلك، وهي نفسها تقر، في تقرير المراقبة الجبائية لسنة 2023، بأن ثلاثة إلى أربعة ملفات لا تزال تفلت من الرقابة مقابل كل ملف يتم كشفه. ويُقدَّر معدل الكشف بين 20 و25%، ما يعني استمرار احتيال متبقٍّ كبير.

– لو بريف: يشير تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى 12.9 مليار درهم من الاحتيال سنوياً. هل يبدو لكم هذا الرقم موثوقاً؟
– البروفيسور محمد كريم: بالتأكيد، بل إنه على الأرجح متحفظ وأقل من الواقع إذا أخذنا بعين الاعتبار تآكل الوعاء الضريبي للضريبة على الشركات نتيجة الفواتير المزورة. فمن أصل 47 مليار درهم من استرجاعات الضريبة على القيمة المضافة التي صُرفت في 2023 من طرف المديرية العامة للضرائب والخزينة العامة للمملكة، يقدّر المجلس الأعلى للحسابات أن ما بين 25 و30% منها احتيالي أو غير مستحق. وهذا يمثل ما بين 11.7 و14.1 مليار درهم. وبالتالي فإن نطاق 12.9 مليار درهم منسجم. وعلى سبيل المقارنة، فهو يعادل الميزانية السنوية لوزارة الصحة، أو مجموع الاستثمارات العمومية في البنيات التحتية القروية خلال سنة. كما يمثل تقريباً ما لا يقل عن خُمس العجز السنوي في الميزانية. وبالنسبة لي كمتخصص في النمذجة الاقتصادية، فإن لهذه الخسائر كلفة فرصة كبيرة جداً على الإنتاجية الشاملة لعوامل الإنتاج، من تعليم وصحة وحكامة وبحث علمي، وبالتالي على النمو في المديين المتوسط والطويل.

– لو بريف: ما هي القطاعات الأكثر تعرضاً؟

– البروفيسور محمد كريم: سأقول فوراً إن قطاع البناء والأشغال العمومية يستحوذ وحده على 38% من تسويات الضريبة على القيمة المضافة التي أصدرتها المديرية العامة للضرائب في 2023. وهو قطاع يتميز بدورات إنتاج طويلة، وتعدد المتعاقدين من الباطن، وتدفقات مالية معقدة، ما يوفر غطاءً مثالياً للفواتير المزورة. ثم يأتي بعده قطاع تجارة الجملة بنسبة 24%، ثم خدمات الأعمال. وهي قطاعات تعرف معاملات ضخمة بين الشركات، ويصعب فيها التحقق المادي من التسليم.

– لو بريف: برأيكم، ما هي أبرز الثغرات التي تسمح باستمرار هذا الاحتيال رغم جهود المديرية العامة للضرائب؟
– البروفيسور محمد كريم: بالفعل، تبذل المديرية العامة للضرائب جهوداً كبيرة للتخفيف من آثار هذه الآفة على الميزانية والاقتصاد. وقد بدأت في إدماج آليات وتدابير لتهيئة الأرضية للفوترة الإلكترونية، لا سيما من خلال إحداث منصة للتحقق من صحة المعرّف المشترك للمقاولة قبل التعاقد مع المورد، ونظام للتبليغ عن الفواتير المزورة، والتنفيذ التدريجي للعقوبات الجنائية.

في رأيي، هناك خمس ثغرات واضحة. أولاً، آجال المعالجة: إذ يُلزم المدونة العامة للضرائب الإدارة برد اعتمادات الضريبة على القيمة المضافة داخل أجل ثلاثة أشهر. وتحت هذا الضغط الزمني، يُضطر الأعوان إلى قبول ملفات لم تُتحقق منها بالشكل الكافي. ثانياً، غياب قابلية التتبع المالي: فجزء مهم من الأداءات بين الشركات يتم نقداً أو بواسطة شيكات غير اسمية. ثالثاً، الموارد البشرية: تتوفر المديرية العامة للضرائب على 5.200 عون مراقبة لمتابعة 560.000 شركة خاضعة للضريبة، أي بمعدل عون واحد لكل 108 شركات، وهو مستوى أدنى بكثير من المعايير الدولية. رابعاً، الجزر المعلوماتية: إذ إن قواعد بيانات المديرية العامة للضرائب، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، والسجل التجاري، ليست مترابطة بشكل كامل بعد. خامساً، العقوبات غير الرادعة بما يكفي: فقبل إصلاح 2023، كانت عقوبات الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة تُعتبر مجرد «كلفة مخاطرة» مدمجة ضمن استراتيجية الشبكات الاحتيالية.

– لو بريف: هل هذه مشكلة خاصة بالمغرب أم مشتركة مع بلدان أخرى؟

– البروفيسور محمد كريم: الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة عبر نظام الكاروسيل أو الفواتير المزورة ظاهرة عالمية. ففي أوروبا، يكلّف هذا الاحتيال نحو 93 مليار يورو سنوياً بحسب المفوضية الأوروبية، وهو ما يُعرف بـ«VAT gap». وفي المغرب، كما في عدد من البلدان ذات الدخل المتوسط، فإن الجمع بين اقتصاد لا يزال غير مهيكل جزئياً، وإدارة ضريبية في طور التحديث، وقطاع مالي ما يزال فيه النقد مهيمناً، يخلق بيئة مواتية بشكل خاص. ومع ذلك، فقد أثبتت بعض البلدان المماثلة أنه يمكن تقليص هذا الفارق بشكل ملحوظ خلال بضع سنوات بفضل الفوترة الإلكترونية الإلزامية.

– لو بريف: يطرح التقرير عدة مسارات للإصلاح. أيها يبدو لكم الأكثر أولوية؟
– البروفيسور محمد كريم: دون تردد، الفوترة الإلكترونية الإلزامية. فهي الإجراء الأكثر هيكلة لأنها تتدخل في المنبع، إذ تتيح للمديرية العامة للضرائب التحقق في الزمن الحقيقي من الضريبة القابلة للخصم قبل أي استرداد. ومن المنتظر أن يتم توسيع المشروع التجريبي «e-Facture Maroc»، الذي أُطلق لدى 500 شركة كبرى في 2024، ليشمل جميع مكونات النسيج الإنتاجي في أفق 2027. وتشير محاكاة المديرية العامة للضرائب إلى أن هذا الإجراء قد يخفّض الاحتيال بنسبة تتراوح بين 60 و70% خلال السنوات الخمس التي تلي تعميمه الكامل. وأنا أؤيد هذا التقدير، إذ إن نماذجي الخاصة المبنية على تجارب شمال إفريقيا تفضي إلى نتائج مماثلة.

– لو بريف: وماذا عن الربط البيني لقواعد البيانات الضريبية والاجتماعية، هل هو واقعي تقنياً؟
– البروفيسور محمد كريم: إنه واقعي تماماً، وقد قامت به عدة بلدان. فالمطابقة المنهجية لبيانات المديرية العامة للضرائب مع بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، والجمارك، وبنك المغرب، ستتيح الكشف التلقائي عن الشركات التي تظهر اختلالات بنيوية: رقم معاملات مرتفع دون أجراء مصرح بهم، موردون دون عنوان فعلي قابل للتحقق، وتدفقات مالية لا تتوافق مع النشاط المصرح به. وهذه مؤشرات إنذار معروفة جيداً. أما السؤال الحقيقي فهو مؤسساتي: إذ يلزم توفر إرادة «سياسية» قوية لتجاوز المقاومة البيروقراطية بين الإدارات ومواءمة الأطر القانونية لتقاسم البيانات.

– لو بريف: ما رأيكم في إحداث فرقة متخصصة لمكافحة الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة؟

– البروفيسور محمد كريم: إنها فكرة جيدة، لكنها غير كافية إن لم تُرفق بالأدوات المناسبة. فالفرقة الوطنية للتحقيقات الاقتصادية في فرنسا، أو وحدة مكافحة الاحتيال التابعة للوكالة الإسبانية للضرائب، تحقق فعالية نسبية لأنها تتوفر على كفاءات نادرة: محللو بيانات، وخبراء محاسبة قضائية، ومتخصصون في الاستخبارات المالية. ولا يتعلق الأمر بتوظيف مفتشين إضافيين فقط، بل بتكوين فرق متعددة التخصصات قادرة على معالجة شبكات منظمة ومعقدة. ويتوفر المغرب على الموارد البشرية والكفاءات المطلوبة لذلك، إذ تكوّن المديرية العامة للضرائب وجامعاتنا كفاءات ممتازة في علم البيانات والقانون الضريبي.

– لو بريف: هل يُعد إصلاح العقوبات الجنائية كافياً في صيغته الحالية؟
– البروفيسور محمد كريم: شكّل قانون المالية لسنة 2023 تقدماً بعدما رفع الغرامات المرتبطة بالاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة إلى 100% من المبلغ المحتال فيه، مقابل 25% سابقاً. لكن ينبغي الذهاب أبعد من ذلك. فأنا أدعو إلى إقرار قرينة المسؤولية في حق مسيري الشركات المتورطة في شبكات الفوترة الوهمية، وإلى تعزيز التعاون بين المديرية العامة للضرائب والنيابة العامة لتسريع المتابعات الجنائية. فما دامت الممارسة الاحتيالية تُعتبر مخاطرة محسوبة وليست خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، فإن بعض الفاعلين سيواصلون اللجوء إليها.

– لو بريف: كلمة حول المبلغين عن المخالفات الضريبية، هل يعد ذلك مساراً جدياً بالنسبة للمغرب؟
– البروفيسور محمد كريم: بالتأكيد. فقد اعتمدت عدة بلدان آليات مكافأة للأشخاص الذين يبلغون عن حالات احتيال ضريبي مثبتة. ففي الولايات المتحدة، يخصص برنامج IRS Whistleblower ما يصل إلى 30% من الضريبة المسترجعة للمبلّغ. كما اعتمدت فرنسا آلية مماثلة في 2018. ويمكن للمغرب أن يختبر هذا المسار في إطار القانون رقم 37-10، معزَّزاً بحماية قانونية أقوى. وهذا خيار عقلاني اقتصادياً، لأن مردودية هذه البرامج على الاستثمار تكون مرتفعة جداً.

– لو بريف: بعيداً عن الاحتيال نفسه، ما هو الأثر الاقتصادي الكلي لهذه الخسائر الضريبية؟
– البروفيسور محمد كريم: الأثر كبير جداً وغالباً ما يجري التقليل منه. إذ تُقدّر نماذجي الاقتصادية (MCEG وSFC وDSGE) أن استرجاع 12.9 مليار درهم سنوياً سيسمح، من حيث النجاعة، برفع الاستثمارات العمومية في الصحة والتعليم بنسبة تتراوح بين 8 و12%، مع آثار مضاعِفة على النمو في الأمد المتوسط. وفي أفق 2035، سيساهم القضاء على الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة في تحسين نسبة المداخيل الضريبية إلى الناتج الداخلي الخام بنحو 0.8 نقطة مئوية، وهو ما يمثل تحسناً مهماً في قدرة الدولة على الاستثمار. كما أن المسألة ترتبط أيضاً بالعدالة الجبائية، لأن الشركات النزيهة التي تؤدي ضرائبها تتضرر مقارنة بالمحتالين.

– لو بريف: هل ترون أن تفاعل السلطات يرقى إلى مستوى الرهان؟
– البروفيسور محمد كريم: التقدم الذي أحرزته المديرية العامة للضرائب حقيقي، إذ ارتفعت المبالغ المستخلصة المرتبطة بمراقبة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 41% بين 2020 و2023، من 4.4 إلى 6.2 مليار درهم. كما أن الإعلان عن نشر نظام للتحليل التنبئي قائم على الذكاء الاصطناعي يُعد خبراً جيداً. ولهذه الغاية، انتقلت المديرية العامة للضرائب إلى التخصص في نماذج التعلم الآلي، وفي التسيير والقيادة بالمخاطر عبر إدماج منهجية Compliance Risk Management (CRM)، بما يمكنها قريباً جداً من التوفر على «ملفات تعريف للاحتيال».

ومع ذلك، ينبغي القول إننا لا نزال في منطق تدارك التأخر، لا في منطق الاستباق. فالقرار الذي اعتمدته لجنة المالية بمجلس النواب في مارس 2026، والداعي إلى خطة وطنية لمكافحة الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة بأهداف رقمية وجدول زمني دقيق، يسير في الاتجاه الصحيح. وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 اختباراً حاسماً.

– لو بريف: كلمة أخيرة في ختام هذا الحوار؟
– البروفيسور محمد كريم: إن الاحتيال في الضريبة على القيمة المضافة عبر الفواتير المزورة داء عميق ينخر المالية العامة المغربية منذ عقود. لكنه ليس قدراً محتوماً. فالأدوات موجودة: الرقمنة، والربط البيني للبيانات، وتشديد العقوبات، والتعاون القضائي. وما ينقص حتى الآن هو التنسيق وسرعة التنفيذ. وقد أثبت المغرب قدرته على إنجاز إصلاحات هيكلية طموحة، مثل إصلاح التقاعد والتغطية الصحية الشاملة. ومكافحة الاحتيال الضريبي تستحق القدر نفسه من العزم. أما الملزم النزيه، فهو ينتظر أفعالاً.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية