ويخوض الاستقلال هذه المفاوضات بسقف مرتفع، مستفيدا من وزنه البرلماني ومن الاتجاه نحو تشكيل أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والأحزاب التي كانت تشكل الكتلة الديمقراطية. فهذا الخيار، إذا تأكد، سيضع حزب نزار بركة في موقع الشريك الثاني داخل الائتلاف، ويمنحه هامشا أوسع للمطالبة بحقائب مؤثرة والمشاركة في رسم التوجهات الحكومية، بعدما اكتفى بالمرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ويشكل اجتماع اللجنة التنفيذية محطة لتقييم ما تم اقتراحه على الحزب خلال اللقاءات مع المنصوري، وتحديد حدود التنازلات الممكنة قبل التوصل إلى اتفاق نهائي. وكان المجلس الوطني للاستقلال قد منح بركة، في 3 أكتوبر، تفويضا لتدبير المفاوضات، بعدما صادق على مبدأ المشاركة الحكومية وربطها بمدى استجابة البرنامج المرتقب لالتزامات الحزب الانتخابية.
الحقائب الوزارية.. اختبار أول لموازين القوى
وتشير المعطيات المتداولة بشأن المشاورات إلى أن الاستقلال يسعى إلى الحفاظ على موقعه داخل القطاعات الاقتصادية والاستثمارية التي تولى تدبيرها خلال الولاية السابقة، وفي مقدمتها التجهيز والماء والصناعة والتجارة والنقل واللوجستيك. كما تتردد أسماء قطاعات أخرى، من بينها الصحة والفلاحة والثقافة والتواصل، ضمن الوزارات التي قد تكون موضع اهتمام الحزب، دون صدور تأكيد حزبي بشأن مطالب محددة أو اتفاق أولي حول توزيع الحقائب.
وتؤكد المعطيات المتاحة، توجها نحو التفاوض على طبيعة المسؤوليات أكثر من التركيز على عدد المناصب وحده. فالاحتفاظ بقطاعات مرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية يمنح الاستقلال إمكانية مواصلة تدبير ملفات بدأها وزراؤه في الحكومة السابقة، فيما قد يتيح له الحصول على قطاعات اجتماعية توسيع حضوره في السياسات المرتبطة بالقدرة الشرائية والخدمات العمومية.
ويزيد تصور المنصوري لإعادة تنظيم الحكومة في أقطاب قطاعية متجانسة من أهمية هذه المفاوضات. فقد يترتب على دمج بعض الاختصاصات أو إعادة توزيعها تغيير في الوزن السياسي للوزارات، ما يجعل الاتفاق على الهندسة الحكومية سابقا، أو موازيا، للاتفاق على الأسماء والحصص. وبالنسبة إلى الاستقلال، سيكون الفارق مهما بين الحصول على عدد من الحقائب المحدودة الصلاحيات وتولي مسؤولية قطاعات تتيح له التأثير في القرارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
الاستقلال يرفع سقف التفاوض
- اجتماع حاسم: اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تجتمع الخميس لتقييم مشاورات تشكيل الحكومة.
- ورقة الكتلة: التحالف الرباعي المحتمل يمنح الاستقلال موقع ثاني أكبر شريك في الأغلبية..
- 65 مقعدا: الوزن البرلماني للحزب يعزز قدرة نزار بركة على التفاوض مع المنصوري.
- الحقائب الوزارية: تسريبات عن اهتمام الحزب بالاحتفاظ بوزارات اقتصادية والحصول على قطاعات اجتماعية.
- شروط المشاركة: الاستقلال يربط دخوله الحكومة بإدراج التزاماته الانتخابية ضمن البرنامج الحكومي.
ورقة «الكتلة» تقوي موقع الاستقلال
تمنح الحسابات البرلمانية حزب الاستقلال ورقة تفاوضية إضافية. فالأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا، يحتاج إلى شركاء لتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعدا. وفي حال اعتماد تحالف يجمعه بالاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، ستتوفر الأغلبية على 207 مقاعد، منها 65 مقعدا لحزب الميزان.
وبهذه التركيبة، سيصبح الاستقلال ثاني أكبر مكونات التحالف، متقدما بفارق واضح على الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. كما أن مقاعده تمثل نحو ثلث القوة البرلمانية للأغلبية المفترضة، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على الدفاع عن مطالبه، خصوصا أن الصيغة الرباعية لن تحتفظ بأغلبيتها في حال انسحابه منها.
وتختلف هذه المعادلة عن تجربة الحكومة السابقة التي قادها التجمع الوطني للأحرار بمشاركة الأصالة والمعاصرة والاستقلال. فانتقال قيادة الأغلبية إلى المنصوري، مع احتمال استبعاد التجمع الوطني للأحرار من التركيبة الجديدة، يعيد ترتيب مواقع الشركاء ويجعل الاستقلال أقرب إلى مركز التفاوض حول البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات.
كما يخدم استحضار الكتلة الديمقراطية موقع الحزب داخل المشاورات. فقد شكل الاستقلال، إلى جانب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، أحد أعمدة هذا التحالف الذي نشأ مطلع التسعينيات ومهد لتجربة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي. غير أن الصيغة المطروحة اليوم تختلف سياسيا عن التجربة التاريخية، إذ يقودها الأصالة والمعاصرة، بينما تجمع أحزابا تباعدت مواقفها وتحالفاتها خلال العقود الماضية.
ويبدو أن العودة إلى هذه المرجعية تمنح المنصوري إطارا سياسيا لتشكيل أغلبيتها، فيما يستفيد الاستقلال من موقعه بوصفه أكبر أحزاب الكتلة تمثيلا في البرلمان. لكن هذه الأفضلية تبقى مرتبطة باعتماد الصيغة الرباعية فعليا، إذ إن انفتاح المشاورات على شركاء آخرين قد يغير موازين التفاوض.
بركة يفاوض بتفويض حزبي واسع
يدخل نزار بركة هذه المرحلة مستندا إلى تفويض المجلس الوطني للحزب، الذي صادق في اجتماعه الاستثنائي يوم 3 أكتوبر بسلا على المشاركة في الحكومة المقبلة، وفوض للأمين العام تدبير المشاورات. وربط بركة انخراط الاستقلال في الأغلبية بإدراج أولوياته الانتخابية ضمن البرنامج الحكومي، خصوصا « حماية القدرة الشرائية وتحسين الخدمات العمومية ومواجهة الفساد وتضارب المصالح ».
ويستفيد الحزب أيضا من خبرته الطويلة في إدارة التحالفات، بما فيها تجربة الانسحاب من حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2013، ثم العودة إلى السلطة ضمن أغلبية عزيز أخنوش سنة 2021. وتظهر المحطتان أن الاستقلال سبق أن أعاد النظر في تموقعه الحكومي عندما اختلفت حساباته مع شركائه، وإن كانت الظروف السياسية الحالية مختلفة عن تلك التي أحاطت بالتجربتين.
غير أن قوة بركة التفاوضية تقابلها حاجة الحزب إلى اتفاق يضمن له المشاركة دون تحمل كلفة تعطيل تشكيل الحكومة. فالمنصوري تحتفظ بإمكانية البحث عن تحالفات بديلة، كما أن الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية سيدخلان بدورهما المفاوضات بمطالب تخص حصتهما وموقعهما داخل الأغلبية.
وانطلاقا من هذا المعطى، تبرز أهمية اجتماع اللجنة التنفيذية اليوم، فهو يمنح قيادة الاستقلال فرصة لتقييم ما تحقق في المفاوضات، وتحديد أولوياتها بين الحقائب الوزارية والالتزامات البرنامجية، قبل الانتقال إلى مرحلة الحسم. أما بالنسبة إلى المنصوري، فسيكون التوصل إلى تفاهم مع حزب يمتلك 65 مقعدا خطوة مهمة لترجمة خيار الكتلة إلى أغلبية برلمانية، مع بقاء شكل التحالف وتوزيع مسؤولياته رهن الاتفاقات التي ستسفر عنها المشاورات.