هذا ما يستدعيه النقاش الذي أثارته قراءة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري خطاباً باللغة الفرنسية خلال زيارتها إلى موسكو، في إطار مشاركتها في القمة الروسية الإفريقية، حيث تمثل المغرب في محطة دبلوماسية تندرج ضمن سعي المملكة إلى توسيع شراكاتها الدولية. وقد أثار اختيار اللغة نقاشاً بين من اعتبره أمراً عادياً في التواصل الدبلوماسي، ومن رأى فيه مساساً بالهوية الوطنية.
من حق أي مواطن أن يتساءل عن موقع اللغتين الرسميتين في الخطاب الخارجي للمسؤولين المغاربة، لكن ليس من الموضوعية القفز من هذا السؤال المشروع إلى اتهام رئيسة الحكومة بالتعسف على الدستور، أو الطعن في اللغتين الرسميتين، أو استمرار الاستعمار، ثم الوصول إلى استنتاج أنها غير جديرة بالمنصب.
أولاً: ماذا يقول الدستور فعلاً؟
الفصل الخامس من دستور 2011 واضح في هذا الشأن: العربية لغة رسمية للدولة، والأمازيغية لغة رسمية أيضاً، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء. لكنه لا يقف عند هذا الحد، بل ينص كذلك على أن الدولة تعمل على تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولاً في العالم، باعتبارها أدوات للتواصل والانخراط في مجتمع المعرفة والانفتاح على الثقافات والحضارات المعاصرة.
وهنا تكمن المفارقة في الاستدلال بالدستور لرفض استعمال الفرنسية رفضاً مطلقاً؛ فالدستور نفسه يجمع بين حماية اللغات الوطنية وتشجيع تعلم اللغات الأجنبية. ولا يتضمن الفصل الخامس، في نصه، حظراً عاماً على استعمال لغة أجنبية في الخطاب الدبلوماسي.
وعليه، فإن القول إن مجرد قراءة خطاب بالفرنسية تشكل طعناً في الدستور يحتاج إلى سند قانوني واضح، لا إلى انطباع شخصي أو موقف عاطفي. ويمكن، بالطبع، مناقشة مدى ملاءمة الاختيار اللغوي في مناسبة بعينها، لكن ذلك يختلف تماماً عن اتهام صاحبه بخرق الدستور.
ثانياً: هل اللغة الأجنبية دليل على التبعية؟
إن اختزال العلاقة مع فرنسا في استعمال لغتها يعيد النقاش إلى منطق يتعامل مع اللغة باعتبارها شهادة ولاء سياسي. والحال أن اللغة أداة للتواصل، وليست في حد ذاتها إعلاناً عن الانتماء أو التبعية.
فالمغرب ليس مضطراً إلى التخلي عن هويته حتى يتواصل بالفرنسية، مثلما لا يفقد بلد هويته حين يستخدم الإنجليزية أو الإسبانية أو غيرهما في محادثاته الدولية. والسيادة الوطنية لا تُقاس باللغة التي يُلقى بها خطاب فحسب، وإنما بقدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها، وصيانة استقلال قرارها، وتحصيل مكاسب ملموسة لشعبها.
ولو كان استعمال لغة أجنبية يعني استمرار الاستعمار، لوجب تطبيق المنطق نفسه على كل الدول التي تستخدم لغات غير لغاتها الوطنية في المؤتمرات الدولية والمفاوضات الاقتصادية واللقاءات الثنائية. وهذا استنتاج لا يصمد أمام أبسط اختبار للواقع الدبلوماسي.
لقد تجاوز المغرب مرحلة الاستعمار الفرنسي منذ الاستقلال، لكن تجاوز الاستعمار لا يعني محو كل لغة ارتبطت بتلك المرحلة من الحياة العامة. بل يعني امتلاك القرار الوطني في التعامل مع الإرث التاريخي، والاستفادة مما يخدم المصالح المغربية، دون التفريط في الثوابت الوطنية.
ثالثاً: الهوية المغربية أوسع من لغة واحدة
إن الدفاع عن العربية والأمازيغية واجب وطني وثقافي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تصور ضيق للهوية المغربية.
فالدستور نفسه يتحدث عن هوية وطنية متعددة الروافد، ويقر بالأمازيغية لغة رسمية، ويحمي الحسانية والتعبيرات الثقافية المغربية، ويؤكد الانفتاح على الثقافات والحضارات. وهذه الرؤية لا تقوم على الانغلاق، بل على الجمع بين الاعتزاز بالذات والقدرة على التواصل مع الآخر.
ومن ثم، فإن مغربياً يتحدث العربية والأمازيغية والفرنسية لا يصبح أقل مغربية من غيره، ولا تُقاس وطنيته بعدد اللغات التي يتقنها أو يختارها في حديثه. كما أن الإتقان اللغوي لا يعفي أي مسؤول من واجب احترام اللغتين الرسميتين والعمل على تعزيز حضورهما في المؤسسات والإدارة والتعليم والإعلام.
المطلوب، إذن، ليس الدفاع عن الفرنسية في مقابل العربية والأمازيغية، بل رفض هذا التقابل المصطنع أصلاً. فمن الممكن المطالبة بتقوية حضور اللغات الرسمية دون تحويل اللغة الأجنبية إلى خصم وطني.
رابعاً: النقد السياسي لا يعني إصدار أحكام مسبقة
يمكن أن نختلف مع رئيسة الحكومة في اختيارها اللغوي، وأن نطالبها بمزيد من الحرص على إبراز العربية والأمازيغية في المحافل الدولية، وأن نتساءل عما إذا كان من الأفضل تقديم خطاب بالعربية مع توفير الترجمة المناسبة. هذه كلها أسئلة مشروعة، بل يمكن أن تشكل جزءاً من نقاش جدي حول السياسة اللغوية للدولة.
لكن ما ليس مقبولاً منطقياً هو الانتقال من ملاحظة تخص اللغة إلى الحكم بأن رئيسة الحكومة لا تستحق المنصب أو الثقة التي مُنحت لها. فالأهلية السياسية تُختبر من خلال القدرة على التدبير، وجودة القرارات، وفعالية السياسات العمومية، والدفاع عن المصالح الوطنية، والوفاء بالالتزامات تجاه المواطنين.
هل ينبغي أن نحاسب رئيسة الحكومة على اختيارها لغة خطابها أكثر مما نحاسبها على نتائج زيارتها، ومضمون مباحثاتها، وما يمكن أن يحققه المغرب من تعاون اقتصادي واستثماري وسياسي؟ وهل يكفي خطاب بالفرنسية لإثبات التبعية، حتى قبل فحص مضمون الرسائل والمواقف التي حملها؟
إن الحكم السياسي الرصين يبدأ من الوقائع والنتائج، لا من افتراض النوايا.
خامساً: ما الذي يستحق أن يكون موضع مساءلة؟
إذا كان الهدف فعلاً هو حماية مكانة العربية والأمازيغية، فالأجدى أن يتجه النقاش نحو أسئلة أكثر عمقاً: ما موقع العربية في الإدارة العمومية؟ ما مدى تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟ هل يحصل المواطن على خدماته ومعلوماته بلغته؟ وما الذي تبذله الحكومة لتحسين تعليم اللغات الوطنية والأجنبية معاً؟
هذه الأسئلة تتصل بسياسات عمومية قابلة للتقييم والمساءلة، بخلاف اتهام مسؤول بالاستمرار في الاستعمار لمجرد اختياره لغة أجنبية في مناسبة دولية.
كما أن الدفاع عن اللغات الرسمية لا ينبغي أن يكون موسمياً، مرتبطاً بصورة أو مقطع فيديو أو زيارة خارجية. إنه مشروع طويل الأمد يحتاج إلى إصلاح التعليم، وتطوير المصطلحات العلمية والإدارية، وتوسيع استعمال اللغتين في المرافق العمومية، وإنتاج المعرفة بهما، وتوفير الإمكانات اللازمة لتعلمهما وإتقانهما.
أما تحويل كل مناسبة إلى معركة رمزية، فلا يضيف إلى العربية كلمة جديدة، ولا يوسع حضور الأمازيغية في الإدارة، ولا يحسن جودة التعليم.
في النهاية، الوطنية ليست مسابقة في اختيار اللغات، والدبلوماسية ليست امتحاناً في الرموز وحدها.
من حق المغاربة أن يطالبوا رئيسة الحكومة بأن تجعل حضور المغرب في الخارج انعكاساً لثقافته وتاريخه وتعدده اللغوي، ومن حقهم أيضاً أن يناقشوا مدى ملاءمة اختياراتها التواصلية. لكن من واجب النقاش العام أن يميز بين النقد المشروع والمبالغة في الاتهام.
إن الدفاع الحقيقي عن الهوية المغربية لا يكون بتجريم كل لغة أجنبية، ولا بتصوير الانفتاح باعتباره خيانة، بل ببناء دولة تعتز بلغتيها الرسميتين، وتمنحهما المكانة التي يستحقانها، وتُتقن في الوقت نفسه أدوات التواصل مع العالم.
فالهوية التي تثق بنفسها لا تخشى اللغات، والسيادة التي تعرف مصالحها لا تُختزل في لغة خطاب، والمسؤول السياسي لا يُحاكم على اللغة وحدها، بل على ما يقوله ويفعله وما يحققه لبلده.