تُطرح إشكالية، ثم يُعثر على حل، فتنبثق فكرة نص قانوني. غير أن هذا القانون يقطع مساراً طويلاً قبل أن تتم المصادقة عليه. وتشكل العملية التشريعية، كما هي محددة في المغرب، التعبير الأسمى عن إرادة الأمة. ويكرس هذا المبدأ، المنصوص عليه في الفصل 6 من دستور 2011، خضوع الجميع له، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما في ذلك السلطات العمومية.
هذا هو الإطار الدستوري الذي حدّث المشهد البرلماني بعمق، من خلال توسيع مجال القانون من 30 إلى أكثر من 60 فصلاً، ليشمل مجالات حيوية مثل وضعية الأسرة، والنظام الانتخابي، وحماية البيئة.
وبوضع البرلمان في صلب توازن السلط، جعل دستور 2011 من إعداد القوانين مساراً تداولياً معقداً، يقتضي تعاوناً دائماً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، مع ضمان مكانة قوية للمعارضة من أجل تنشيط النقاش الديمقراطي.
غوص في الكواليس التقنية للبرلمان.
وهكذا وُلد القانون

لا يمكن رواية تاريخ القانون في المغرب من دون الحديث عن وعائه المرجعي، أي الجريدة الرسمية للمملكة. وقد أُحدثت في عهد الحماية الفرنسية بموجب ظهير 1 نونبر 1912، وكانت تحمل في البداية اسم «الجريدة الرسمية للإمبراطورية الشريفة». وكانت مهمتها آنذاك تجميع نشر الظهائر والقرارات المنظمة للمنطقة الخاضعة للإدارة الفرنسية. ومنذ نشأتها، أرست هذه المؤسسة اللبنات الأولى لبيروقراطية حديثة، هدفها تعويض الشفوية بأثر مكتوب متاح. وعند الاستقلال سنة 1956، تطورت المؤسسة بشكل طبيعي لتصبح «الجريدة الرسمية للمملكة المغربية»، مع تكييف بنيتها مع مؤسسات دولة مستقلة ذات سيادة.
واليوم، تصدر الجريدة الرسمية تحت السلطة المباشرة للأمانة العامة للحكومة، وهي مؤسسة تابعة مباشرة لرئيس الحكومة وضامنة للتنسيق التشريعي. وهذه الجريدة هي الشرط الشكلي لوجود القاعدة القانونية. ومن دونها، لا يكون هناك شيء.
لا يكتسب أي نص قانوني أو مرسوم أو قرار قوته الإلزامية إلا ابتداء من نشره الرسمي، ما لم ينص صراحة على خلاف ذلك. ويشكل هذا المقتضى أساس دولة الحق والقانون، لأنه يجسد المبدأ الكوني المنصوص عليه في الفصل 81 من ظهير الالتزامات والعقود، ومفاده أن «لا يُعذر أحد بجهله للقانون».
ومن دون هذا الإشهار، وهذه العلنية، سيظل القانون مجرد نية خفية لا يمكن الاحتجاج بها في مواجهة المواطنين أو المؤسسات. كما عزز دستور 2011 هذا المقتضى حين دستر إلزامية النشر. وينص الفصل 50 على أن القانون بعد إصداره يجب أن يُنشر وجوباً في الجريدة الرسمية داخل أجل أقصاه شهر واحد بعد توقيع ظهير إصداره من طرف الملك.
وتضمن هذه الآلية شفافية ضرورية بالنسبة إلى المهنيين القانونيين الذين يطالعون مرتين في الأسبوع، كل يوم اثنين وخميس، أعمدة الجريدة الرسمية لرصد الإصلاحات الجديدة التي تؤثر في مجالات نشاطهم.
وقد أتاح التوجه نحو رقمنة الأرشيف، الذي انطلق بين 2000 و2010، ولوجاً مفتوحاً إلى هذه المعلومة القانونية، بما يسهل اليقظة الاستراتيجية اللازمة لإنجاح النموذج التنموي الجديد.
الدفع التشريعي: مشاريع القوانين في مقابل مقترحات القوانين
يقوم ميلاد القانون المغربي على محرك مزدوج للمبادرة، حدده الفصل 78 من الدستور. وهذا الاختصاص يعود إلى رئيس الحكومة وأعضاء البرلمان، سواء كانوا في مجلس النواب أو مجلس المستشارين.
غير أنه ينبغي التوضيح أن المسار يختلف بحسب مصدر النص، وهو ما يميز بين مشروع القانون ومقترح القانون.
الفصل 78
تعود المبادرة بالقوانين، بالتساوي، إلى رئيس الحكومة وإلى أعضاء البرلمان.
تودع مشاريع القوانين بالأسبقية بمكتب مجلس النواب. غير أن مشاريع القوانين المتعلقة، على وجه الخصوص، بالجماعات الترابية، والتنمية الجهوية، والقضايا الاجتماعية، تودع بالأسبقية بمكتب مجلس المستشارين.
ومشروع القانون هو مبادرة من السلطة التنفيذية. ويصدر عن رئيس الحكومة، ويجب وجوباً أن يمر عبر المجلس الحكومي للمداولة قبل إيداعه في البرلمان. وتضطلع الأمانة العامة للحكومة هنا بدور «الضابط التقني» من خلال التحقق من مطابقة النص للدستور وانسجامه مع المنظومة القانونية القائمة قبل إحالته.
وتودع مشاريع القوانين بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، باستثناء تلك التي تهم الجماعات الترابية أو القضايا الاجتماعية، إذ تكون من اختصاص مجلس المستشارين بالأسبقية.
في المقابل، يأتي مقترح القانون من البرلمانيين. وهو يعبر عن الإرادة المباشرة لممثلي الأمة في التفاعل مع الإشكالات المجتمعية أو القطاعية. وعلى خلاف المشاريع الحكومية، يجب أن تكون المقترحات مرفقة بمذكرة تقديم تبرر أهميتها. غير أن الواقع يُظهر أن تفعيل هذه القناة أكثر تعقيداً من قناة السلطة التنفيذية.
ويؤكد محمد أوزين، النائب الرابع لرئيس المجلس وعضو مكتب الغرفة الأولى وعضو الفريق الحركي، أن مقترحات القوانين ليست «نصوصاً بلا روح»، بل هي انعكاس للانشغالات اليومية والمجالية للمواطنين. لكنه يأسف لكون الحكومة تكتفي في الغالب بمراسلات كتابية مقتضبة للرد عليها، بما «يجهض المبادرات البرلمانية في مهدها».

اختلال بنيوي
رغم إرادة دستور 2011 في تحقيق التوازن بين السلط، تكشف الأرقام عن هيمنة واضحة للحكومة في «صناعة القانون». فخلال الولاية التشريعية 2011-2016، لم تتم المصادقة إلا على 5 مقترحات قوانين مقدمة من البرلمانيين، مقابل 91 مشروع قانون من أصل حكومي.
وبعد 2021، لم تتحسن الأمور. فمن بين 86 مقترح قانون تقدم بها النواب خلال هذه الفترة، بقيت الغالبية الساحقة منها دون مآل. وينتقد عبد الله بوانو، رئيس مجموعة العدالة والتنمية، توجهاً يجعل البرلمان «مجرد غرفة للتسجيل»، موضحاً أنه من أصل 364 مقترح قانون تقدمت بها المعارضة، لم يُقبل سوى 8 منها، أي بنسبة 2%. كما يتحدث عن «استخفاف واضح» و«إغلاق سياسي»، حيث تُرفض حتى التعديلات التي اقترحتها مجموعته، والبالغ عددها 2.020 تعديلاً، بشكل منهجي.
وهناك أيضاً اختلال تقني لا يقل أهمية. فالحكومة تتوفر، عبر الأمانة العامة للحكومة والمديريات القانونية في الوزارات، على خبرة دقيقة في الصياغة التشريعية وتحليل الأثر. في المقابل، يعاني البرلمانيون من نقص في الفرق القانونية القادرة على إعداد نصوص متينة. كما أن غياب اللجوء المنهجي إلى الخبراء داخل مجلس النواب يحد كثيراً من قدرة المنتخبين على مجاراة الإنتاج التشريعي للسلطة التنفيذية.
ولمعالجة هذا النقص في الخبرة، تساعد مجموعات الصداقة على تبادل المعلومات. كما تسهم الدول في تقاسم الخبرات التشريعية، كما حدث في إطار التوأمة المؤسساتية بين المغرب والاتحاد الأوروبي (2021-2023) التي هدفت إلى تعزيز كفاءات المستشارين البرلمانيين في صياغة النصوص.
التوأمة المؤسساتية بين المغرب والاتحاد الأوروبي (2021-2023) بقيادة مجلس الشيوخ الفرنسي
بين سنتي 2021 و2023، قاد مجلس الشيوخ الفرنسي برنامج توأمة مؤسساتية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس المستشارين المغربي، في إطار مشروع يهدف إلى مواكبة تحديث المؤسسة البرلمانية المغربية. وقد خُصص لهذا البرنامج غلاف مالي يقارب 800.000 يورو، ونُفذ على مدى 18 شهراً، وكان هدفه الرئيسي تعزيز القدرات الإدارية والمؤسساتية لمجلس المستشارين من أجل دعم ممارسته لمهامه الدستورية.
ونُفذ المشروع من طرف ائتلاف يضم عدة برلمانات أوروبية، بتنسيق من مجلس الشيوخ الفرنسي، وبمشاركة خاصة من إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وبولندا ورومانيا والبرتغال.
ويشير النموذج التنموي الجديد بدوره إلى هذا المعطى. إذ يوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نجاح الانتقال نحو هذا النموذج يقتضي ألا يظل البرلمان مجرد غرفة لتسجيل المشاريع الحكومية. ومن المهم إحياء المبادرة البرلمانية عبر تعزيز القدرات التحريرية للنواب، لا سيما من خلال تفعيل مركز الدراسات والأبحاث البرلمانية. كما يُعد احترام القانون التنظيمي رقم 065.13، الذي يفرض إنجاز دراسات أثر دقيقة لكل نص، أمراً حاسماً لتفادي إنتاج تشريعي منفصل عن الحقائق الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
العمل في الظل: اللجان الدائمة
بمجرد إيداع النص لدى مكتب إحدى الغرفتين، ينتقل قلب الصناعة التشريعية إلى اللجان الدائمة. ففي هذا الإطار الضيق، الذي تكون اجتماعاته سرية من حيث المبدأ لتشجيع الطابع التقني للنقاشات، يُفكك القانون فعلياً بنداً بنداً. وتعين كل لجنة، بحسب اختصاصها القطاعي مثل المالية أو العدل أو الشؤون الاجتماعية، مقرراً لكل نص.
ولا تقتصر مهمة هذا المقرر على تلخيص أثر المشروع أو المقترح، بل تشمل أيضاً تدوين كل تعديل مقترح في تقرير يشكل المرجع الوحيد للنقاش العمومي. وإلى جانب الجانب التقني، تظل اللجنة أداة استراتيجية. ويشير محمد أوزين إلى أن لجنة الخارجية، على سبيل المثال، لا تتعامل مع المصادقة على المعاهدات كإجراء شكلي، بل كأداة تأثير للدفاع عن المصالح الحيوية للأمة، انسجاماً مع طموحات النموذج التنموي الجديد.
وبعد عرض من صاحب المبادرة، سواء كان وزيراً أو برلمانياً، ومناقشة عامة، يشرع النواب في فحص النص مادة بمادة. وهنا يُمارس حق التعديل، وهو رافعة أساسية للسلطة تتيح تغيير أو حذف أو إضافة مقتضيات إلى النص الأصلي. ويجب أن تُصاغ التعديلات كتابة، كما يمكن للحكومة أن تعارض أي مقترح لم يُعرض عليها مسبقاً.
وفي هذه المرحلة، يظل الطابع التقني طاغياً، إذ يجري التحقق من انسجام النص مع المنظومة القانونية القائمة. وينتهي عمل اللجنة بالتصويت على النص المعدل برمته قبل إحالته إلى النقاش العمومي.
النقاش العمومي والتصويت
بعد ذلك، يغادر النص ظل اللجان ليواجه علنية الجلسة العامة، حيث تكون المناقشات عمومية ويجري تدوينها كاملة في الجريدة الرسمية للبرلمان. وتبدأ هذه المرحلة بعرض تقرير اللجنة. ثم تتيح المناقشة العامة لمختلف الفرق البرلمانية، ولا سيما المعارضة، التعبير عن مواقفها السياسية من جدوى القانون. ويحتفظ صاحب المبادرة بحق الرد للدفاع عن نصه قبل المرور إلى التصويت.
ويتم التصويت مادة بمادة، ثم على النص كاملاً. ووفقاً للدستور، فإن حق التصويت شخصي وغير قابل للتفويض، ويُمارس عادة إلكترونياً أو برفع اليد. وبالنسبة إلى مشاريع قوانين المالية أو النصوص التي ترتبط بمسؤولية الحكومة، يكون اللجوء إلى التصويت العلني من المنصة إلزامياً. غير أن الحكومة تحتفظ بسلاح إجرائي قوي، إذ يمكنها أن تطلب من المجلس أن يبت بتصويت واحد في كل النص أو جزء منه مع الاقتصار على التعديلات التي تقترحها هي، وهي مسطرة استعجالية تهدف إلى الحفاظ على انسجام برنامجها التشريعي.
النظام الثنائي و«القراءة المتبادلة»
تقوم العملية التشريعية على نظام ثنائي الغرف، يفرض أن يُعرض كل مشروع أو مقترح بالتتابع على مجلس النواب ومجلس المستشارين للوصول إلى اعتماد نص متطابق. وهذا ما يُعرف بالقراءة المتبادلة البرلمانية. فكل مجلس يتداول في النص كما أحاله عليه المجلس الآخر، وإذا أدخل أحدهما تعديلات، يعود النص إلى المجلس الأول لإعادة فحص المواد المعدلة.
وفي حال استمرار الخلاف بعد قراءتين، أو بعد قراءة واحدة إذا أعلنت الحكومة حالة الاستعجال، يمكن لرئيس الحكومة أن يدعو إلى اجتماع لجنة مشتركة متساوية الأعضاء. وتضم هذه اللجنة عدداً متساوياً من أعضاء المجلسين، وتتمثل مهمتها في اقتراح نص توفيقي بشأن المقتضيات التي ما تزال محل نقاش. ويُعد هذا الميكانيزم أساسياً لتفادي تعثر المسار التشريعي وضمان السلاسة اللازمة لتنزيل إصلاحات النموذج التنموي الجديد.
أسبقية مجلس النواب
إذا كان التوافق هو القاعدة، فإن دستور 2011 كرس مع ذلك أسبقية مجلس النواب ومنحه الكلمة الأخيرة. فإذا فشلت اللجنة المشتركة في اعتماد نص موحد، أو إذا لم تصادق عليه الغرفتان، جاز للحكومة أن تعرض مشروع القانون على مجلس النواب من أجل اعتماد نهائي.
ويبت المجلس عندئذ بشكل سيادي، مع الأخذ أو عدم الأخذ بالتعديلات الناتجة عن النقاش مع المستشارين. وبالنسبة إلى بعض المجالات الحساسة، مثل الجماعات الترابية والتنمية الجهوية أو القضايا الاجتماعية، يجب أن يتم التصويت النهائي بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين. وتمثل هذه المرحلة نهاية المسار البرلماني للقانون، قبل إحالته إلى الحكومة لتقديمه إلى الختم الملكي، بما يكرس انتقاله من مجرد مشروع إلى قاعدة من قواعد الدولة.
الختم الملكي ومراقبة الدستورية
بعد أن يعتمد البرلمان النص التشريعي بشكل نهائي، يبلغ قمة المسار المؤسساتي لينال الختم الملكي. وطبقاً للفصل 50 من الدستور، يصدر الملك القانون بظهير داخل أجل 30 يوماً من تاريخ إحالته إلى الحكومة.
ويشهد هذا الإصدار رسمياً على صحة القانون ويأمر السلطات العمومية بتنفيذه.
غير أنه قبل وضع الختم الملكي، قد تتدخل مرحلة تحقق عبر مراقبة الدستورية. وبالنسبة إلى القوانين التنظيمية، فإن إحالتها على المحكمة الدستورية إلزامية قبل أي إصدار. وتتولى المحكمة التحقق من مدى احترام النص لروح دستور 2011 ونصه.
أما بالنسبة إلى القوانين العادية، فالإحالة اختيارية، لكنها قد تتم بمبادرة من الملك أو رئيس الحكومة أو رئيسي مجلسي البرلمان أو من طرف أقلية من البرلمانيين. ومن المهم التأكيد أن أي مقتضى يُصرح بعدم دستوريته لا يمكن إصداره ولا تطبيقه، بما يضمن تدرج القواعد داخل المملكة.
ويأتي الاكتمال النهائي للدورة التشريعية مع النشر في الجريدة الرسمية. فهذه النشرة الرسمية، الموضوعة تحت سلطة الأمانة العامة للحكومة، هي الأداة التي تُعلم بها الدولة المواطنين بالقانون بشكل رسمي. وبموجب الفصل 50 من الدستور، يجب نشر القانون الصادر داخل أجل لا يتجاوز شهراً واحداً من تاريخ ظهير إصداره.
ويشكل هذا النشر شرطاً لا غنى عنه للاحتجاج بالقاعدة القانونية. فهو الذي يجسد المبدأ الأساسي الوارد في الفصل 81 من ظهير الالتزامات والعقود: «لا يجوز لأحد أن يحتج بجهله للقانون». ومن حيث المبدأ، يصبح القانون نافذاً بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، ما لم ينص هو نفسه على تاريخ مؤجل لدخوله حيز التنفيذ، حتى يتسنى للإدارات أو المواطنين التكيف مع المقتضيات الجديدة. وما إن يُنشر، حتى يتحول المشروع السياسي إلى قاعدة قانونية ملزمة لجميع المؤسسات.
البنية المقننة للجريدة الرسمية
يتضمن كل عدد أقساماً دقيقة تحت سلطة الأمانة العامة للحكومة:
الظهائر: توضع في مقدمة العدد، وتتضمن أعمال الملك، ولا سيما تلك المتعلقة بإصدار القوانين أو المصادقة على المعاهدات.
النصوص التشريعية: يضم هذا القسم مجموع القوانين التنظيمية والعادية التي صادق عليها البرلمان وصدر بشأنها ظهير.
المراسيم: تتضمن الأعمال التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة أو مجلس الوزراء. كما تُنشر في هذا القسم المراسيم التطبيقية، الضرورية لفعالية القانون، مع الإشارة الصريحة إلى القانون الذي تأتي لاستكماله.
القانون والنموذج التنموي الجديد
يضع النموذج التنموي الجديد إصلاح الجهاز التشريعي في صدارة أولوياته. وبالنسبة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن منظومة حكامة مؤسساتية فعالة تشكل حجر الزاوية في هذا الطموح. فالقانون هنا لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط كقيد قانوني، بل كرافعة قادرة على تحويل السياسات العمومية إلى نتائج ملموسة للمواطن. غير أن «صناعة القانون» حتى تصبح محركاً لهذا النهوض، مطالبة بتجاوز تحديات بنيوية معينة.
ومن بين أبرز الإشكالات التي حددها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الفجوة بين الإرادة السياسية والصرامة التقنية للمسار التشريعي. فمن الناحية النظرية، يبدو الإطار القانوني متيناً: إذ يفرض القانون التنظيمي رقم 065.13 أن يرفق كل مشروع قانون بدراسة أثر دقيقة. غير أن محمد أوزين ينتقد تأويلاً «ضيقاً» للدستور من طرف السلطة التنفيذية، حيث يتحول الاستناد إلى الفصل 77 المرتبط بالمرونة الميزانياتية إلى ذريعة لرفض المبادرات البرلمانية من دون نقاش موضوعي. ويكشف أن الفريق الحركي تقدم بمقترح قانون لجعل دراسة الأثر إلزامية بالنسبة إلى الحكومة، لكنه ظل دون جواب إلى اليوم.
وأمام غياب دراسات الأثر الحكومية، تضطلع اللجان الدائمة بدور لا غنى عنه من خلال تنظيم جلسات استماع أو إنجاز بحوث وثائقية لتعويض هذا النقص في المعلومات. ويُعد هذا الأداة أساسية لقياس الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للقاعدة القانونية مسبقاً، وتزويد النواب بأداة فعلية للمساعدة على اتخاذ القرار.
ومع ذلك، كثيراً ما يُهمَل هذا الالتزام أو يُتعامل معه بسطحية من طرف الحكومة. فدراسات الأثر، عندما تكون موجودة، لا تخضع للتوحيد المنهجي، كما لا تُنشر نتائجها بشكل منتظم، ما يحرم البرلمانيين من رؤية واضحة وصادقة حول النتائج الفعلية للنصوص التي يستعدون للتصويت عليها. وهذا النقص في المعطيات الرقمية والتحليلات الاستشرافية يضعف جودة القانون، وقد ينتج عنه ترسانة قانونية منفصلة عن واقع البلاد.

ولتدارك هذا القصور، يُعتبر تعزيز الخبرة داخل البرلمان نفسه أمراً ملحاً. ويُطرح في هذا الإطار تفعيل مركز الدراسات والأبحاث البرلمانية كحل ممكن. ومن شأن هذا المركز أن يزود مجلس النواب بقدرة تحليلية مستقلة، قادرة على تفكيك الأثر المالي والاجتماعي للإصلاحات وتقييم مدى انسجامها مع أهداف النموذج التنموي الجديد.
ظاهرة القوانين «الميتة»
إن التصويت على القانون خطوة، لكن ضمان تطبيقه خطوة أخرى أكثر تعقيداً. ويواجه المغرب ظاهرة مقلقة تتمثل في القوانين «الميتة». فبحسب تشخيصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن نحو ثلث القوانين التي يصادق عليها البرلمان وتُنشر في الجريدة الرسمية لا تُطبق أبداً بسبب غياب المراسيم التطبيقية. وتبقى هذه النصوص معلقة في فراغ قانوني، ما يؤخر أثر الإصلاحات ويغذي شعوراً بعدم الثقة لدى المواطنين والمستثمرين.
ويؤكد عبد الله بوانو هذه الإشكالية، مستشهداً بتأخرات حرجة في قطاعات مثل الاستثمار وتدبير الماء. ويوضح أن مجموعته تقترح حالياً إدراج «آجال صارمة» لنشر المراسيم مباشرة داخل مشاريع القوانين خلال مناقشات اللجان، غير أن هذه التعديلات تُرفض إلى الآن من طرف الحكومة.
ويعبر عبد الله بوانو عن انشغاله بغياب المراسيم التطبيقية في قطاعات استراتيجية مثل الاستثمار والتشغيل وإصلاح التعليم وتدبير الماء. ويؤكد أن مجموعته حاولت فرض «آجال صارمة» للنشر عبر التعديلات للضغط على الحكومة، لكن هذه المحاولات قوبلت بالرفض بشكل ممنهج. ويستشهد في هذا السياق بورش الحماية الاجتماعية، حيث يقول إن الحكومة الحالية نفت وجود مراسيم سبق نشرها خلال الولاية التشريعية السابقة.
وغالباً ما يكون غياب النصوص التنظيمية نتيجة تساهل إداري أو بطء من السلطة التنفيذية في تحويل القانون إلى مقتضيات عملية. ولمعالجة هذا الخلل، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإرساء طابع تعاقدي في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، عبر تحديد آجال قانونية ملزمة لنشر المراسيم التطبيقية.
وفوق ذلك، يتعين على البرلمان أن يتزود بسلطات جديدة للتتبع. ويتمثل المقترح الأبرز في إحداث خلايا يقظة حول فعالية القوانين داخل مجلس النواب. وستتولى هذه الخلايا التحقق، بعد ستة أشهر من دخول أي قانون حيز التنفيذ، من نشر المراسيم الضرورية ومن مدى إحداث القاعدة القانونية للآثار المتوقعة. وبهذا الربط بين المسؤولية والمحاسبة، يظل البرلمان حارساً للأثر الفعلي للقانون في المجتمع.
نحو ديمقراطية تشاركية
أخيراً، يدعو النموذج التنموي الجديد إلى انفتاح غير مسبوق في «مسار القانون» على المواطن، بهدف استعادة الثقة في المؤسسات التمثيلية. وقد فتح دستور 2011 هذا الباب، من خلال الفصلين 14 و15، عندما كرس حق المواطنات والمواطنين في تقديم ملتمسات في مجال التشريع وعرائض إلى السلطات العمومية.
ومن أجل كسر هذه الحواجز، يشير عبد الله بوانو إلى أن مجموعته تنظم أياماً دراسية لتحويل انشغالات المجتمع المدني إلى مقترحات قوانين، وقدمت أكثر من 70 منها. غير أنه يندد برفض الحكومة تلقي بعض العرائض الشعبية، مثل تلك المتعلقة بإلغاء شرط 30 سنة للتعليم أو إلغاء الساعة الإضافية.
لكن هذا الوعد المرتبط بالديمقراطية التشاركية ما زال يصطدم بعقبات إجرائية. فالقانونان التنظيميان رقم 44.14 ورقم 64.14، رغم اعتمادهما، يفرضان شروط أهلية تُعتبر شديدة الصرامة، مثل العدد المرتفع من التوقيعات المطلوبة، أو إلزامية تسجيل الموقعين في اللوائح الانتخابية.
وتحد هذه الحواجز من بروز مجتمع مدني قادر على التأثير المباشر في صناعة القانون. ولكي تصبح العملية التشريعية شاملة فعلاً، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمأسسة قنوات التشاور. ويتمثل الهدف في تحويل مجلس النواب إلى «مؤسسة منفتحة» قادرة على إدماج المساهمات المواطنة منذ مرحلة صياغة النصوص.
ومن خلال تبسيط آليات الملتمسات وتوسيع جلسات الاستماع العمومية، يمكن للمملكة أن توائم أخيراً إنتاجها التشريعي مع انتظارات سكانها.
كيف يمكن للمواطن عملياً تقديم ملتمس تشريعي؟
في ما يلي المراحل والشروط المطلوبة:
1. الإطار القانوني
يرتكز هذا الحق على الفصل 14 من دستور 2011، الذي ينص على أنه يحق للمواطنات والمواطنين تقديم ملتمسات في مجال التشريع. أما الشروط العملية فتخضع للقانون التنظيمي رقم 64.14.
2. شروط الأهلية بالنسبة إلى المواطنين
لكي يكون الملتمس مقبولاً، يجب استيفاء عدة معايير صارمة:
التسجيل في اللوائح الانتخابية: يجب وجوباً أن يكون جميع المواطنين الموقعين على الملتمس مسجلين في اللوائح الانتخابية الوطنية.
جمع التوقيعات: يفرض القانون عدداً مرتفعاً من التوقيعات من أجل إيداع ملتمس صحيح.
الممارسة الفردية: حالياً، يستفيد أعضاء المجتمع المدني من هذا الحق بصفتهم الفردية كمواطنين، ولا يمكن للمنظمات غير الحكومية، بصفتها أشخاصاً اعتبارية، أن تتقدم مباشرة بملتمس.
3. المسطرة داخل البرلمان
بعد جمع التوقيعات، يسلك الملتمس مساراً داخل مجلس النواب:
الإيداع والتحقق: يُودع الملتمس لدى المجلس الذي قام، منذ أكتوبر 2017، بتحيين نظامه الداخلي ليتلاءم مع مقتضيات القانون 64.14.
فحص القبول: تتحقق المؤسسة من احترام الملتمس للشروط الشكلية، مثل التوقيعات والتسجيل الانتخابي، والشروط الموضوعية، أي دخوله ضمن مجال القانون. ونظراً إلى العراقيل الإجرائية القائمة، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتنظيم حملات تحسيسية لشرح كيفية ممارسة هذا الحق عملياً للمواطنين. كما يدعو إلى احتمال مراجعة عتبات التوقيعات لجعل الآلية أكثر يسراً، وإلى استعمال المنصات الرقمية، مثل المنتديات الافتراضية للمواطنين، لتسهيل التفاعل مع النواب بشأن مشاريع القوانين.