مع كل موعد انتخابي، يتكرر المشهد نفسه. تتحدث الصحف عن المليارات التي جرى تعبئتها، وتشتعل منصات التواصل الاجتماعي بالنقاش حول الحملات الرقمية، فيما يترسخ في المخيال الجماعي أن المرشحين يتحركون في عالم يتدفق فيه المال بسخاء. لكن الواقع أقل بهرجة بكثير؛ فنحن لسنا في عالم كارلوس غصن أو رشيدة داتي.
فالوجه اللوجستي للانتخابات المغربية أكثر تواضعًا مما توحي به الصورة العامة. وتتحرك، عمليًا، آليتان بالتوازي: جهاز دولتي شديد التنظيم، قادر على إيصال صناديق الاقتراع والمحاضر والتجهيزات المؤمنة إلى أبعد مناطق البلاد؛ واقتصاد حزبي ميداني أكثر بساطة، يقوم على التدبير العملي والارتجال أحيانًا، وعلى حلول ظرفية أكثر مما يقوم على إمكانات مالية ضخمة.
وبالنسبة إلى 7.288 مرشحًا موزعين على 1.850 لائحة و28 هيئة سياسية، فإن السباق الذي ينتهي في 22 شتنبر عند منتصف الليل يُخاض أيضًا درهمًا بدرهم ومحضرًا بمحضر، داخل إطار تنظيمي يسعى إلى تحديث الممارسة، فيما تظل بعض العادات القديمة حاضرة. وتؤكد معطيات وزارة الداخلية رقمَي 1.850 لائحة و7.288 ترشيحًا على الصعيد الوطني.
اللوجستيك الضخم الذي تؤمنه الدولة
حين تتولى وزارة الداخلية تنظيم الانتخابات التشريعية، فإنها تدير عملية واسعة النطاق تتجاوز كثيرًا مجرد فتح مكاتب التصويت. ولتمكين 15,8 مليون ناخب مسجل من الإدلاء بأصواتهم، تعبئ الدولة جهازًا لوجستيًا كبيرًا.
وتبدأ الصورة بالأرقام: 40.700 مكتب تصويت و3.750 مكتبًا مركزيًا مكلفًا بفرز الأصوات وتجميع المحاضر. ولتشغيل هذه المنظومة يوم الأربعاء 23 شتنبر، من الساعة الثامنة صباحًا إلى السابعة مساءً، تعبئ الدولة 350.000 مؤطر، من بينهم 178.000 عضو رسمي في مكاتب التصويت ونوابهم، إضافة إلى 3.006 ملاحظين وملاحظات اعتمدتهم اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظي الانتخابات التابعة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وقد أكد المجلس اعتماد 3.006 ملاحظين لهذه الانتخابات.
ولا تمثل هذه التعبئة مسألة بسيطة بالنسبة إلى المقاولات ومصالح الموارد البشرية. وبما أن يوم الاقتراع لم يُعلن عطلة رسمية، سيتعين تدبير الغيابات والتراخيص، وتمكين الأجراء والموظفين من إيجاد الوقت اللازم للتصويت وسط التزامات العمل.
أما على مستوى الوسائل، فلم تُلغ الرقمنة حضور الورق. ففي الوقت الذي تتولى فيه سبع مطابع معتمدة إنتاج عشرات الملايين من أوراق التصويت الموحدة، تضع الإدارة 32.000 هاتف ذكي مشفر و1.300 حاسوب رهن إشارة العملية الانتخابية. وتتيح هذه التجهيزات، على الخصوص، لرؤساء مكاتب التصويت رقمنة المحاضر فور إغلاق المكاتب وإرسال النتائج مباشرة إلى مراكز المعالجة في الرباط.
وحتى القوافل التي تنقل المعدات الحساسة من المخازن المركزية إلى الأقاليم البعيدة تخضع للتتبع عبر تحديد الموقع الجغرافي. وللإشراف على العملية برمتها، تسهر لجنة مركزية للتتبع، تضم وزير الداخلية والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، على مختلف مراحلها. وباختصار، لم تترك الدولة، على مستوى التنظيم، سوى هامش ضيق جدًا للصدفة.
قرعة الأعمدة
وفي الفضاء العمومي، حاول المشرع بدوره تنظيم حرب الملصقات الانتخابية. ويحدد المرسوم رقم 2.16.669 الأماكن والتجهيزات التي يمنع فيها تعليق الإعلانات الانتخابية، فيما يخضع توزيع بعض المواقع المخصصة للحملة، ومنها أعمدة الإنارة العمومية، لقواعد محددة.
أما الملصقات، فيتعين أن تحترم قياس A0، أي 84,1 في 118,9 سنتيمترًا. وتخصص اللافتات لمقار الأحزاب وعدد محدود من المداومات المحلية، بما لا يتجاوز أربعة مواقع في كل جماعة، في حدود سقف أقصى يبلغ 30 موقعًا.
لكن الطريف في هذه الآلية التنظيمية يظل طريقة توزيع المواقع على أعمدة الإنارة العمومية. فالسلطة المحلية توزعها بين اللوائح أو المترشحين عن طريق القرعة. وهكذا قد تضع القرعة مرشحًا على عمود، ومنافسه على العمود المجاور.
ويبقى التحدي في احترام هذا التوزيع على أرض الواقع. فإذا علق مرشح إعلاناته خارج المواقع المخصصة له، تدخل الإدارة وفق المقتضيات المنظمة لإزالة المخالفة وتحميل صاحبها تبعاتها.








هذا هو الإطار القانوني، لكن الواقع في الشارع يبدو مختلفًا. ففي دراسة خصصتها للحملات الانتخابية في الدار البيضاء، وثقت الباحثة دنيا منصف استمرار عدد من الممارسات المتكررة، من الشعارات المرسومة بالجير والملصقات الممزقة إلى الجداريات الحزبية التي تبقى آثارها على جدران الأحياء الشعبية لسنوات، وأحيانًا حتى موعد الاستحقاق الموالي.
والمفارقة أن هذه المعارك حول الملصقات لم تعد تملك الأثر نفسه في حملة انتقل جزء كبير منها إلى الفضاء الرقمي. فقد سجلت دنيا منصف أن 33,98% من الناخبين الأميين لا يفهمون مضمون الرسالة التي يحملها الملصق الانتخابي، فيما استحوذت شبكات التواصل الاجتماعي سنة 2021 على 92,5% من إجمالي الإعلانات الانتخابية.
مراقبة رقمية وعقوبات زجرية
لم يغب انتقال الحملة إلى الفضاء الرقمي عن المشرع، الذي عزز الترسانة القانونية المؤطرة لاستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، بما يشمل أيضًا المضامين المنتجة أو المعدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي يوم الاقتراع، يضيق هامش المناورة بشكل كبير. فنشر محتوى انتخابي أو مشاركته يوم 23 شتنبر قد يعرّض صاحبه لعقوبة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر حبسًا وغرامة تصل إلى 50.000 درهم، وفق المادة 39.
كما قد يعرّض شراء إشهار سياسي عبر منصة أجنبية صاحبه لغرامة تصل إلى 100.000 درهم، وفق المادة 40. أما نشر خبر زائف أو محتوى جرى التلاعب به بما من شأنه التشويش على الاقتراع، فقد تصل عقوبته إلى الحبس النافذ من سنتين إلى خمس سنوات، بمقتضى المادتين 51 و51 مكرر.
اقرأ أيضاً: تشريعيات 2026: كم تكلف فعلياً الحملة الانتخابية في المغرب؟
وحتى سلوك يبدو عاديًا اليوم، مثل إخراج الهاتف داخل مكتب التصويت لالتقاط صورة لورقة الاقتراع، قد يكلّف صاحبه ما يصل إلى ستة أشهر حبسًا، مع حجز الجهاز، طبقًا للمادة 50. وهكذا، فإن انتقال الحملة إلى الفضاء الرقمي رافقه تشديد مماثل في آليات المراقبة والزجر.
التمويل الرسمي
يفرض الحديث عن المال في الانتخابات المغربية الموازنة بين ما تقوله النصوص وما يجري فعليًا داخل الدوائر. فالأرقام الرسمية موجودة، والسقوف القانونية محددة، لكن السؤال يبقى: إلى أي حد تعكس هذه الأرقام الكلفة الحقيقية للحملة على الأرض؟
وبالنسبة إلى اقتراع 2026، رصدت الحكومة مساهمة عمومية بقيمة 450 مليون درهم. ويشمل هذا الغلاف 400 مليون درهم موجهة إلى الأحزاب السياسية، مقابل 160 مليون درهم في 2021، أي بزيادة قدرها 150%، إضافة إلى 50 مليون درهم مخصصة للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة.
ويتيح المرسوم رقم 2.26.311 لرؤساء اللوائح الشباب استرجاع ما يصل إلى 75% من النفقات التي تحملوها، شريطة الحصول على ما لا يقل عن 2% من الأصوات، وتقديم حسابات تستوفي شروط المراقبة.
وفي الوقت نفسه، رفعت الحكومة السقف القانوني للنفقات المسموح بها لكل مرشح من 500.000 إلى 600.000 درهم. وبررت السلطة التنفيذية هذه الزيادة، البالغة 20%، بارتفاع الكلفة وإدماج نفقات التواصل الرقمي، التي أصبحت بدورها محددة في ثلث مصاريف المرشح أو خمسة ملايين درهم بالنسبة إلى الحزب.
غير أن العودة إلى أرقام الانتخابات السابقة تكشف صورة مختلفة. فوفق تقارير المجلس الأعلى للحسابات بشأن تشريعيات 2021، لم يتجاوز متوسط النفقات التي صرح بها المرشحون 34.668,75 درهمًا، أي نحو 7% فقط من سقف 500.000 درهم المعمول به آنذاك.
لكن هل يمكن فعليًا خوض حملة على صعيد إقليم كامل بنحو 34.000 درهم فقط؟
ترتكز المراقبة المالية على النفقات التي يصرح بها المرشحون، مرفقة بالفواتير ووثائق الإثبات. ومع ذلك، شهدت انتخابات 2021 إيداع 42% من حسابات الحملات خارج الآجال القانونية، فيما رفض المجلس نفقات بملايين الدراهم بسبب غياب وثائق إثبات معتبرة.
وبحسب الأستاذ نبيل عادل، عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية، تبتعد الكلفة الحقيقية للترشح في الانتخابات التشريعية كثيرًا عن المتوسطات الظاهرة في الحسابات المصرح بها. فمجرد دخول المنافسة وتأمين الحد الأدنى من لوجستيك الدائرة الانتخابية يتطلب، في تقديره، قدرة مالية تتراوح بين 60.000 و300.000 درهم.
وتتحول هذه الكلفة، عمليًا، إلى مصفاة اجتماعية تجعل دخول السباق صعبًا على الجميع بالشروط نفسها. فالمواطن الذي لا يملك موارد شخصية كافية أو دعمًا ماليًا مباشرًا من حزب كبير قد يجد نفسه خارج المنافسة قبل أن تبدأ حملته فعليًا.
ومع ذلك، ما يزال كثيرون ينظرون إلى الأحزاب السياسية باعتبارها آلات انتخابية قوية، تملك موارد مالية كبيرة وقادرة على تشغيل هياكلها من دون اكتراث كبير بالكلفة. غير أن الأستاذ نبيل عادل يقدم صورة أكثر تحفظًا، ويشير إلى أن جزءًا مهمًا من الأحزاب المغربية يشتغل، في الواقع، من دون دعم عمومي مباشر.
فكيف تستمر بنية لا تتوفر على تمويل عمومي كافٍ، وتشغل فروعها، وتخوض الحملة؟ الجواب يرتبط، إلى حد كبير، بالتمويل الذاتي لمناضلي القاعدة.
Partis politiques : enquête sur l’autofinancement des militants de l’ombre
حرب المحاضر
يوم الاقتراع، تتراجع النقاشات السياسية لتفسح المجال أمام أولويات من نوع آخر. وأبرز ما يطبع هذا اليوم الطويل، الذي قد يمتد إلى الثانية أو الثالثة صباحًا، هو ضمان حضور ميداني فعلي داخل مكاتب التصويت عبر ممثلين موثوقين.
فممثل الحزب هو عينه داخل المكتب. يحضر منذ الصباح حتى نهاية الفرز، يراقب ويتابع ويدون. وتتمثل مهمته أساسًا في رصد أي اختلال محتمل ومتابعة كل ما يجري حول الصندوق، من أوراق التصويت إلى عمليات الفرز.
وخلال العد، يسجل الأصوات في مفكرته الخاصة. غير أن المهمة الأهم تبدأ عند نهاية العملية: مغادرة المكتب بنسخة ورقية من محضر الفرز تحمل توقيع رئيس المكتب وفق الأصول. فهذه الوثيقة تصبح مرجعًا أساسيًا في حال الطعن في النتائج أو ظهور اختلافات أثناء تجميع الأرقام على مستوى العمالة أو الإقليم.
ويستحضر الأستاذ نبيل عادل، في هذا الصدد، تشريعيات 2016. فبفضل شبكة فعالة من الممثلين الذين نقلوا معطيات محاضرهم فورًا عبر الهاتف، تمكن نظام تجميع النتائج التابع لحزب العدالة والتنمية، الذي حمل اسم «TGV»، من تجميع الأرقام ونشرها وإعلان فوز الحزب على الصعيد الوطني قبل الإعلان الرسمي لوزير الداخلية. وساعدت هذه السرعة، بحسب هذا الطرح، على تحصين النتائج والحد من احتمالات التشويش عليها.
الكلفة التي تتحملها المقاولات
عند الحديث عن لوجستيك انتخابات وطنية، ينصرف الذهن تلقائيًا إلى وزارة الداخلية وصناديق الاقتراع والأوراق ومكاتب التصويت والآلة الإدارية الضخمة التي تدير العملية. ونادرًا ما تحضر المقاولات في هذه الصورة. ومع ذلك، سيتحمل القطاع الخاص بدوره جزءًا من الكلفة التي لا تظهر في الأرقام الرسمية للتحضير للانتخابات.
فحين حددت الحكومة موعد الانتخابات التشريعية يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، أبقت الاقتراع في منتصف أسبوع العمل. ولم يتحول هذا اليوم إلى عطلة رسمية، ما يعني أن المقاولات ستواصل نشاطها في الوقت الذي يتوجه فيه مستخدموها إلى التصويت، بما قد يسببه ذلك من ارتباك في جداول العمل.
ويضاف إلى ذلك عشرات الآلاف من الأجراء الذين سيشاركون مباشرة في تنظيم الاقتراع. فبين رخص الغياب، والاستدعاءات المتأخرة، وإعادة ترتيب التناوب، وتدبير ساعات العمل، قد يكلف هذا اليوم الانتخابي المقاولات أكثر مما توحي به الحسابات الرسمية.
ويبدأ الالتباس من الاعتقاد بأن الانتخابات الوطنية تجعل يوم الاقتراع تلقائيًا عطلة مؤدى عنها. ففي المكاتب والورشات وخطوط الإنتاج، ما يزال كثيرون يعتقدون أن الأجير يستفيد حتمًا من حق التغيب للذهاب إلى التصويت. غير أن الجدول الرسمي للعطل المؤدى عنها لا يتضمن يوم 23 شتنبر. وما لم يصدر مرسوم حكومي في اللحظة الأخيرة وينشر في الجريدة الرسمية، يظل ذلك اليوم يوم عمل عاديًا.
وتفصل مدونة الشغل، أي القانون رقم 65-99، في عدد من رخص التغيب المرتبطة بالزواج أو الازدياد أو الوفاة أو ممارسة بعض المهام. أما التصويت في انتخابات وطنية، فلا يخصه النص بمقتضى يمنح الأجير وقت غياب مؤدى عنه لممارسة حقه الانتخابي.
وهنا تظهر المفارقة: يقدم القانون التنظيمي رقم 27.11 التصويت باعتباره حقًا شخصيًا وواجبًا وطنيًا، بينما لا تمنح مدونة الشغل، في القاعدة العامة، رخصة غياب مؤدى عنها لممارسة هذا الحق. وقد يجد الأجير الذي يغادر منصبه من دون موافقة إدارته نفسه في وضع غريب: أدى واجبًا وطنيًا، لكنه قد يُعتبر في الوقت نفسه غائبًا عن عمله من دون ترخيص.
وقد يلجأ مشغل متشدد إلى تطبيق القواعد المعتادة المتعلقة بالغياب، بما قد يترتب عنها اقتطاع من الأجر أو إجراء تأديبي بحسب الظروف. لكن من الصعب، عمليًا، تصور إدارة للموارد البشرية تدخل في مواجهة مباشرة مع أجير يبرر غيابه بالذهاب إلى التصويت. لذلك، يُرجح أن تدبر أغلب المقاولات الوضع حالة بحالة، من خلال منح تراخيص بدرجات متفاوتة من الرسمية.
ولهذه المرونة كلفة بدورها. فالمقاولة قد تضطر إلى تأجيل اجتماعات، وتعديل المواقيت، وإعادة تنظيم الفرق، وتدبير الغيابات طوال اليوم. وهكذا، تتجاوز كلفة التصويت الوقت الذي يقضيه الناخب أمام الصندوق إلى ما يفرضه غيابه من إعادة توزيع للأدوار داخل مكان العمل.
تعبئة 350.000 مؤطر
إذا كانت بضع ساعات من الغياب كافية لإرباك برنامج العمل، فإن تعيين أعضاء مكاتب التصويت يرفع حجم التحدي إلى مستوى آخر.
فمن أجل تشغيل 40.700 مكتب تصويت و3.750 مكتبًا مركزيًا مكلفًا بفرز النتائج وتجميعها، تعبئ الدولة 350.000 مؤطر، من بينهم 178.000 عضو رسمي ونوابهم. وبموجب المادة 74 من القانون التنظيمي رقم 27.11، يعين الولاة والعمال رؤساء مكاتب التصويت ومساعديهم من بين الموظفين، وكذلك من بين أجراء القطاع الخاص.
وبالنسبة إلى المشغل، تبدأ الصعوبة من عامل الزمن. فقد تصل الإشعارات الرسمية قبل 48 ساعة فقط من يوم الاقتراع. وهذا يعني أن مسؤولًا قد يكتشف صباح الاثنين أن رئيس فريق، أو تقنيًا، أو أجيرًا يشغل منصبًا يصعب تعويضه، سيقضي يوم الأربعاء كاملًا داخل مكتب للتصويت.
وأمام استدعاء رسمي، تضيق مساحة المناورة أمام المقاولة. فالتعيين يندرج ضمن مهمة ذات مصلحة عامة، ويقتضي تمكين الأجير المعني من التفرغ لها.
ولا يتعلق الأمر بغياب لساعتين أو ثلاث. فالأجير المكلف بتسيير مكتب التصويت يجب أن يكون حاضرًا قبل افتتاح الاقتراع في الثامنة صباحًا. ولا ينتهي يومه عند السابعة مساء مع إغلاق المكاتب، إذ تبدأ بعد ذلك عمليات الفرز وعد الأصوات وتحرير المحاضر، وقد تستمر إلى الثانية أو الثالثة صباحًا.
وفي المقاولات الصغرى والمتوسطة، حيث قد يتولى الشخص الواحد أكثر من مهمة، يمكن أن يتحول تعويض أجير جرى استدعاؤه في وقت قصير إلى معادلة شديدة التعقيد.
حين لا تسمح طبيعة العمل بمرونة التصويت
لن تعيش جميع المقاولات يوم الأربعاء بالطريقة نفسها. فبالنسبة إلى إطار يعمل في مكتب بالدار البيضاء أو الرباط، قد تبدو المعادلة بسيطة نسبيًا. وبما أن مكاتب التصويت تفتح من الثامنة صباحًا إلى السابعة مساء، يستطيع أجير يعمل وفق توقيت عادي، من التاسعة صباحًا إلى السادسة مساء مثلًا، أن يصوت نظريًا قبل الالتحاق بعمله أو بعد مغادرته.
لكن هذا الحل يناسب أساسًا المهن التي تسمح بقدر من المرونة في التوقيت.
أما في الصناعة والتجارة والصحة والأمن والحراسة ومراكز النداء، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. كيف يغادر عمال خط إنتاج؟ وكيف يتوقف مشغلون عن العمل داخل مصنع يشتغل باستمرار؟ وكيف يغادر مستشارون هاتفيون مناصبهم لساعات؟
وستضطر إدارات المواقع إلى التوفيق بين هذه الإكراهات. ففي بعض الحالات، قد تمدد فترات الاستراحة لإتاحة وقت كافٍ للأجراء للتوجه إلى مكاتب التصويت. وفي حالات أخرى، قد يصبح التناوب الحل العملي: مجموعة تتوجه إلى التصويت، وأخرى تواصل العمل، مع تشغيل النشاط مؤقتًا بعدد أقل من الأجراء أو بوتيرة أبطأ.
ويبرز أيضًا إشكال المسافة بين مكان العمل ومكان التسجيل في اللوائح الانتخابية. فعدد كبير من الأجراء يعملون في المدن الكبرى، بينما يظلون مسجلين في جماعاتهم الأصلية، أحيانًا على بعد عشرات أو مئات الكيلومترات. وبالنسبة إليهم، يصبح التصويت خلال استراحة قصيرة شبه مستحيل، لأن التنقل وحده قد يستغرق ساعات ويجعل الجمع بين يوم عمل عادي والذهاب إلى الصندوق مهمة شاقة.
التصويت فعل فردي، لكن أثره التنظيمي قد يتحول سريعًا إلى مسألة جماعية داخل المقاولة.
ثم يأتي السؤال الذي ينتهي دائمًا على الطاولة: من يتحمل أجر الساعات التي يغيب فيها الأجير عن منصبه؟ لنأخذ أبسط مثال: أجير يغادر مقر عمله ساعتين من أجل التصويت. هل يؤدي المشغل أجر هاتين الساعتين كما لو أن الأجير قضاهما في العمل؟
وفي غياب مقتضى يفرض الحفاظ على الأجر في هذا النوع من الغياب، يمكن نظريًا تطبيق اقتطاع يتناسب مع مدة الغياب. لكن من الصعب عمليًا أن تجد المقاولات مصلحة في مثل هذا التدقيق الحسابي. فاقتطاع ساعتين من أجر موظف غادر لأداء ما يقدمه القانون بوصفه واجبًا وطنيًا قد يخلق توترًا اجتماعيًا أكبر من قيمة المبلغ المقتطع.
لذلك، يُرجح أن تتحمل مقاولات كثيرة هذه الكلفة، وتحافظ على الأجور، وتدبر الاضطراب داخليًا. وهكذا تتسع الكلفة الفعلية ليوم الاقتراع لتشمل أيضًا ما تتحمله المقاولات من ساعات عمل ضائعة وإعادة تنظيم للفرق، إلى جانب النفقات المباشرة التي تتحملها الدولة.