إنها قصة رجل يسقط من الطابق الخمسين في بناية. ومع مروره بكل طابق، كان يردد ليطمئن نفسه: «إلى حدود الآن، كل شيء على ما يرامفيلم «الكراهية» لماتيو كاسوفيتز، 1995.
هكذا، وببساطة، يمكن اختصار وضع المغربي في هذه المرحلة. ففي يوليوز من هذه السنة، تراجع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 1٪ على أساس شهري. والأكثر من ذلك، انخفض معدل التضخم السنوي إلى0,3 ٪ فقط، فيما يفترض أن أسعار المواد الغذائية تراجعت بدورها بنسبة 0,8٪. وهنا يظهر الخبراء الحكوميون برسومهم البيانية الملونة ويهنئون أنفسهم على «التحكم» في الاقتصاد.
لكن في العالم الحقيقي، حيث يعيش 95٪ من المغاربة، لا تبدو لهذه الأرقام دلالة كبيرة. فهذا التراجع قد يبطئ وتيرة السقوط، لكنه لا يمحو تراكم الزيادات الكبيرة التي تحملتها الأسر خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ويشرح بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، هذه الازدواجية الاقتصادية خلال حديثه معنا قائلا: «النفقات الأسرية تختلف حسب الوضع الاجتماعي للأسرة. فنفقات الأسر الميسورة تختلف عن نفقات الطبقة المتوسطة والأسر المعوزة». لكن اليوم، وبدرجات متفاوتة، يدفع الجميع الثمن.
ويرى 78,3٪ من المغاربة أن مستوى عيشهم تدهور خلال الاثني عشر شهرا الماضية. وماذا عن القادم ؟ أكثر من نصفهم، أي 51%، يتوقعون أن الأسوأ آت لا محالة. أما الحد الأدنى للأجور، حتى بعد رفعه إلى 3422 درهم إجمالا، أي نحو 3192 درهم صافيا، فيبدو بعيدا عن مجاراة الكلفة الحقيقية للعيش.
ولتغطية نفقات نهاية الشهر، تضطر نحو أربع أسر من كل عشر، أي 38,7٪، إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراتها المحدودة. أما الادخار، فلم يعد متاحا سوى لـ ـ2,6% من الأسر.
وبهذا المعنى، صار الادخار أشبه بقصة خيالية ترويها الجدات للصغار مساء قبل النوم.
عيد الأضحى والاختناق على إيقاع هادئ
في التقويم الاجتماعي المغربي، لا تبدأ السنة فعليا في يناير، بل مع أول قطعة دومينو توشك أن تسقط ما يليها: عيد الأضحى. فما يفترض أن يكون مناسبة للفرح والروحانية والتقاسم والابتسامات، تحول إلى تمرين للحساب. إنها أول ضربة قوية في السنة.
والخروف في حد ذاته لا ذنب له، لكنه بات يجسد كل توترات مجتمع يعيش على أعصابه. وهذه السنة أيضا، استبعدت السلطات فكرة تسقيف الأسعار مع اقتراب العيد، فوجدت الأسر نفسها عالقة بين عرض فعلي للماشية يلفه الغموض في كثير من الأحيان، ومضاربة شرسة يفرضها الوسطاء في الأسواق.
ولاقتناء الأضحية، تلجأ فئات من الطبقة المتوسطة إلى قروض استهلاكية أو تسهيلات بنكية على عجل.
وكما يوضح بوعزة الخراطي، بسخرية تعكس حجم الضيق السائد: «تأخر تلميذ يوما عن المدرسة، فطلب منه الأستاذ، عقابا له، أن يحضر والده. ففوجئ المدرس برد التلميذ: والدي يحفر حفرا ليسد بها حفرا أخرى. وهذا هو الحل الذي جرى اعتماده لمواجهة هذا الضغط على الميزانية الذي فرضته الإجراءات المتخذة لمجابهة تضخم مستورد متقلب، وأجور لا تواكب الوضع، في ظل نموذج معمول به في المغرب أصبح متجاوزا».
تستدين الأسرة من أجل الخروف، ثم تمضي الأسابيع التالية في محاولة سد الثقوب التي خلفتها هذه النفقة، قبل أن تدخل المرحلة التالية بجيوب شبه فارغة.
ولإضافة مزيد من الكآبة إلى المشهد، أظهر استطلاع للرأي شمل القراء أن 42٪ من المغاربة يعتبرون أن «التضامن والتحضير الجماعي» يتراجعان لصالح احتفال أكثر فردانية وتوترا، بينما يأسف 22% لأن المناسبة لم تعد تجمع العائلة الموسعة كما في السابق.
لم تعد أضحية العيد مجرد شعيرة دينية، بل صار دائنا يلاحق الأسرة حتى آخر منفذ.
العطلة الصيفية
ما إن تنطفئ جمرات الشواء حتى يلوح الوحش الثاني في السنة: الموسم الصيفي. نظريا، يفترض أن تكون فترة للاسترخاء وتخفيف الضغط. لكن في 2026، أصبحت العطلة منتجا فاخرا خارج متناول الأغلبية. إذ اضطرت 64٪ من الأسر المغربية إلى التخلي عن السفر أو تقليص مدة الإقامة بشكل كبير، لعدم قدرتها على تعبئة الميزانية اللازمة.
ويقدر متوسط ميزانية أسبوع واحد من العطلة العائلية اليوم بنحو 9800 درهم، أي ما يعادل تقريبا ثلاثة أشهر من الحد الأدنى الصافي للأجور مقابل سبعة أيام فقط من البحر والمظلة.
أما 31٪ ممن قرروا خوض التجربة وإنفاق أكثر من 10.000 درهم، فكثيرا ما يستهلكون مدخرات عام كامل، أو يلجؤون إلى قرض دوار إضافي في آخر لحظة.
ويفصل بوعزة الخراطي قائلا: «الأسر الميسورة تتوفر عادة على هامش مالي أوسع يسمح لها بتخصيص موارد أكبر للترفيه والسفر والادخار والراحة. وعلى العكس من ذلك، توجه الأسر الأقل حظا الجزء الأكبر من دخلها إلى الحاجيات الأساسية، خاصة الغذاء والسكن والمصاريف اليومية».
وهكذا يتجاور «مغرب إنستغرام» مع مغرب المحافظ الحقيقية. على مواقع التواصل، ينبغي الظهور وإثبات الحضور في هذا المقهى العصري بطنجة أو في ذلك الشاطئ الخاص بالشمال. وفي المقابل، تبقى عيون الآباء معلقة بالفاتورة، وهم يحسبون بقلق ثمن مثلج للصغير أو كأس عصير تحت الحر.
ومع أن كلفة الإيواء والمحروقات تكفي وحدها لاستنزاف الميزانيات، فإن الصيف المغربي هو أيضًا موسم الأعراس. وهنا تبلغ الضغوط الاجتماعية ذروتها. فهو الحدث العائلي بامتياز، حيث يصبح لزاما إبهار الجميع، حتى لو كان الثمن إفلاس الأسرة عبر أجيال.
وفي 2026، تتراوح كلفة حفل زفاف «متوسط» بين 50.000 و140.000 درهم. وقد يلتهم بند الممون وحده 50.000 درهم لنحو مئة مدعو فقط، علما أننا نتحدث هنا عن قائمة أطعمة أساسية جدا.
ولا يشمل ذلك ما يتحمله الضيوف أنفسهم من هدايا وتنقلات ومصفف شعر وتكاليف تزيين، ما يرفع الفاتورة بسرعة. ومن أجل «الحفاظ على الصورة» وعدم الظهور بمظهر أفقر أفراد العائلة، تستنزف الأسر مدخراتها، وتطلب القروض، وترسم الابتسامات أمام الفرقة الموسيقية، على أمل ألا يتزوج أحد آخر قبل السنة المقبلة.
الغرق الكبير في ميزانية المحفظة المدرسية
إذا كنتم تعتقدون أن متاعب الصيف بلغت ذروتها، فالأمر ليس كذلك. فشهر شتنبر يقترب سريعا بحسمه الإداري. وبموجب المقرر الوزاري رقم 047.26، حددت وزارة التربية الوطنية الاستئناف الفعلي للدراسة يوم الاثنين 7 شتنبر 2026.
عودة إلى مقاعد الدراسة تحت الشعار الرسمي «من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع». لكن بالنسبة إلى الآباء، يبدو الشعار غير المعلن أقرب إلى: «كم قرضا إضافيا سأحتاج هذه المرة؟».
يمثل الدخول المدرسي الكابوس الحقيقي للمحافظ، وهو ما يسميه المغاربة «التبوريشة»، ذلك الارتجاف البارد الذي يصيب الآباء عند قراءة لوائح اللوازم المدرسية. وعلى خلاف عيد الأضحى الذي لا يدوم سوى أيام معدودة، ترتبط المدرسة بمستقبل الأطفال وتمتد على عشرة أشهر كاملة لا مجال لاختصارها.
ويستحضر بوعزة الخراطي زمنا لم تكن فيه المدرسة مرادفا للاستنزاف المالي، قائلا: «بعد العطلة والزيادات القاسية في أسعار المحروقات، ستجد الأسر نفسها أمام أعباء الدخول المدرسي. في السابق، كان الرجوع إلى المدرسة مناسبة فرح للأسرة كلها، شراء ملابس جديدة، ومحفظة، وكتب، ودفاتر، وأقلام. لم يكن الآباء يعيشون هذا الهاجس الحالي المرتبط بالتسجيل والتأمين والنقل وفرض كتب جديدة بسبب تبدل البرامج. كان هناك نوع واحد من المدارس، هو المدرسة العمومية».
أما اليوم، فقد تغير المشهد التعليمي جذريا. ويضيف: «حاليا، اجتاحت المؤسسات التعليمية الخاصة المجال رغم أنها لا تتجاوز تغطية بنسبة 20٪. لكن أثرها ثقيل جدا على الطبقة المتوسطة كما على الفئات المعوزة».
ويندد رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك بما يعتبره فخا تجاريا يطبق على الأسر بمجرد تسجيل الطفل، قائلا: «فعلا، ترتفع رسوم التسجيل بشكل متسارع بمجرد أن يعتاد الأطفال على المؤسسة، ويصبح الآباء رهائن لقبول التجاوزات، مثل الأداء المبالغ فيه للتأمين والنقل، مع أن هذا الأخير مؤطر تنظيميا، فضلا عن حصص الاختبارات من أجل القبول بالمؤسسة».
وأمام هذه الممارسات التي يعتبرها غير مقبولة، لا تكتفي الجامعة بالاحتجاج، بل تقترح على الدولة حلولا جبائية ملموسة: «هذه أعباء كان ينبغي أن تتحملها الدولة، وخاصة في التعليم الابتدائي. ومن هذا المنطلق، تقترح جامعتنا على الحكومة أن تكون هذه المصاريف المدرسية قابلة للخصم الضريبي بالنسبة إلى كل أسرة».
غير أن هذا المقترح لم يجد طريقه إلى التنفيذ بعد، فيما تستمر الأسر في تحمل كامل كلفة الدخول المدرسي.
وفي القطاع الخاص، تبدو أرقام الدخول المدرسي لسنة 2026 صادمة. فبحسب الاستطلاعات المهنية، بلغت الكلفة المتوسطة لمحفظة مجهزة مستويات مرتفعة جدا:
- الابتدائي: بين 1.400 و1.700 درهم.
- الإعدادي: بين 1.700 و2.500 درهم.
- الثانوي: أكثر من 3.000 درهم، ويمكن أن ترتفع الفاتورة بسهولة إلى 4.000 درهم للطفل الواحد إذا أضيفت إليها المتطلبات الخاصة.
وما السبب الرئيسي لهذا الارتفاع ؟ التضخم الكبير في أسعار الكتب الأجنبية المستوردة من أوروبا، إذ يتراوح ثمن الكتاب الواحد بين 300 و 600 درهم. فمجموعة بسيطة من الكتب لقسم المستوى الخامس ابتدائي داخل شبكة فرنسية معتمدة تصل إلى نحو 700 درهم.
وإذا أضفنا إلى ذلك اشتراط بعض المؤسسات علامات تجارية بعينها، مثل دفاتر Oxford الشهيرة التي يصل سعر الواحدة منها إلى 48 درهما، يتضح سبب ازدهار المراكز التجارية الكبرى بفضل «عروض الدخول المدرسي» التي تتراوح أسعارها بين 129 و700 درهم.
وكأن المحفظة الذهبية لا ترهق ميزانية الأسرة بما يكفي، تأتي الضربة الجمالية الأخيرة: الزي الموحد الإجباري. فمن أجل إضفاء صورة أكاديمية بريطانية مرموقة على ما قد لا يعدو أحيانا أن يكون فضاء حضانة محدود الجودة، ينبغي للأطفال ارتداء ألوان المدرسة وكأنهم لوحات إشهارية.
إنها نفقة إضافية ترفع الفاتورة وتستنزف الآباء قبل أن يدق الجرس الأول.
ولإكمال الصورة، لا تتردد بعض المؤسسات الخاصة في فرض شراء اللوازم والكتب عبر شركاء محددين، مع اقتطاع عمولة مريحة ترفع السعر بما بين 15 و25 درهمًا في كل مادة مقارنة بما تعرضه المكتبات المستقلة في الأحياء. وهكذا يتحول الآباء إلى رهائن ماليين مطيعين.
داخل حسابات المدرسة الخاصة: شهادة مدير
لفهم الوجه الآخر للمشهد، لا بد أيضا من الاستماع إلى رواية مسيري المدارس الخاصة. وفي حديثه إلى LeBrief، شرح مدير مجموعة مدرسية خاصة كبرى الآلية المالية التي تقف وراء هذه الرسوم. ووفق قوله، لا ترتبط الزيادات بمجرد الجشع، بل بإكراهات السوق.
هناك أولا ارتفاع كلفة المستلزمات: الطاولات، والورق، والصيانة، والكهرباء. لكن العنصر الحاسم يبقى كتلة أجور المدرسين.
فمن أجل استقطاب أفضل الكفاءات والاحتفاظ بها، تخوض المدارس منافسة قوية. ويقول: «هناك الزيادة القانونية المرتبطة بالأقدمية، وهي حق للأجير داخل المؤسسة. وعلينا أيضا أن نضيف زياداتنا الخاصة في الأجور للاحتفاظ بالمدرسين. وإلا فإنهم يغادرون إلى المنافسين».
وتختلف الأجور بشكل كبير حسب الأسلاك:
- التعليم الأولي أكثر كلفة، لأن كل قسم يحتاج إلى مدرسين بدوام كامل لتأطير الأطفال.
- في الابتدائي، يتقاضى المدرس بين 6.000 و10.000 درهم شهريا.
- في الإعدادي، تبدأ الأجور من 10.000 درهم.
- في الثانوي، تبلغ الكلفة أقصاها. فمن أجل ضمان نسب نجاح مرتفعة في البكالوريا، وهي الواجهة التسويقية للمدرسة، تتنافس المؤسسات على «نجوم» الفيزياء والرياضيات. وبعض الأساتذة المعروفين، خاصة في الجديدة، ينجحون في التفاوض على أجور تصل إلى 28.000 درهم شهريًا مقابل 16 ساعة تدريس أسبوعيا فقط.
ويشكل تغير المستوى البيداغوجي عاملا آخر في هذا الارتفاع الكبير. فعندما تقرر مدرسة ثنائية اللغة الانتقال إلى صفة مدرسة معتمدة أو «بعثة»، تتضاعف رسوم التمدرس، فترتفع مثلا من 2.500 إلى 5.000 درهم شهريا.
ويعزو المدير ذلك إلى استبدال المدرسين المغاربة، الذين يتقاضون نحو 8.000 درهم، بمدرسين فرنسيين تستقدمهم المؤسسة بأجور تبدأ من 18.000 درهم شهريا.
ولا تتوقف المدرسة الخاصة عند رسوم الدراسة الأساسية. فالخدمات الملحقة، التي غالبا ما تسندها المؤسسات إلى متعهدين خارجيين، تمثل الضريبة غير المرئية الحقيقية للتمدرس.
لنأخذ النقل المدرسي مثالا. ففي مدرسة بمنطقة ليساسفة في الدار البيضاء، تبلغ كلفة حافلة المدرسة 650 درهما شهريا. ويشتكي الآباء لأن مدارس مجاورة تقدم الخدمة نفسها مقابل 300 درهم. غير أن السلامة، بحسب المدير، لها كلفة لا يمكن ضغطها.
ويقول: «في مدرستنا، تبلغ كلفة النقل 650 درهما. وفي المدارس المحيطة 300 درهم. لكننا نصر على أن تنقل حافلاتنا ذات 28 مقعدا 28 تلميذا فقط، لا 60 كما يفعل البعض».
وينطبق الأمر نفسه على المطعم المدرسي. فتقديم وجبة ساخنة ومتوازنة تستجيب لشروط النظافة يوميا يتطلب أداء أجور طاقم المطبخ والمراقبة، مع ترك هامش للمتعاقد. ويؤكد المدير: «وجبة متوازنة ومتنوعة وساخنة، طوال أيام الأسبوع، لا يمكن أن تكلف 15 درهما. وإلا فإن صحة الطفل ستكون في خطر».
كما أن واقع القطاع لا يرحم الميزانيات المحدودة. فأي مدرسة ابتدائية خاصة تقل رسومها عن 1.500 درهم شهريا تجد نفسها مضطرة إلى التقليص في كل شيء، ما يعني، بحسب المدير، تشغيل مدرسين غير مكونين بأجور هزيلة لا تتجاوز 3.500 درهم.
ويخلص إلى القول: «بهذه الأسعار، يعتقد الآباء أنهم يوفرون بديلا عن المدرسة العمومية، لكنهم في الواقع يستثمرون في نظام تعليمي متدن جدا».
أما نصيحته للآباء الذين أنهكتهم التكاليف فهي: «إذا لم تكن لديكم الإمكانيات، فسجلوا أبناءكم في التعليم العمومي. وبدل ما ستنفقونه على مدرسة خاصة ضعيفة الجودة، وجهوه إلى دروس اللغات أو الرياضة أو الفنون».
تمرد المكتبيين في مواجهة الإصلاحات الحكومية
ولإضافة تعقيد جديد، يأتي الدخول المدرسي لسنة 2026 على وقع تمرد المكتبيين المستقلين. ففي اجتماع طارئ يوم 14 غشت 2026، أعلن تحالف المكتبيين بالمغرب تعليق كل حوار من جانبه مع وزارة التربية الوطنية، مع الإبقاء على المقاطعة الصارمة لكتب «مدارس الريادة».
ويحتج المهنيون على ما يعتبرونه سوء نية من ثلاثة ناشرين، هم مطبعة المعارف، وسوشبريس، ومكتبة المدارس، بسبب رفضهم تطبيق هامش الربح القانوني المخصص للقطاع.
وتلوح في الأفق ندرة في الكتب الرسمية، بما يزيد معاناة الآباء الذين يقفون منذ أيام في الطوابير.
الاستهلاك بالدين من أجل الاستمرار
هذا هو السؤال المفضل لدى الاقتصاديين النظريين: كيف يمكن أن يواصل استهلاك الأسر ارتفاعه بنسبة 4,7٪ خلال الفصل الثاني من 2026، مع توقع بلوغ النمو 4,9% في الفصل الثالث، بينما يشتكي الجميع من ضيق الحال؟
الجواب موجود في سجلات المؤسسات المالية بالدار البيضاء. فالمغاربة لا يستهلكون بأموالهم وحدها، بل بأموال البنوك أيضا.
وقد أكد بنك المغرب أنه مع متم 2025، تجاوزت المديونية البنكية الإجمالية للأسر عتبة 456,3 مليار درهم، بارتفاع سنوي قدره 6,9٪.
ويظل موظفو الدولة أصحاب الحصة الأكبر من هذا العبء، إذ يمثلون 28٪ من زبناء شركات القروض الاستهلاكية، بمعدل مديونية متوسط قياسي يبلغ 40,7%. ويليهم الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنسبة 33٪ من حجم القروض.
ويحاول الجميع الحفاظ على توازن بناء مالي هش، يهدده الانهيار مع كل دخول مدرسي جديد.
حين تختل الآلة الحاسبة: الانفلات الكبير في القروض الاستهلاكية
إذا كنتم تبحثون عن الدليل الأوضح على أن الأسر المغربية تعيش اختناقا ماليا، فراقبوا معدل التعثر في سداد القروض الاستهلاكية، الذي بلغ مستوى مقلقا عند 13,9%. ولإدراك حجم الاختلال، يكفي أن هذا المعدل يفوق بنحو ست نقاط معدل التعثر في القروض العقارية، المستقر عند 8,3%.
وبلغة الواقع، يعني ذلك أن الأسر ما تزال تكافح بكل ما لديها لتسديد أقساط السكن حتى لا تجد نفسها في الشارع. أما عندما يتعلق الأمر بقرض صغير اقترضته على عجل لتمويل محفظة الطفل أو الخروف أو حتى ملء الثلاجة، فإن القدرة على السداد تنهار بسرعة.
فعندما تصبح نفقات المعيشة اليومية ممولة بأموال لا تملكها الأسرة أصلا، يأتي رد البنك بلا رحمة.
بنية مديونية الأسر (بنك المغرب):
- الحجم الإجمالي للمديونية: 456,3 مليار درهم (نهاية 2025)
- حصة قروض السكن: 62%
- حصة القروض الاستهلاكية: 38%
- نمو القروض الاستهلاكية: +7,9%، وهي المحرك الأساسي لنمو المديونية
وتكشف الدراسة المعمقة التي أنجزها البنك المركزي على عينة تمثيلية تضم 439.780 ملف قرض أن الوضع بلغ درجة عالية من الحساسية. صحيح أن متوسط معدل المديونية يستقر عند 34%، لكن هذا المتوسط يخفي وراءه أوضاعا فردية أكثر صعوبة.
فعمليًا، يتحمل 38% من المقترضين عبئا في السداد يتجاوز 40% من دخلهم الشهري. وعند التدقيق في أوضاع هذه الفئة الهشة ماليًا، تظهر مستويات أكثر حدة:
- 38% تتراوح نسبة مديونيتهم بين 40% و50% من دخلهم.
- 24% يخصصون ما بين 50% و60% من دخلهم الشهري لتسديد الأقساط.
- 15% تلتهم الأقساط ما بين 60% و70% من دخلهم.
- أما الفئة الأكثر هشاشة، وتمثل 23% من المقترضين، فتعيش اختناقًا ماليًا حقيقيًا، إذ تتجاوز المديونية 70% من مداخيلها.
فماذا يتبقى لهؤلاء بعد أداء أقساط البنوك لتغطية الغذاء والسكن والعلاج وفواتير الماء والكهرباء؟ لا يكاد يتبقى شيء. وهنا يصبح السحب على المكشوف وطلب رفع سقف البطاقة البنكية وسيلتين لتمويل نفقات الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، ارتفعت الديون المتعثرة بنسبة 6,6% لتبلغ 44,5 مليار درهم. أما معدل المخاطر في القروض الاستهلاكية، فاستقر عند 13,9%، أي أعلى بنحو ست نقاط من المعدل المسجل في القروض العقارية، البالغ 8,3%.
وهكذا، قد يتحول القرض السهل لشراء اللوازم المدرسية أو الأضحية إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة.
القرض الاستهلاكي الضخم
في المغرب، لا يتراجع إقبال الأسر على الاقتراض. فمع بلوغ الرصيد القائم للقروض الاستهلاكية 183,4 مليار درهم، واستمرار البنوك في تمويل قروض جديدة، يظل النشاط عند مستويات مرتفعة. لكن هذا التوسع في منح القروض، وتزايد عدد المقترضين، يواكبه تضخم في حجم الديون المتعثرة، التي تجاوزت اليوم العتبة الرمزية لـ100 مليار درهم.
وهذا الحجم غير المسبوق يجعل سوق الديون المغربية جذابة بشكل متزايد أمام الرساميل الأجنبية. والدليل أن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) والشركة الألمانية المتخصصة في تحصيل الديون EOS تتحالفان لتعبئة 60 مليون يورو بهدف شراء محافظ من هذه الديون.
لقد اتسع سوق القروض والديون المتعثرة إلى درجة دفعت مؤسسات وصناديق دولية كبرى إلى التموقع داخله.
سقوط الفئة B-
تضرب هذه الأزمة فئة محددة بشكل مباشر: الطبقة المتوسطة الدنيا، أو الفئة B- بحسب التصنيف المعتمد في النص. إنها أسر ليست فقيرة بما يكفي للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، وليست ميسورة بما يكفي لتعيش من دون خوف دائم من الغد.
تكاد هذه الأسر تختنق تحت وطأة التكاليف الثابتة، من الكراء والماء والكهرباء إلى اشتراكات الإنترنت الضرورية لتمدرس الأطفال والنقل وغيرها. وهي تعيش باستمرار على حافة التوازن. وبالنسبة إليها، يكفي أي طارئ، من حادث أو مرض غير مغطى إلى عطب في السيارة أو زيادة مفاجئة في رسوم المدرسة، لدفع الميزانية إلى الاختلال.
ويشرح بوعزة الخراطي: «من الصعب جدًا تحديد الطبقة المتوسطة في المغرب، لأن هذا التحديد يقوم على مداخيل الأسرة، والحال أن أصحاب الأجور والموظفين فقط يتوفرون على مداخيل شهرية ثابتة. وهذه الفئة تتدهور منذ مدة نحو فئة المحرومين. إنها الطبقة الوحيدة التي تؤدي الضرائب ولا تستفيد لا من المنظومة التعليمية ولا من المنظومة الصحية. إنها طبقة تتحمل العبء الثقيل للفئات المعوزة. وهذا الثقل يشدها إلى الأسفل، كما أن العمل المأجور، في القطاعين الخاص والعام، لم يعد مصعدًا اجتماعيًا منذ زمن طويل».
استراتيجيات البقاء
أمام هذا الضيق المعمم، فعّلت الحكومة إحدى أدواتها للدعم الاجتماعي: المساعدة الاجتماعية المباشرة، التي يؤطرها القانون رقم 58-23. ويستهدف البرنامج تقديم دعم مالي لـ60% من الأسر المغربية الأكثر هشاشة، أي نحو 4 ملايين أسرة غير مشمولة بأنظمة الحماية الاجتماعية التقليدية.
وتحدد مبالغ الدعم خلال سنة 2026 على النحو الآتي:
- الحد الأدنى المضمون: 500 درهم شهريًا لكل أسرة، مهما كان حجمها.
- الحد الأقصى: 1.200 درهم شهريًا، بحسب عدد أفراد الأسرة.
أما بالنسبة إلى الأطفال، فقد ارتفع الدعم في 2026 إلى 300 درهم شهريًا للطفل الذي يقل عمره عن خمس سنوات أو يواصل دراسته إلى غاية سن 21 عامًا، مقابل 250 درهمًا في 2025. ويحصل الطفل غير المتمدرس على 200 درهم، فيما يستفيد اليتيم المتمدرس من 400 درهم.
سلم المساعدة الاجتماعية المباشرة حسب كل طفل (بالدرهم):
- طفل متمدرس من 0 إلى 21 سنة: 300 درهم، مقابل 250 درهما في 2025.
- طفل غير متمدرس من 6 إلى 21 سنة: 200 درهم، مقابل 175 درهما في 2025.
- طفل يتيم الأب: 400 درهم، مقابل 375 درهما في 2025.
- طفل في وضعية إعاقة: 400 درهم، مقابل 350 درهما في 2025.
- ابتداءً من الطفل الرابع المتمدرس: 36 درهما.
غير أن الحصول على هذا الدعم، ثم الحفاظ عليه، يشبه أحيانا اجتياز مسار إداري وتقني معقد. فكل شيء يمر عبر بوابة asd.ma، المتاحة بالدارجة ومرفقة بشروحات تهدف إلى الحد من الاعتماد على الوسطاء. لكن معايير الأهلية صارمة.
إذ يتعين على المرشح أولا التسجيل في السجل الوطني للسكان للحصول على المعرف الرقمي المدني والاجتماعي، ثم التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد للحصول على «النقطة» السوسيو-اقتصادية. وللاستفادة من الدعم، يجب أن يظل هذا التنقيط دون عتبة 9,74.
وتكمن المشكلة في أن النظام يعيد احتساب هذه النقطة باستمرار اعتمادا على خوارزميات حكومية تربط بيانات المستفيد بنحو ثلاثين هيئة. فإذا ارتفعت فاتورة الكهرباء قليلا بسبب الحر، يرصد النظام ذلك. وإذا أعدتم تعبئة رصيد الهاتف ببضعة دراهم إضافية، تنتقل المعلومة عبر شركة الاتصالات. وإذا اشتريتم دراجة نارية قديمة مصرحا بها لدى الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، أو ورثتم قطعة أرض فلاحية صغيرة، تدخل هذه المعطيات بدورها في عملية التقييم.
وهكذا، قد تتجاوز الأسرة عتبة 9,74 من دون أن تدرك بالضرورة سبب ذلك، فتتوقف عنها المساعدة الشهرية.
وهناك عائق إداري آخر قد يحرم بعض الأسر من الاستفادة، ويتمثل في الربط البيني بين ملفات المساعدة الاجتماعية المباشرة وملفات التأمين الإجباري عن المرض. فإذا كان الشخص منخرطا في AMO Achamil وعليه مساهمة غير مؤداة، يوقف النظام تلقائيا صرف المساعدة الاجتماعية المباشرة.
ولاستئناف صرفها، يتعين عليه تسوية وضعيته لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ثم انتظار معالجة الملف إداريا. يضاف إلى ذلك إلزام الأسر بتحميل شواهد تمدرس الأطفال في كل شهر شتنبر، تحت طائلة تعليق الدعم.
حين يصبح التدبير الذاتي أسلوب عيش
أمام كل ذلك، اضطرت الأسر المغربية إلى تطوير قدر كبير من الحيل المنزلية حتى لا تنزلق أكثر.
يبدأ خط الدفاع الأول من المطبخ. فهدر الطعام أصبح يلاحق كما لو كان جريمة في حق الميزانية. وتعيد الأسر استخدام بقايا الوجبات بقدر كبير من الابتكار، وتخطط للقوائم الأسبوعية انطلاقا من مكونات أساسية منخفضة الكلفة، فيما تتجنب المتاجر الكبرى المكيفة لصالح أسواق الجملة والأسواق المحلية، حيث تظل الأسعار أكثر قابلية للتفاوض.
أما المواد غير القابلة للتلف، مثل القطاني والزيت والدقيق، فتدفع بعض الجيران إلى تنظيم مجموعات شراء تتفاوض مباشرة مع الموزعين على أسعار الجملة، قبل تقاسم كلفة النقل في شكل من أشكال تضامن البقاء.
وفي غرف الجلوس، تبدأ مطاردة كل مصباح ظل مشتعلا. تفصل الأسر الأجهزة الموضوعة في وضع الاستعداد كل مساء، ولا تشغل آلات الغسيل إلا بعد امتلائها، فيما تحولت أجهزة التكييف إلى رفاهية لا تستخدم إلا خلال موجات الحر القصوى. وفي بقية الأوقات، تعود الحلول التقليدية: فتح النوافذ أو إغلاقها، وتحريك الستائر بحسب ساعات اليوم.
لكن التحفة الحقيقية في المالية الشعبية المغربية تظل نظام الادخار الجماعي المعروف بـ«دارت». فهذا التقليد القائم على الثقة ومن دون فوائد بنكية يشهد عودة قوية في 2026.
وتقوم فكرته على اتفاق مجموعة من الجيران أو زملاء العمل أو أفراد العائلة على المساهمة شهريا بمبلغ ثابت، مثل 200 أو 500 درهم، في صندوق مشترك يحصل عليه أحد المشاركين كاملا بالتناوب. ويفرض هذا الالتزام الجماعي نوعا من الانضباط المالي، كما يتيح للمشاركين الوصول إلى مبلغ مهم من دون المرور عبر شركات القروض الاستهلاكية.
وفي هذه الحرب اليومية ضد الغلاء، دخلت الهواتف الذكية هي الأخرى على الخط. فقد برز داخل بعض أسر الطبقة المتوسطة توجه نحو استخدام تطبيقات مدفوعة مثل I am Beezy.
والفكرة بسيطة: خلال أوقات الانتظار في وسائل النقل، أو استراحة الغداء، أو السهرات أمام التلفزيون، يخصص بعض أفراد الأسرة جزءا من وقتهم لمشاهدة الإعلانات أو إنجاز مهام صغيرة مدفوعة عبر هواتفهم.
ومن خلال جمع العائدات المحققة عبر عدة هواتف داخل المنزل نفسه، تتمكن بعض الأسر من إضافة بضع مئات من الدراهم كل شهر. وقد يبدو المبلغ محدودا على مستوى الاقتصاد العام، لكنه قد يكفي لأداء فاتورة كهرباء متأخرة، أو شراء رزمة دفاتر، أو تمويل التأمين المدرسي الإجباري للطفل.
لقد تعلمت الأسر المغربية العيش تحت ضغط مالي دائم، وصارت أكثر خبرة في السير على حافة التوازن، والتوفيق بين قروض ونفقات متعددة فقط من أجل تمويل الحياة اليومية.