يسلط التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025، المرفوع إلى الملك محمد السادس، الضوء على استمرار عدد من الاختلالات البنيوية التي تؤثر في العلاقة بين الإدارة العمومية والمواطنين. ويشير التقرير خصوصاً إلى ضعف التواصل الإداري، وغياب الرد على مراسلات المرتفقين، واستمرار تعقيد المساطر، وهي عوامل تغذي ارتفاع عدد التظلمات وتحد من فعالية الإصلاحات الرامية إلى تحديث المرفق العمومي.
وأوضحت المؤسسة أن هدف هذا التتبع لا يقتصر فقط على رصد أوجه القصور المسجلة داخل الإدارات، بل يشمل أيضاً تقييم أثر السياسات العمومية على المواطنين، وتحديد مكامن التعثر، وصياغة توصيات تروم تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة.
وبحسب التقرير، فإن عدداً من الاختلالات المسجلة خلال السنوات الماضية لم تعد حالات معزولة، بل تعكس ممارسات متكررة تكشف عن مواطن ضعف في التدبير الإداري. ويورد وسيط المملكة من بين هذه الاختلالات سوء تأويل بعض المقتضيات القانونية، وضعف التنسيق بين الإدارات، وتعقيد المساطر، إلى جانب بعض القرارات الإدارية التي اعتُبرت غير مؤسسة بشكل كاف على مبادئ الشرعية والإنصاف.
وتهم هذه الصعوبات عدة قطاعات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر. ويذكر التقرير على وجه الخصوص البرامج الاجتماعية والحماية الاجتماعية، والتعمير والعقار، إلى جانب خدمات أساسية مثل الماء والكهرباء والتطهير والصحة والتعليم والنقل. وترى المؤسسة أن هذه الاختلالات تؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات العمومية وتساهم في إضعاف ثقة المرتفقين في الإدارة.
اقرأ أيضاً: وسيط المملكة ينضم إلى البوابة الوطنية للولوج إلى المعلومات
ضعف التواصل مصدر دائم للتظلمات
من بين أبرز نقاط الضعف التي رصدها التقرير، يبرز استمرار ضعف التواصل الإداري. فما تزال عدة إدارات تجد صعوبة في مواكبة برامجها وسياساتها العمومية بآليات إخبار واضحة ومتاحة بما يكفي.
وغالباً ما تترك هذه الوضعية المواطنين في حالة من الغموض بشأن شروط الولوج إلى بعض الخدمات، والوثائق المطلوبة، وكذلك آجال معالجة الملفات. وبالنسبة إلى مؤسسة وسيط المملكة، فإن تحسين نشر المعلومة كان من شأنه أن يجنب جزءاً مهماً من التظلمات المسجلة.
وتعتبر المؤسسة أن غياب التواصل الاستباقي يساهم في خلق حالات من سوء الفهم بين الإدارات والمرتفقين. كما أن غياب الوضوح بشأن المساطر والالتزامات الإدارية يدفع عدداً كبيراً من المواطنين إلى اللجوء إلى وسيط المملكة من أجل الحصول على توضيحات أو حلول بشأن مساطرهم المتعثرة.
وسجل التقرير أيضاً استمرار التأخر، بل وحتى غياب الرد، من طرف بعض الإدارات على المراسلات الموجهة إليها من المؤسسة. ورغم الطابع الإلزامي لهذا التعاون، فإن بعض المرافق العمومية تتأخر في تقديم المعلومات المطلوبة أو لا ترد بشكل دقيق بما يكفي.
ويرى وسيط المملكة أن هذه الممارسات تمس بحق المواطنين في الحصول على جواب داخل آجال معقولة، كما تقلص من فعالية الوساطة المؤسساتية. وهي تسهم كذلك في تعزيز شعور بعدم اليقين القانوني لدى المرتفقين الذين يواجهون ملفات من دون مآل واضح.
مساطر لا تزال معقدة رغم الرقمنة
ويشير التقرير أيضاً إلى استمرار ممارسات إدارية ما تزال تعقد ولوج المواطنين إلى الخدمات العمومية. وتورد المؤسسة، على سبيل المثال، طلب وثائق لا يستند أساسها القانوني دائماً إلى مرجعية واضحة، أو إلزام المرتفقين بتقديم الوثائق نفسها عدة مرات لدى إدارات مختلفة.
وترتبط هذه الوضعيات أساساً بضعف التنسيق ومحدودية الترابط بين قواعد المعطيات الإدارية. وهي تؤدي إلى إطالة آجال معالجة الملفات وتفرض على المواطنين إجراءات إضافية كان يمكن تفاديها عبر تحسين تبادل المعلومات بين المرافق العمومية.
وإذا كان التقرير يقر بالتقدم المحرز في ورش رقمنة الإدارة، فإنه يعتبر مع ذلك أن التحول الرقمي لم يواكبه دائماً تبسيط حقيقي للمساطر.
وبحسب المؤسسة، اكتفت بعض الإدارات بنقل المساطر القائمة إلى منصات رقمية من دون القيام بمراجعة عميقة للعمليات. ففي عدد من الحالات، ما يزال المواطنون ملزمين بتقديم وثائق ورقية أو التنقل إلى المصالح المعنية رغم وجود آليات إلكترونية.
كما سجل التقرير وجود فجوة بين المعلومات المتاحة على بعض المنصات الرقمية والمتطلبات التي تفرضها الإدارات فعلياً عند معالجة الملفات. وهي وضعية تحد من فعالية الرقمنة وتبقي على شكل من أشكال التعقيد الإداري بصيغة جديدة.
اقرأ أيضاً: من هو حسن طارق، وسيط المملكة الجديد؟
نحو إدارة أكثر تمحوراً حول المرتفق
أمام هذه الخلاصات، يدعو وسيط المملكة إلى اعتماد مقاربة شاملة لتبسيط الإدارة ترتكز على عدة آليات، تشمل مراجعة النصوص التنظيمية، وتوحيد المساطر، وتعزيز تبادل المعطيات بين الإدارات، واعتماد ثقافة إدارية أكثر توجهاً نحو حاجيات المواطنين.
كما تشدد المؤسسة على ضرورة وضع المرتفق في صلب المرفق العمومي، من خلال تحسين الاستقبال، وضمان الولوج إلى المعلومة، وفرض التزام فعلي بالرد على طلبات المواطنين ومراسلاتهم.
ويأتي هذا التقرير في وقت يواصل فيه المغرب عدة أوراش إصلاحية تروم تحديث الإدارة العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. غير أن خلاصاته تظهر أن التحديات ما تزال كبيرة من أجل الانتقال من منطق إصلاح يغلب عليه الطابع التقني إلى تحول أعمق في مناهج العمل والثقافة الإدارية.