المغرب وسوريا: ما وراء استئناف العلاقات بعد قطيعة دامت 14 عاما؟

المغرب وسوريا: ما وراء استئناف العلاقات بعد قطيعة دامت 14 عاما؟

بعد 14 عاما من القطيعة، أعادت الرباط ودمشق فتح قنواتهما الدبلوماسية في تقارب تحكمه حسابات الصحراء المغربية، الأمن الإقليمي وآفاق الشراكة الاقتصادية.

الرباط، 14 ماي 2026. من كان يتوقع حدوث ذلك قبل ثلاث سنوات فقط؟ في هذه الصور، يرفع وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني علم الجمهورية العربية السورية فوق مبنى سفارة بلاده في الرباط. وإلى جانبه، يتابع ناصر بوريطة المشهد بهدوء من يدرك أنه حقق مكسبا دبلوماسيا مهما.

دامت القطيعة بين البلدين 14 عاما، قبل أن يقررا أخيرا استئناف العلاقات. ففي عام 2012، طردت الرباط السفير السوري، وسط توتر حاد، منددة بالقمع الذي مارسه نظام بشار الأسد.

تغير الوضع اليوم كليا. فقد سقط الأسد في دجنبر 2024، وطويت معه مرحلة طبعها القمع والفوضى، فيما تحاول السلطة الانتقالية الجديدة، التي يقودها أحمد الشرع، إعادة ترتيب أوضاع بلد مدمر. وكان المغرب من أوائل من التقطوا هذا التحول.

لكن ما طبيعة هذا التفاهم؟ في مثل هذه المصالحات، لا تعود العلاقات بدافع الحنين وحده. فهناك حسابات سياسية دقيقة. والمملكة لا تكتفي بإعادة فتح الممثليات الدبلوماسية أو المصالح القنصلية، وإنما تعمل على تثبيت موقعها فاعلا إقليميا في المشرق. إنها لعبة توازنات واسعة النطاق.

أول ملف مطروح هو الصحراء المغربية. وبالنسبة إلى المغرب، يظل هذا الملف محددا رئيسيا في علاقاته الدولية. وفي هذا الجانب، يبدو المكسب واضحا. فدمشق، التي كانت طوال 14 عاما إحدى القلاع الإيديولوجية للكيان الانفصالي الوهمي، تخلت عن هذا التوجه. وتم إغلاق مكاتب الانفصاليين، وجرى التخلي عن الأطروحات الانفصالية. كما تعترف سوريا الجديدة بسيادة المغرب، وتدعم قرار مجلس الأمن 2797، وتساند بشكل كامل الوحدة الترابية للمملكة. وهو تحول يضعف أحد آخر الامتدادات التاريخية للجزائر في المشرق.

Syrie : soutien à l’intégrité territoriale du Maroc et à la résolution 2797

لكن الأمر لا يقتصر على الجانب الرمزي، فللمغرب أيضا مصالح اقتصادية وأمنية. وتوقيع ناصر بوريطة ونظيره السوري على خريطة طريق تنص على إحداث مجلس أعمال ثنائي، لا يمثل إجراء شكليا. فسوريا تشكل ورشا مفتوحا لإعادة الإعمار. فالطرق والجسور والمستشفيات وشبكات الكهرباء كلها تحتاج إلى إعادة البناء. ويعتزم المغرب إشراك شركاته الرائدة في قطاعات البناء والصناعات الغذائية والأدوية في هذه العملية، كما سيواكب جهود إعادة إعمار هذا البلد.

وعلى المستوى الأمني، لا يقل هذا الخيار جرأة. فالمشرق لا يزال منطقة مضطربة، تنشط فيها خلايا تنظيم داعش وشبكات متطرفة عابرة للحدود. ومن خلال إعادة فتح قنوات التواصل مع دمشق، يؤمن المغرب لنفسه مصادر إضافية للرصد في منطقة شديدة الحساسية.

وسيكون بإمكانه تتبع تحركات المقاتلين، واستباق عودة الجهاديين إلى البلدان المغاربية، والأهم من ذلك الحد من النفوذ الإيراني. فإعادة سوريا إلى الفضاء العربي المعتدل تندرج ضمن مسعى يهدف إلى إضعاف ما يعرف بمحور المقاومة الموالي لطهران. ويحظى هذا التموضع بترحيب شركاء الخليج، لكنه يتطلب حذرا كبيرا في التعامل مع قوى غربية لا تزال مترددة في الانخراط مع سلطة خرجت من أوساط كانت إلى وقت قريب غير مقبولة سياسيا.

ومع ذلك، يبدو أن المغرب يتحرك وفق رؤيته المعتادة. فهو يستند إلى ذاكرة دبلوماسية تتيح له عدم رهن أجندته بالتقلبات الظرفية. ومن خلال مواكبة الانتقال السوري، يؤكد الملك محمد السادس أيضا حضوره السياسي والروحي، وهو ما نوهت به دمشق من خلال الإشادة بدوره على رأس لجنة القدس.

لكن الصورة لا تخلو من المخاطر. فالسلطة السورية الجديدة ما زالت تعاني من غياب مؤسسات ديمقراطية راسخة، ومن العمل بدستور مؤقت، ومن مسار للعدالة الانتقالية يثير تحفظات لدى منظمات دولية. كما يطرح هذا التقارب سؤالا يتعلق بالصورة، في وقت لا يزال فيه ملايين اللاجئين ينتظرون ضمانات أمنية تتيح لهم العودة إلى بلادهم. يتحرك المغرب بحذر، لكنه يدرك طبيعة هذا المسار.

تفاهم دمشق

العنوان الأبرز في هذه المرحلة الجديدة هو مجلس الأعمال الثنائي. وكما يرى المحلل السياسي إدريس العيساوي، لم يعد الأمر مرتبطا بالعاطفة، وإنما بدبلوماسية أعمال فعلية. فالرهان هو تحويل التقارب السياسي إلى مكاسب ملموسة  للمملكة. وبالنسبة إلى سوريا ما بعد الأسد، يمثل ذلك متنفسا دبلوماسيا، فيما يشكل بالنسبة إلى المغرب فرصة جيوسياسية جديدة.

البناء والفلاحة والدواء: المغرب يواكب إعادة بناء بلد مدمر

تعد سوريا عام 2026 عبارة عن ورش واسع ينتظر من يعيد إليه الحياة. ومن هذا المنطلق، يراهن المغرب، بخبرته المتراكمة في إفريقيا، على الاضطلاع بدور أساسي خلال هذه المرحلة.

فقد تعرضت البنيات التحتية السورية لدمار واسع خلال سنوات النزاع. وتستهدف الشركات المغربية العاملة في قطاع البناء أوراش إعادة الإعمار الكبرى، من الطرق والجسور إلى المجمعات السكنية. وهو سوق ضخم يمكن للخبرة المغربية أن تجد فيه موطئ قدم، في ظل تردد بعض المنافسين الإقليميين.

وينص التفاهم أيضا على إعادة تفعيل أطر التبادل لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير. كما يمتد التعاون إلى مجالي التكنولوجيا والتعليم، إذ تقترح الرباط تحيين الاتفاقيات لتشمل تبادل الخبرات التقنية والأكاديمية.

وبحسب الشرقاوي الروداني، فإن استعادة العلاقات لا تقتصر على البعد الإداري، وإنما تعكس قراءة استراتيجية لشرق أوسط يشهد تحولات عميقة. ويؤكد أن المملكة تتحرك بثبات، مستندة إلى ذاكرة دبلوماسية راسخة.

«يجب التذكير بأنه في ذروة الأزمة السورية والفوضى التي تسبب فيها النظام السابق، كان المغرب قد اضطلع بالفعل بدور منصة للحوار، عندما استضاف في مراكش، إلى جانب الولايات المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين، لقاء جمع القوى الحية في المعارضة السورية. وحتى في ذلك الوقت، كانت الرباط أقل ميلا إلى منطق المواجهة، وأكثر حرصا على الحفاظ على شروط التوصل إلى حل سياسي وتحقيق استقرار مستقبلي».

لذلك، لا يمثل هذا التحول انعطافة كاملة، وإنما يعكس مقاربة واقعية واستراتيجية ترفض تحول مناطق التفكك إلى واقع دائم. وباختصار، يفضل المغرب سوريا مستقرة وشريكة على استمرار الفراغ الأمني. وهذه هي دبلوماسية التوازن: الانفتاح على دمشق من دون التخلي عن التحالفات القائمة مع دول الخليج أو الغرب.

الصحراء المغربية: نهاية أحد معاقل الطرح الانفصالي في المشرق

في هذا السياق، يقتضي القول إن ملف الصحراء المغربية يمثل بوصلة التحالفات الخارجية للمملكة. وهنا يبدو المكسب لافتا. فعلى مدى عقود، شكلت دمشق إحدى القلاع الإيديولوجية للأطروحات الانفصالية في المشرق. وخلال الحقبة البعثية، ذات الخلفية القومية الاشتراكية، ولا سيما في عهد حافظ الأسد، كان الكيان الانفصالي الوهمي يحظى بحضور علني في سوريا.

انتهى كل  ذلك اليوم. فمن خلال جعل تصفية الوجود الانفصالي شرطا أساسيا لإعادة فتح سفارتها، حصل المغرب على ما كان يريده: «مكسب دبلوماسي ذو قيمة استراتيجية عالية»، على حد تعبير إدريس العيساوي. فقد أغلقت مكاتب البوليساريو في دمشق، وطويت ملفاتها. ومن خلال دعمها الصريح لقرار مجلس الأمن 2797 واعترافها بسيادة المغرب، تكون سوريا الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، قد أنهت اصطفافا تاريخيا معاديا للمملكة. وهذا التحول، بحسب العيساوي، يفاقم عزلة محور الجزائر والبوليساريو، الذي يفقد أحد آخر مرتكزاته في المنطقة.

إعادة التموضع الإقليمي: إبعاد دمشق عن محور طهران

لكن المشهد يتجاوز هذا الملف ليصل إلى طهران. فحتى عام 2024، كانت سوريا تمثل حلقة مركزية فيما كان يعرف بـ«محور المقاومة»، وهو التحالف الإقليمي الموالي لإيران الذي أسهم في زعزعة استقرار المنطقة. ومن خلال مواكبة عودة سوريا إلى محيطها العربي المعتدل، يساهم المغرب في تحول جيوسياسي بالغ الأهمية.

وبالنسبة إلى الشرقاوي الروداني، لا يتعلق الأمر بإجراء إداري بسيط، وإنما بـ«قراءة استراتيجية» لشرق أوسط يعاد تشكيله. فالمغرب لا يساير التحولات فقط، وإنما يعمل على استباقها. ومن خلال إعادة دمشق إلى محيطها العربي، تحد الرباط من النفوذ الإيراني في المشرق، وتقلص، بصورة غير مباشرة، محاولات طهران التمدد نحو المغرب العربي.

ولا تتحرك الرباط بمنطق « الاصطفاف الجامد ». ويوضح الشرقاوي الروداني أن «المملكة تحتفظ بعلاقات قوية مع شركائها في الخليج، ومع شركائها الغربيين، وكذلك مع عدد من الفاعلين الأفارقة والمتوسطيين، مع تأكيد استقلالية دبلوماسية مضبوطة. ومن هذا المنظور، تتيح القضية السورية أيضا للمغرب إعادة تأكيد دوره قوة وساطة ذات مصداقية في الفضاء العربي».

القدس ورصيد الشرعية الدينية والدبلوماسية

في هذا المشهد المعقد، يبرز بعد غالبا ما يجري إغفاله، رغم أهميته في العالم العربي، ويتعلق بالشرعية الدينية والتاريخية. ففي سياق إعادة بناء صورتها الدولية، أحسنت سوريا التقدير عندما نوهت رسميا بمبادرات الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس.

ومن خلال الاعتراف بدور العاهل المغربي في خدمة قضية القدس، تمنح دمشق مشروعية إضافية للقيادة الروحية والدبلوماسية للمغرب. ويوفر ذلك للرباط رصيدا معنويا مهما يساعدها على بناء التوافقات داخل جامعة الدول العربية. وبالنسبة إلى سوريا، يمثل هذا الموقف دعما لصورتها الجديدة، فيما يؤكد بالنسبة إلى المغرب أن تأثيره يتجاوز حدوده الجغرافية ليصل إلى عمق المجال العربي.

السلطة السورية الجديدة واختبار الشرعية

ويتعلق أول التحفظات، وأكثرها أهمية، بطبيعة النظام السوري الجديد نفسه. ففي واشنطن وبروكسيل، لا ينظر إلى الرئيس أحمد الشرع بالطريقة نفسها التي ينظر بها إليه في الرباط. فبالنسبة إلى عدد من العواصم الغربية، تمثل السلطة الجديدة امتدادا لجماعات كانت مصنفة سابقا تنظيمات إرهابية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام. ومن خلال اضطلاعه بدور داعم لهذا الانتقال، قد يتعرض المغرب لانتقادات تعتبر أنه يمنح الشرعية لـ«واجهة براغماتية» قد تخفي أجندة أخرى.

وكما يشير الشرقاوي الروداني بحذر، فإن هذا التموضع يتطلب «قدرا كبيرا من الدقة الدبلوماسية». فالمطلوب هو تجنب التسرع، خصوصا أن احتمال إثارة سوء فهم لدى شركاء دوليين ما زالوا مترددين يظل قائما. لذلك، يتعين على الرباط أن تبرهن على أن الحوار مع دمشق لا يعني منح السلطة الجديدة صكا على بياض إزاء أي انحرافات محتملة.

ثم هناك واقع الميدان. فالترويج لصورة سوريا الجاهزة لإعادة الإعمار يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فالفراغ الأمني الذي خلفه سقوط الأسد، إلى جانب الانسحاب الجزئي للقوات الأجنبية، وفر بيئة مواتية لنشاط خلايا تنظيم داعش النائمة. ويتمثل الخطر بالنسبة إلى الرباط في الارتباط بدولة قد تنزلق مجددا إلى الفوضى عند أول اهتزاز.

كما تبرز أيضا قضية الأقليات. فالدروز والعلويون والأكراد يشعرون اليوم بأنهم خارج المعادلة الجديدة للسلطة، ما يغذي احتمال اندلاع جولة جديدة من الصراع المسلح. وإذا اختارت دمشق القمع بدلا من الحوار الوطني، فقد يجد المغرب نفسه في وضع غير مريح، بوصفه شريكا لسلطة تكرر أخطاء الماضي.

وهناك أيضا سؤال حساس: هل يمكن الحديث فعلا عن «تطبيع» للعلاقات، في وقت لا يزال فيه ملايين السوريين يعيشون في المخيمات ويخشون العودة إلى بلادهم؟ ويشير إدريس العيساوي بدوره إلى تحديات هذا الانتقال. وعلى المغرب أن يحرص على ألا يفهم دعمه المؤسساتي بوصفه مجرد غطاء سياسي لواقع إنساني لا يزال مأساويا. وهنا تبرز أهمية اللجنة القنصلية المشتركة، من خلال ترجمة الالتزامات إلى إجراءات عملية تشمل تسوية الأوضاع وتسهيل العودة.

وأخيرا، تبرز مسألة التحالفات. فقد جعل المغرب من سوريا ورقة جديدة في سياق عزل الجزائر، وهو توجه يحقق نتائج. لكن السؤال يتعلق بالكلفة المحتملة. فالتعاون العلني مع دمشق، في وقت تخوض فيه السلطة الجديدة عمليات ضد قوات سوريا الديمقراطية، قد يثير توترا مع شركاء غربيين يولون اهتماما كبيرا للقضية الكردية.

ورغم ذلك، تظهر هنا تحديدا خصوصية الدبلوماسية المغربية. وكما يوضح الشرقاوي الروداني، لا تتحرك الرباط بمنطق « الاصطفاف الجامد ». فهي تتحاور مع مختلف الأطراف، وترفض أن تحاصر داخل أي معسكر. وتؤكد المملكة بذلك «استقلالية دبلوماسية مضبوطة»، قادرة على الدفاع عن الاستقرار من دون تبني منطق القطيعة.

وخلاصة الأمر أن المغرب يراهن على المستقبل، مع احتفاظه بهامش ضروري من الحذر.

لوبريف: كيف يندرج استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسوريا ضمن السياق الجيوسياسي الجديد في الشرق الأوسط بعد عام 2024؟

إدريسالعيساوي:يندرج استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسوريا مباشرة ضمن عملية إعادة التشكيل الجيوسياسي الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، عقب سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، ووصول السلطات الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

ويستجيب هذا التطبيع، الذي تجسد في إعادة فتح السفارة المغربية في دمشق في يونيو 2025، والاستئناف الرسمي لعمل السفارة السورية في الرباط يوم 14 ماي 2026، لأربع ديناميات استراتيجية أساسية.

وتتمثل الدينامية الأولى في إدماج سوريا ما بعد الأسد ضمن الكتلة العربية المعتدلة، بما يعني أساسا القطع الواضح مع المحور الإيراني.

فالتحول السياسي في سوريا أنهى ارتباطها السابق بـما يطلق عليه «محور المقاومة» الموالي لإيران. واستفادت الرباط من هذا التحول لمواكبة عودة سوريا الجديدة إلى محيط الدول العربية السنية والمعتدلة. ومن خلال مواكبة هذا الانتقال، يتموقع المغرب بوصفه داعما للاستقرار الإقليمي، كما يقدم دعما مؤسساتيا لإدماج السلطات الجديدة في دمشق داخل جامعة الدول العربية.

وتتمثل الدينامية الثانية في تعزيز الموقف المغربي بشأن الصحراء المغربية، من خلال مسار خاص يكرس عزل الطرح الانفصالي. ويأتي ذلك انسجاما مع المبادئ التي تعتمدها وزارة الشؤون الخارجية المغربية، والتي تجعل أي انخراط دبلوماسي جديد مشروطا باحترام الوحدة الترابية للمملكة.

كما يتعلق الأمر بدعم صريح من دمشق. فمن خلال قراءة البلاغ المشترك الصادر في ماي 2026، يتضح أن سوريا اعترفت رسميا بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، ودعمت قرار مجلس الأمن 2797، وأقرت الإغلاق النهائي لمكتب البوليساريو في دمشق. ونحن هنا أمام مرحلة جديدة من إعادة توازن القوى في مواجهة المنافس الجزائري.

ويمكن تفسير هذه الهجمة الدبلوماسية المضادة بكون النظام السوري السابق كان يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الجزائر. ومن خلال بناء علاقات سريعة مع السلطة السورية الجديدة، يحرم المغرب الجزائر من امتداد تاريخي في المشرق.

وتعني هذه العناصر أيضا تحقيق مكاسب على مستوى النفوذ، إذ يبرز هذا التحول الدبلوماسي مرونة استراتيجية الرباط، في مقابل المواقف الجامدة لجارتها المغاربية.

كما ينبغي قراءة تعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية بين الرباط ودمشق من زاوية مختلفة.

فقد فعّل البلدان اليوم دبلوماسية الأعمال، ووقع الوزيران ناصر بوريطة وأسعد حسن الشيباني خريطة طريق تنص على إحداث مجلس أعمال ثنائي. ويتمثل الهدف في إشراك الشركات المغربية في أوراش إعادة الإعمار الكبرى في سوريا.

أما البعد الأمني لهذا المسار، فيتمثل في توجيه التعاون نحو تعزيز استقرار المشرق في مواجهة التهديدات الإرهابية المتبقية، إلى جانب تأمين الضفة المتوسطية.

لوبريف: بأي معنى يشكل إغلاق مكتب الكيان الانفصالي الوهمي في دمشق مكسبا دبلوماسيا استراتيجيا للرباط في ملف الصحراء المغربية؟

إدريسالعيساوي:نحن في الواقع أمام قطيعة مع اصطفاف تاريخي معاد للمغرب.

والحقيقة أن الأمر يتعلق بنهاية قلعة إيديولوجية استمرت مدة طويلة. فعلينا أن نعلم أن خصوم المغرب استفادوا، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، من حضور قوي في دمشق، وكان هذا المكتب يجسد التحالف التاريخي لسوريا مع الأطروحات الانفصالية، استنادا إلى الخلفية القومية العربية الاشتراكية التي ميزت عهد حافظ الأسد.

ومع هذه المبادرة، نشهد إعادة تشكيل للتحالفات. فهذا القرار يجسد قطيعة سوريا مع المحور التقليدي الموالي للبوليساريو، مقابل إعطاء الأولوية اليوم لاحترام الوحدة الترابية للمملكة. ونحن أمام تعميق لعزلة محور الجزائر والبوليساريو.

كما يمثل ذلك إضعافا حقيقيا للداعمين العرب للطرح الانفصالي. ففقدان هذا الامتداد التاريخي يحرم البوليساريو من أحد مرتكزاتها البنيوية النادرة في العالم العربي. وتجد الجزائر نفسها أكثر عزلة في إصرارها على رعاية الجبهة الانفصالية، بينما يتعزز الإجماع العربي الداعم لسيادة المغرب.

وقد جعل المغرب من تصفية الوجود الانفصالي في دمشق شرطا عمليا قبل الشروع في إعادة فتح سفارته في سوريا.

وتمثل هذه الخطوة من جانب دمشق ترجمة ملموسة لاصطفافها مع الشرعية الدولية التي تدافع عنها الرباط.

كما يضاف هذا الإجراء إلى سلسلة الانتكاسات التي راكمتها البوليساريو على المستويين الإفريقي والدولي، ويندرج ضمن استمرارية الدعم الذي عبرت عنه جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بما يعزل الكيان الانفصالي عن مجمل المشهد الشرق أوسطي.

لوبريف: بأي معنى يشكل إغلاق مكتب الكيان الانفصالي الوهمي في دمشق مكسبا دبلوماسيا استراتيجيا للرباط في ملف الصحراء المغربية؟

إدريسالعيساوي:يوفر التقارب الاستراتيجي بين المغرب وسوريا، الذي تجسد في إعادة فتح سفارتي البلدين، مكاسب جيوسياسية مهمة للمملكة، كما يعزز أمنها الوطني.

ويتعلق المكسب الأول بتعزيز الوحدة الترابية، إذ ترفض السلطات السورية الانتقالية الجديدة رسميا الطرح الانفصالي. وخلال البلاغ المشترك الصادر في ماي 2026، أكدت سوريا دعمها الكامل لسيادة المغرب على الصحراء المغربية، وساندت قرار مجلس الأمن 2797.

ويكرس هذا الانفراج الإغلاق النهائي لمكاتب البوليساريو في دمشق، ما يحرم التنظيم الانفصالي من أبرز مرتكزاته التاريخية في منطقة المشرق.

ومن خلال مواكبة إعادة إعمار سوريا وانتقالها السياسي، تعزز الرباط حضورها السياسي، وتكرس موقعها بوصفها وسيطا محوريا في مواجهة القوى الإقليمية المنافسة.

كما نوهت دمشق رسميا بمبادرات الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس، من أجل الحفاظ على المدينة المقدسة. ويعزز ذلك القيادة الروحية والدبلوماسية للمغرب في المنطقة.

ولا يزال المشرق منطقة تشهد نشاطا إرهابيا مكثفا. وتتيح إعادة فتح القنوات الأمنية تتبع المقاتلين المتطرفين، واستباق عودة الخلايا الجهادية إلى شمال إفريقيا.

كما توفر هذه الشراكة المباشرة للمغرب وسيلة لرصد تحركات فاعلين إقليميين منافسين، مثل إيران، والحد من محاولاتهم التموقع في المغرب العربي، سواء من خلال الميليشيات المسلحة أو نقل التقنيات العسكرية.

ويسهل هذا التقارب أيضا عملية اتخاذ القرار داخل جامعة الدول العربية، كما يتيح بناء توافقات قوية حول الأمن الجماعي واستقرار الدول العربية الخارجة من النزاعات.

لوبريف: ما المخاطر السياسية وتلك المرتبطة بالصورة التي يطرحها التطبيع مع سوريا، في سياق لا تزال فيه عدة قوى غربية تتعامل بحذر مع السلطة السورية الجديدة؟

إدريسالعيساوي:ينطوي التطبيع مع سوريا تحت قيادة أحمد الشرع على مخاطر سياسية كبيرة، إلى جانب مخاطر مرتبطة بالصورة. ورغم التخفيف الجزئي للعقوبات في بداية المرحلة الانتقالية، لا يزال عدد من القوى الغربية يبدي تحفظات شديدة بشأن طبيعة السلطة الجديدة وقدرتها على الاستمرار.

فالاعتراف بسلطة منبثقة عن جماعة كانت مصنفة سابقا تنظيما إرهابيا، وهي هيئة تحرير الشام، يخلق سابقة جيوسياسية يعتبرها البعض خطيرة. كما تقوم منظومة الحكم على دستور مؤقت شديد المركزية، وتعاني نقصا واضحا في المؤسسات الديمقراطية والرقابية. ويتيح استمرار الفراغ الأمني، إلى جانب الانسحاب الجزئي للقوات الأجنبية، مجالًا لنشاط الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش.

كما أن قمع المكونات الدرزية والعلوية والكردية أو إقصاءها يغذي خطر اندلاع انقسام مسلح جديد. ويؤدي العجز عن إطلاق حوار وطني حقيقي إلى استمرار نزاعات محلية كبرى. كما تهدد الضغوط والتدخلات العسكرية لقوى إقليمية، مثل إسرائيل وتركيا وإيران، متانة أي تحالف سياسي قابل للاستمرار.

وتواصل المنظمات الدولية انتقاد استبعاد الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المسلحة من نطاق المساءلة، مع حصر العدالة الانتقالية في الجرائم المرتكبة خلال عهد الأسد.

وتخشى عواصم غربية أن تتهم بمنح الشرعية لواجهة براغماتية قد تخفي أجندة إسلامية سلطوية. كما أن التعاون مع دمشق، في وقت تواصل فيه السلطة عملياتها ضد قوات سوريا الديمقراطية، قد يضعف التزامات الغرب تجاه الأكراد.

وفي المحصلة، قد يعني أي تقارب مع سلطة دمشق الترويج لتطبيع سياسي، في وقت لا يزال فيه انعدام الأمن العام يحول دون عودة ملايين اللاجئين بصورة كريمة وآمنة، وهو ما قد يلحق ضررا بالمصداقية الأخلاقية على المستوى الدولي.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية