وبهذا التعيين، تنتقل رئاسة الحكومة للمرة الأولى من دائرة القيادات السياسية الذكورية إلى فاعلة حزبية، في خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية بارزة، تعيد رسم صورة المرأة داخل هرم السلطة التنفيذية بالمغرب والعالم العربي.
ويأتي وصول المنصوري إلى هذا الموقع، بعد مسار سياسي طويل، شغلت خلاله عددا من المسؤوليات، من بينها تولي حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ورئاسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش.
خطوة رمزية تضع المرأة في قلب القرار السياسي
يحمل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة دلالات سياسية ورمزية متعددة، خصوصا أنه يضع امرأة للمرة الأولى في تاريخ المغرب أمام مسؤولية قيادة الجهاز التنفيذي. وفي هذا الصدد اعتبرت فوزية عسولي، حقوقية ومناضلة ورئسية سابقة لفيديرالية الرابطة الديموقراطية لحقوق الإنسان، أن أهمية هذه الخطوة تكمن في كونها تتوج مسارا طويلا من نضال النساء من أجل الوصول إلى مواقع القرار، معتبرة أن حضور المرأة، ينبغي ألا يقتصر على التمثيلية داخل المؤسسات، وإنما يجب أن يتوج بتولي أعلى مستويات المسؤولية السياسية.
وفي الاتجاه نفسه، أبرزت سميرة موحيا، رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء، أن التعيين يحمل دلالة قوية على مستوى الاعتراف بقدرة النساء على تحمل المسؤوليات السياسية الكبرى، غير أن رمزيته في نظرها، ينبغي أن تتحول إلى مكاسب فعلية على مستوى السياسات العمومية المرتبطة بحقوق النساء. وفي الصدد ذاته اعتبرت بشرى عبدو، رئيسة المرصد المغربي للحماية من العنف الرقمي، أن وصول امرأة إلى هذا الموقع يمكن أن يساهم بدوره في تغيير الصورة النمطية عن حضور النساء في مواقع السلطة، ويعزز حضورهن في المجال العام، بما في ذلك الفضاء الرقمي الذي يشهد، بحسبها، أشكالا متزايدة من الاستهداف والعنف ضد النساء الفاعلات في الشأن العام.
ولا تقف دلالة التعيين، وفق قراءات المتدخلات أعلاه، عند حدود كون المنصوري أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، وإنما يمتد إلى ما يمكن أن يترتب عن ذلك من تحول في موقع المرأة داخل الحياة السياسية. فالعسولي أكدت أن الاختبار الحقيقي لأي تحول في هذا المجال يكمن في مدى قدرة هذه الخطوة على فتح الطريق أمام نساء أخريات للوصول إلى مواقع القرار، وعدم التعامل مع وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة باعتباره استثناء. في حين ربطت موحيا هذا التحول بضرورة الانتقال من مجرد الحضور الرمزي للنساء إلى مشاركة فعلية في صياغة السياسات واتخاذ القرارات، بينما شددت عبدو على أن تعزيز حضور النساء في مواقع المسؤولية يقتضي أيضا توفير بيئة سياسية وإعلامية ورقمية أكثر أمانا، تسمح للنساء بممارسة أدوارهن بعيدا عن حملات التشهير والتنمر والعنف الرقمي.
من الرمزية إلى اختبار السياسات والتمثيلية النسائية
وتتفق المقاربات الثلاث، رغم اختلاف زواياها، على أن أهمية هذه الخطوة تقاس أيضا بما ستتركه من أثر على وضعية النساء في مواقع المسؤولية. فمن منظور العسولي، لا ينبغي أن ينتهي النقاش بمجرد تسجيل سابقة تاريخية، وإنما أن يشكل التعيين حافزا لتوسيع حضور النساء في مختلف مستويات القرار السياسي والمؤسساتي.
وفي غضون ذلك، تضع موحيا التركيز على مضمون المرحلة المقبلة، معتبرة أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، يكتسب معناه الكامل عندما ينعكس على السياسات العمومية، وعلى قضايا المساواة وحماية النساء وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة. وفي المقابل، أكدت عبدو على ضرورة حماية النساء اللواتي يخترن العمل العام من مختلف أشكال العنف والاستهداف، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حتى لا يتحول الحضور المتزايد للنساء في السياسة إلى سبب لتعريضهن لمزيد من المضايقات والهجمات الرقمية.