سياسة

من قانون المالية إلى الإصلاحات الكبرى.. الملفات التي تنتظر البرلمان الجديد

مجلس النواب- المصدر: وكالة المغرب العربي للأنباء
مجلس النواب- المصدر: وكالة المغرب العربي للأنباء
A A A A A

يستقبل البرلمان المغربي الجديد، مع افتتاح السنة التشريعية اليوم الجمعة 9 أكتوبر، مرحلة تشريعية ورقابية تتقاطع فيها مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 مع ملفات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ومراقبة تنفيذ البرامج الحكومية، وتقييم أثر السياسات العمومية على الاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية.

ولا تقتصر رهانات الولاية التشريعية الجديدة على المصادقة على النصوص التي ستحيلها الحكومة على مجلس النواب، بل تمتد إلى مساءلة الوزراء عن حصيلة القطاعات التي يشرفون عليها، وتتبع تنفيذ الالتزامات الحكومية، وفحص كيفية صرف المال العام، وتقييم نتائج البرامج التي أعلنتها الحكومة خلال الولاية السابقة.

ويأتي هذا الاستحقاق في سياق سياسي جديد أفرزته انتخابات 23 شتنبر، في انتظار اتضاح ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة وتركيبتها، وما ستضعه من أولويات على جدول العمل التشريعي والرقابي.

قانون المالية.. أول اختبار اقتصادي

يتقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 قائمة الملفات المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة، باعتباره أول محطة مالية كبرى في الولاية التشريعية الجديدة. وإلى حدود افتتاح السنة التشريعية، لم يكن المشروع قد أحيل رسميا على البرلمان، ما يجعل الحديث عن مضامينه التفصيلية سابقا لأوانه.

غير أن التوجهات المعلنة خلال عرض تنفيذ ميزانية 2026 والبرمجة الميزانياتية للسنوات 2027-2029 توفر مؤشرات أولية عن السياق الذي سيؤطر إعداد المشروع، خصوصا ما يتعلق بمواصلة الاستثمار العمومي، وتمويل الأوراش الاجتماعية، وتعزيز التنمية الترابية، والحفاظ على التوازنات المالية.

وستتيح مناقشة المشروع للحكومة عرض اختياراتها بشأن الموارد والنفقات، فيما سيكون أمام النواب فحص الفرضيات الاقتصادية المعتمدة، وتوزيع الاعتمادات بين القطاعات، وتقييم مدى استجابة الميزانية لحاجيات الاستثمار والتشغيل والخدمات الاجتماعية.

كما ستعيد المناقشات إلى الواجهة أسئلة نجاعة الإنفاق العمومي، وأثر التحفيزات الجبائية على الاستثمار، وتكلفة المديونية، ومدى قدرة البرامج الحكومية على تحقيق نتائج ملموسة، بعيدا عن الاقتصار على حجم الاعتمادات المرصودة لها.

مشاريع القوانين.. إصلاح المؤسسات والقطاعات الاقتصادية

إلى جانب قانون المالية، ينتظر أن يشكل سجل مشاريع القوانين المحالة على البرلمان مرجعا أساسيا لتحديد أولويات العمل التشريعي، سواء تعلق الأمر بالنصوص الجديدة التي ستقدمها الحكومة أو بالمشاريع التي مازالت تستكمل مسارها التشريعي.

ومن بين الملفات التي برزت خلال المسار التشريعي السابق مشروع القانون المتعلق بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، إلى جانب نصوص ترتبط بتطوير المنظومة المعلوماتية الصحية الوطنية، وإعادة تنظيم بعض المؤسسات العمومية.

وتختلف الوضعية القانونية لهذه النصوص من مشروع إلى آخر؛ فبعضها مر من إحدى غرفتي البرلمان، وبعضها ما زال في طور الدراسة أو استكمال المسطرة. لذلك ستظل متابعة مآل كل مشروع، وتاريخ إحالته، واللجنة المختصة به، أمرا ضروريا للتمييز بين الإصلاحات التي ما زالت قيد التشريع وتلك التي دخلت حيز التنفيذ.

وتكتسي هذه الملفات أهمية اقتصادية بالنظر إلى ما تطرحه من أسئلة بشأن حكامة المؤسسات العمومية، وطرق تدبيرها، واستقلاليتها المالية، ونجاعة أدائها. كما تفتح مناقشتها المجال أمام النواب لتقييم المبررات التي تستند إليها الحكومة في اختيار شكل قانوني أو تنظيمي جديد، والضمانات التي سترافق تنفيذه.

ولا ينحصر الدور التشريعي للمجلس في مناقشة مشاريع القوانين الحكومية، إذ يتيح الدستور للنواب تقديم مقترحات قوانين، بما يسمح للفرق والمجموعات النيابية بالمبادرة إلى طرح نصوص في مجالات اقتصادية واجتماعية، وفق الشروط والمساطر المعمول بها.

الأسئلة الشفوية والكتابية.. مراقبة يومية لأداء الحكومة

ستشكل الأسئلة الشفوية الأسبوعية والأسئلة الكتابية إحدى أبرز واجهات العمل البرلماني خلال الولاية الجديدة. فمن خلالها يستطيع النواب مساءلة الوزراء عن تنفيذ البرامج القطاعية، وطلب توضيحات بشأن القرارات الحكومية، وإثارة القضايا التي تهم المواطنين والمقاولات والفاعلين الاقتصاديين.

وتتيح الأسئلة الكتابية، على وجه الخصوص، تتبع ملفات محددة وطلب أجوبة رسمية بشأنها، بما في ذلك المشاريع المتعثرة، وتأخر تنفيذ البرامج، والاختلالات التي يثيرها المواطنون في دوائرهم الانتخابية. أما الأسئلة الشفوية، فتضع أعضاء الحكومة أمام نقاش علني بشأن تدبير قطاعاتهم والتدابير التي يعتزمون اتخاذها.

وفي المجال الاقتصادي، يمكن أن تتجه هذه الآلية إلى ملفات الاستثمار العمومي، وتأخر إنجاز المشاريع، وصعوبات المقاولات، والتشغيل، والأسعار، والتمويل، والتجهيزات الأساسية، إلى جانب قضايا الماء والطاقة والنقل والتعليم والصحة.

ولا تقاس فعالية هذه الرقابة بعدد الأسئلة المودعة وحده، بل كذلك بمضمون الأجوبة الحكومية، ومدى تقديم معطيات دقيقة، وما إذا كانت الأسئلة تفضي إلى توضيحات أو التزامات يمكن تتبع تنفيذها لاحقا.

مساءلة رئيس الحكومة.. النقاش يتجاوز القطاعات

إلى جانب الأسئلة الموجهة إلى الوزراء، ينص الإطار الدستوري على جلسات شهرية تخصص لمساءلة رئيس الحكومة حول السياسة العامة، بما يتيح للنواب مناقشة الاختيارات الحكومية من زاوية شاملة، بدل الاقتصار على تدبير قطاع بعينه.

ولهذه الجلسات أهمية خاصة، عند تناول قضايا تتداخل فيها مسؤوليات عدة قطاعات، مثل الاستثمار والتشغيل، أو تمويل الحماية الاجتماعية، أو معالجة الفوارق المجالية، أو مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

ومن شأن هذه الآلية أن تتيح للفرق النيابية مساءلة رئيس الحكومة بشأن مدى تقدم تنفيذ الالتزامات المعلنة، والنتائج المحققة مقارنة بالأهداف المحددة، والقرارات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لمعالجة الصعوبات القائمة.

كما تشكل جلسات عرض الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي، متى تمت برمجتها وفق المقتضيات الدستورية، محطة لمناقشة ما تحقق من التزامات، وما بقي منها قيد التنفيذ، والعوامل التي تفسر التأخر أو تغيير الأولويات.

اللجان الدائمة.. فحص السياسات من داخل القطاعات

لا ينحصر العمل الرقابي في الجلسات العامة، إذ تضطلع اللجان النيابية الدائمة بدور أساسي في دراسة مشاريع القوانين ومناقشة تفاصيلها، كما تتيح لها اختصاصاتها طلب الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين وتحت مسؤوليتهم.

وتوفر هذه الاجتماعات مجالا لمناقشة الملفات القطاعية بتفصيل أكبر، وطلب البيانات والتوضيحات من المسؤولين، وفحص الصعوبات التي تواجه تنفيذ السياسات العمومية.

وفي القضايا الاقتصادية، تبرز أهمية لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إلى جانب لجنة مراقبة المالية العامة، في تتبع التدبير المالي والعمومي، ومناقشة القضايا المرتبطة بالميزانية والموارد العمومية وأداء المؤسسات.

كما يمكن للجان المختصة أن تتابع ملفات الصناعة والتجارة والطاقة والماء والفلاحة والنقل والسياحة، بحسب طبيعة القضايا المعروضة عليها، بما يتيح الانتقال من النقاش العام إلى فحص الإجراءات والبرامج والنتائج.

تقييم السياسات العمومية ومراقبة المال العام

من بين الاختصاصات التي تتيح للبرلمان تجاوز منطق التشريع والمساءلة الآنية، تقييم السياسات العمومية، الذي يهدف إلى فحص نتائج البرامج الحكومية ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة.

ولهذه المهمة أهمية في ملفات تتطلب إنفاقا عموميا كبيرا أو تمتد على سنوات، مثل برامج التشغيل، والحماية الاجتماعية، والتنمية الترابية، والاستثمار في البنيات التحتية. فالسؤال لا يتعلق فقط بالاعتمادات التي خصصت لهذه البرامج، بل أيضا بالنتائج التي تحققت، والفئات التي استفادت منها، والصعوبات التي حالت دون بلوغ أهدافها.

ويرتبط بذلك دور البرلمان في مراقبة المالية العامة، من خلال دراسة المعطيات المالية وتقارير المؤسسات المختصة، ومناقشة أوجه تنفيذ الميزانية ومدى احترام قواعد التدبير المالي.

كما تشكل التقارير السنوية للمؤسسات والهيئات الدستورية، ومنها المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مادة للنقاش البرلماني في حدود اختصاص كل مؤسسة، بما يتيح الوقوف على الملاحظات والتوصيات التي تهم السياسات العمومية وتدبير المؤسسات.

وسيكون التحدي في تحويل خلاصات هذه التقارير إلى نقاش مؤسساتي يتجاوز عرض الملاحظات، ويتيح تتبع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة الاختلالات المسجلة.

المهام الاستطلاعية ولجان تقصي الحقائق

يتيح النظام البرلماني آليات أخرى للتحقيق في الملفات التي تستدعي جمع معلومات إضافية أو الوقوف على ملابسات قضية معينة. وتشمل هذه الآليات المهام الاستطلاعية التي تكلف بها لجان نيابية، ولجان تقصي الحقائق التي يمكن تشكيلها وفق الشروط الدستورية والقانونية.

وتسمح المهام الاستطلاعية للنواب بجمع معطيات ميدانية حول نشاط حكومي أو قطاع معين، والاطلاع على ظروف تنفيذ برامج أو مشاريع، قبل إعداد تقارير تعرض خلاصاتها على المجلس.

أما لجان تقصي الحقائق، فتشكل آلية رقابية خاصة للتحقيق في وقائع محددة وفق المسطرة القانونية، ويمكن أن تنتهي أعمالها إلى تقارير تناقش داخل البرلمان، مع إمكانية إحالتها على القضاء من طرف رئيس مجلس النواب عند الاقتضاء.

وتبرز أهمية هذه الأدوات في الملفات التي تثير أسئلة حول تنفيذ المشاريع العمومية، أو تدبير بعض المؤسسات، أو أسباب تعثر برامج محددة، شريطة احترام الاختصاصات القانونية وعدم الخلط بين الرقابة البرلمانية والاختصاصات القضائية.

الدبلوماسية البرلمانية والمبادرات التشريعية

يمتد عمل البرلمان أيضا إلى العلاقات مع البرلمانات الأجنبية والاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية، في إطار الدبلوماسية البرلمانية التي تتيح تبادل التجارب، ومناقشة القضايا المشتركة، والدفاع عن المصالح الوطنية داخل المنتديات البرلمانية.

ويمكن لهذا الدور أن يكتسي بعدا اقتصاديا من خلال تعزيز الحوار مع برلمانات الدول الشريكة، ومتابعة الاتفاقيات ذات الصلة بالتعاون الاقتصادي والتجاري، وتبادل التجارب في مجالات الاستثمار والطاقة والماء والتغيرات المناخية.

كما تتيح المبادرات التشريعية للنواب طرح ملفات اقتصادية واجتماعية من خارج الأجندة الحكومية، وفق المساطر الدستورية، وهو ما يجعل جدول أعمال البرلمان مرتبطا بمشاريع القوانين المحالة عليه، وبالمقترحات التي يتقدم بها أعضاؤه، وبالقضايا التي تفرضها ممارسة الرقابة على الحكومة.

بين التشريع والمساءلة.. رهانات الولاية الجديدة

تتداخل أمام البرلمان الجديد وظائف متعددة، تبدأ بدراسة مشاريع القوانين والمصادقة عليها، ولا تنتهي عند مراقبة تنفيذها وتقييم أثر السياسات العمومية التي تؤطرها. وبين مناقشة قانون المالية لسنة 2027، والأسئلة الشفوية والكتابية، وجلسات مساءلة رئيس الحكومة، واجتماعات اللجان، وتقييم المالية العامة، تتسع مجالات تدخل المؤسسة التشريعية لتشمل مختلف أوجه تدبير الشأن العام.

وسيظل الاختبار العملي لهذه الولاية مرتبطا بما سيعرض فعليا على المجلس من نصوص وملفات، وبكيفية استعمال الفرق النيابية لأدواتها التشريعية والرقابية، وبمدى قدرة النقاش البرلماني على الحصول على أجوبة دقيقة بشأن تنفيذ البرامج والالتزامات الحكومية.

فأهمية البرلمان لا تقاس فقط بعدد القوانين التي يصادق عليها، بل كذلك بقدرته على مناقشة اختيارات الحكومة، وطلب المعطيات، وفحص النتائج، وإتاحة المجال لمساءلة علنية ومنتظمة حول تدبير المال العام والسياسات التي تؤثر في حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً