وفي مقابل تموقع التجمع الوطني للأحرار خارج الأغلبية، اختار حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار الاصطفاف في المعارضة، بينما تتجه أحزاب أخرى إلى المشاركة في الأغلبية أو مساندتها، ما يجعل تحديد الحجم العددي للمعارضة مرتبطا بالاصطفافات النهائية داخل مجلس النواب.
وحصل التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعدا، مقابل 54 مقعدا للعدالة والتنمية وثمانية مقاعد لتحالف اليسار، في وقت حصل فيه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، فيما يتجه حزب التقدم والاشتراكية، الذي حصل على 19 مقعدا، الذي يمكن أن يقوي صفوفه، بانضمام برلمانية عن حزب الديمقراطيون الجدد، إلى المشاركة في الحكومة المرتقبة، إلى جانب أحزاب أخرى.
وبذلك، لا يمكن احتساب جميع الأحزاب التي لم تحصل على حقائب وزارية ضمن المعارضة تلقائيا، إذ إن مساندة الأغلبية من خارج الحكومة تظل خيارا سياسيا مختلفا عن الاصطفاف في المعارضة.
التجمع الوطني للأحرار.. أكبر مكونات المعارضة
يجد التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام وضع سياسي جديد، بعدما قاد الحكومة المنتهية ولايتها، قبل أن يصبح مرشحا لتصدر المعارضة البرلمانية خلال الولاية المقبلة. وبحصوله على 66 مقعدا، يتقدم الحزب عدديا على العدالة والتنمية، الذي عاد بقوة إلى مجلس النواب بعد حصوله على 54 مقعدا، مقابل 13 مقعدا في انتخابات 2021.
ويمنح هذا الترتيب التجمع الوطني للأحرار موقعا متقدما داخل المعارضة، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع المسؤوليات البرلمانية، وفي مقدمتها رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، التي يخصصها النظام الداخلي لمجلس النواب للمعارضة.
وتطرح هذه المعطيات قراءة سياسية، مفادها أن خروج التجمع من الأغلبية لا يعني بالضرورة فقدانه التأثير داخل المؤسسة التشريعية، بل قد يتيح له الاحتفاظ بموقع مهم في إدارة بعض آليات الرقابة والعمل التشريعي.
وتذهب قراءة أخرى إلى أن استبعاد الحزب من الحكومة قد تكون له انعكاسات على توزيع مواقع النفوذ داخل المعارضة، خصوصا إذا أصبح التجمع أكبر مكوناتها، بما قد يحد من فرص العدالة والتنمية في تصدر واجهتها المؤسساتية. لكن ذلك لا يعني أن التجمع سينفرد بقيادة جميع مكونات المعارضة، إذ تظل المواقف السياسية والاختلافات بين الأحزاب عاملا حاسما في تحديد طبيعة التنسيق بينها.
العدالة والتنمية.. عودة انتخابية ورهان على الرقابة
يدخل حزب العدالة والتنمية الولاية التشريعية الجديدة بـ54 مقعدا، مستفيدا من تحسن تمثيليته مقارنة بانتخابات 2021، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على الحضور في النقاشات السياسية والتشريعية.
ويستطيع الحزب توظيف موقعه في المعارضة لإثارة ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة، إلى جانب مساءلة الحكومة بشأن حصيلة السياسات العمومية التي ستعتمدها خلال الولاية الجديدة. غير أن الرصيد العددي للحزب يضعه خلف التجمع الوطني للأحرار، إذا استقر هذا الأخير رسميا ضمن المعارضة، وهو ما قد يفتح نقاشا حول التوازن بين القيادة السياسية للمعارضة والتمثيل العددي داخل المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، سيكون التحدي أمام العدالة والتنمية هو تحويل عودته الانتخابية إلى حضور رقابي منتظم، مع الحفاظ على هويته السياسية وخطابه المعارض، سواء عبر الأسئلة البرلمانية أو مقترحات القوانين أو النقاشات المتعلقة بالبرنامج الحكومي.
تحالف اليسار.. ثمانية مقاعد وأدوار تتجاوز العدد
حصل تحالف اليسار على ثمانية مقاعد في الانتخابات التشريعية، وهو الرصيد الذي يضعه ضمن المكونات ذات التمثيلية المحدودة عدديا، لكنه يمنحه إمكانية المشاركة في العمل الرقابي والتشريعي من موقع المعارضة.
وتتوقف أهمية هذا المكون على طبيعة الملفات التي سيختار التركيز عليها، ومدى قدرته على تقديم مقترحات تشريعية ومواقف واضحة بشأن الحريات والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والسياسات العمومية. كما يمكن لتحالف اليسار أن ينسق مع بقية مكونات المعارضة في ملفات محددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقفه مع التجمع الوطني للأحرار أو العدالة والتنمية.
وتكمن أهمية الأحزاب الصغيرة داخل المعارضة في قدرتها على المساهمة في النقاشات البرلمانية، وتقديم تعديلات ومقترحات قوانين، والمشاركة في آليات الرقابة، فضلا عن دورها في بناء توافقات أوسع بشأن بعض المبادرات التي تتطلب عددا معينا من النواب.
الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.. خارج المعارضة
على الرغم من حصول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، وحزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعدا، فإنهما لا يدخلان ضمن مكونات المعارضة وفق الترتيبات السياسية المتداولة لتشكيل الحكومة الجديدة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى توجه حزب التقدم والاشتراكية نحو المشاركة في الأغلبية الحكومية المرتقبة، فيما يتجه الاتحاد الاشتراكي بدوره إلى الانضمام إلى التحالف الذي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة. ويعني ذلك أن عدد المقاعد التي حصل عليها الحزبان لا يدخل ضمن الحساب العددي للمعارضة، ما دام موقعهما السياسي يتجه نحو الأغلبية.
وتبرز هذه الحالة أهمية التمييز بين النتائج الانتخابية والاصطفافات البرلمانية، لأن توزيع المقاعد وحده لا يكفي لتحديد الحجم الفعلي للمعارضة أو مكوناتها النهائية.
الاتحاد الدستوري وحزب “عرشان”.. بين المساندة والمعارضة
يشكل موقع الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية أحد العناصر المهمة في تحديد التوازنات داخل مجلس النواب. فقد حصل الاتحاد الدستوري على 17 مقعدا، بينما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية، التي يقودها عبد الصمد عرشان، على ثمانية مقاعد.
واتفق الحزبان على تشكيل فريق برلماني موحد، بما يمنحهما تمثيلية مشتركة من 25 نائبا داخل المجلس. وبحسب المعطيات المتوفرة بشأن مشاورات تشكيل الحكومة، يتجه الحزبان إلى مساندة الأغلبية المرتقبة، وليس إلى الاصطفاف ضمن المعارضة. كما نفى عرشان الأخبار التي تحدثت عن إنهاء التنسيق البرلماني مع الاتحاد الدستوري، مؤكدا استمرار الشراكة بين الطرفين.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التنسيق يرتبط بموقف مشترك من المشاركة في الأغلبية أو الاصطفاف في المعارضة، وهو ما يجعل موقع الحزبين مرتبطا بمخرجات المشاورات الحكومية النهائية. ;يكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، لأن احتساب المقاعد الـ25 ضمن المعارضة، قبل تثبيت الموقف النهائي للحزبين، سيؤدي إلى تضخيم حجمها العددي بصورة غير دقيقة.
وفي المقابل، فإن مساندة الأغلبية من خارج الحكومة لا تعني بالضرورة المشاركة في جميع قراراتها، إذ يمكن للحزبين الاحتفاظ بمواقف خاصة بشأن بعض الملفات، وفق طبيعة التفاهمات السياسية التي ستجمعهما بالأغلبية.
الأحزاب الصغيرة.. هل تستطيع ترجيح كفة المعارضة؟
لا يقتصر النقاش بشأن المعارضة الجديدة على التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية وتحالف اليسار، بل يمتد إلى الأحزاب التي حصلت على مقاعد محدودة في الانتخابات التشريعية.
وحصلت جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين، كما حصل حزب الإنصاف على مقعدين، فيما حصل حزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد، وحزب الديمقراطيين الجدد على مقعد واحد. لكن هذه المقاعد لا تدخل تلقائيا ضمن المعارضة، لأن تحديد موقع كل حزب يظل مرتبطا باختياراته السياسية وموقفه من الحكومة الجديدة.
ومع ذلك، فإن أهمية الأحزاب الصغيرة لا تقاس دائما بعدد المقاعد وحده، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمبادرات تتطلب بلوغ عتبة دستورية محددة، أو عندما تكون الأصوات الإضافية ضرورية لبناء توافقات داخل المجلس.
وفي حالة المعارضة، يمكن لهذه الأحزاب أن تسهم في توسيع قاعدة التوقيعات المطلوبة لتقديم بعض المبادرات، أو دعم تعديلات تشريعية، أو المشاركة في طلبات تشكيل لجان لتقصي الحقائق، متى توافرت الشروط القانونية. أما سياسيا، فإن تأثيرها سيظل مرتبطا بمدى استقلالية مواقفها وقدرتها على التنسيق مع باقي المكونات، بدلا من الاكتفاء بحضور عددي محدود.
رئاسة لجنة التشريع.. امتياز مؤسساتي للمعارضة
يمنح الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب المعارضة مجموعة من الحقوق المؤسساتية، من بينها رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات. وتكتسي هذه اللجنة أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في دراسة النصوص القانونية ومناقشتها وتتبع مسارها التشريعي، فضلا عن الإسهام في تنظيم أشغالها وتمثيلها في إطار الاختصاصات المحددة قانونا.
وتنص المادة التاسعة من الباب المتعلق بحقوق المعارضة في النظام الداخلي لمجلس النواب على تخصيص رئاسة لجنتين دائمتين على الأقل للمعارضة، من بينها وجوبا لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، مع أولوية لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة إذا تقدمت المعارضة بترشيح لرئاستها. ويعني ذلك أن أهمية المعارضة لا ترتبط فقط بعدد نوابها، بل تشمل أيضا المواقع التي يضمنها لها الإطار الدستوري والتنظيمي داخل المؤسسة التشريعية.
ومن هنا، تبرز أهمية موقع التجمع الوطني للأحرار إذا استقر ضمن المعارضة، لأن تقدمه العددي على العدالة والتنمية قد يؤثر في توزيع المسؤوليات داخلها، وفق القواعد المنظمة للترشيحات والانتخاب.
غير أن رئاسة لجنة التشريع لا تمنح صاحبها سلطة منفردة على النصوص القانونية، ولا تتيح له تعطيلها بقرار شخصي، بل تمنحه موقعا مؤسساتيا داخل مسار تشريعي يخضع لمداولات اللجنة وتصويت أعضاء المجلس.
الأسئلة البرلمانية.. أداة الرقابة اليومية
تظل الأسئلة الشفوية والكتابية من أبرز الأدوات التي يمكن للمعارضة استعمالها لمراقبة العمل الحكومي. وتتيح هذه الآلية للنواب مساءلة الوزراء بشأن تدبير القطاعات الحكومية، وطلب توضيحات حول القرارات والبرامج العمومية، وإثارة الملفات التي تهم المواطنين.
ويمكن للمعارضة التركيز على ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والاستثمار والصحة والتعليم والسكن، إلى جانب تتبع تنفيذ الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي.
كما يمنح الدستور جلسة أسبوعية في كل مجلس أولوية للأسئلة وأجوبة الحكومة، مع تخصيص جلسة شهرية للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، التي يجيب عنها رئيس الحكومة. وتسمح هذه الآلية للمعارضة بنقل النقاش من التصريحات السياسية إلى مساءلة الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، ومطالبتها بتوضيحات بشأن القرارات المتخذة والنتائج المحققة. لكن فعالية الأسئلة لا تتوقف على عددها، بل ترتبط بجودة المعطيات التي تستند إليها، وقدرة أصحابها على متابعة الأجوبة وإعادة إثارة الملفات التي لا تقدم الحكومة بشأنها توضيحات كافية.
ملتمس الرقابة.. متى تستطيع المعارضة إسقاط الحكومة؟
يعد ملتمس الرقابة من أقوى الأدوات الدستورية التي يمكن لمجلس النواب استخدامها لإثارة المسؤولية السياسية للحكومة. وينص الفصل 105 من الدستور على أن ملتمس الرقابة لا يكون مقبولا إلا إذا وقعه خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل.
وبالنظر إلى أن المجلس يتكون من 395 نائبا، فإن تقديم الملتمس يتطلب توقيع 79 نائبا على الأقل. لكن تقديم الملتمس لا يعني إسقاط الحكومة، إذ يشترط الدستور للموافقة عليه الحصول على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتكون منهم المجلس، أي 198 صوتا على الأقل.
ويترتب على إقرار ملتمس الرقابة استقالة الحكومة بكاملها. وتكشف هذه الشروط عن الفارق بين القدرة على إطلاق مبادرة رقابية والقدرة على تحويلها إلى قرار سياسي ملزم.
فالتجمع الوطني للأحرار، بمقاعده الـ66، والعدالة والتنمية، بمقاعده الـ54، لا يبلغان وحدهما عتبة التوقيع المطلوبة، إذ يحتاجان إلى دعم نواب آخرين لتقديم الملتمس.
أما تمريره، فيتطلب جمع 198 صوتا، وهو ما يجعل إسقاط الحكومة رهينا بتوافقات أوسع بكثير من مجرد التنسيق بين الحزبين.
لجان تقصي الحقائق.. عتبة 132 نائبا
تتيح لجان تقصي الحقائق للبرلمان التحقيق في وقائع محددة تتعلق بتدبير الشأن العام، وفق الشروط والضوابط المنصوص عليها في الدستور. وينص الفصل 67 على إمكانية إحداث هذه اللجان بمبادرة ملكية، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين.
وفي مجلس النواب، تعني هذه القاعدة أن طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يحتاج إلى 132 نائبا على الأقل، بالنظر إلى العدد الإجمالي لأعضاء المجلس. ويختلف هذا الشرط عن العتبة المطلوبة لتقديم ملتمس الرقابة، التي تبلغ 79 توقيعا.
ولهذه الآلية أهمية في الملفات التي تستدعي فحص وقائع محددة، أو تتبع تدبير مؤسسات ومصالح عمومية، في الحدود التي يسمح بها الدستور والقانون.
غير أن تشكيل لجان تقصي الحقائق ليس متاحا في جميع الحالات، إذ يمنع الدستور إحداثها بشأن وقائع أصبحت موضوع متابعات قضائية ما دامت هذه المتابعات جارية.
وبذلك، فإن الأحزاب الصغيرة قد تكتسب أهمية عددية في هذه المبادرات، إذا كانت مواقفها تسمح بتوسيع قاعدة التوقيعات اللازمة، حتى عندما لا تكون قادرة على قيادة المعارضة بمفردها.
معارضة متعددة المكونات.. هل تتوحد أمام الحكومة؟
تكشف الخريطة الجديدة عن معارضة محتملة تضم التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا، وتحالف اليسار بثمانية مقاعد، إلى جانب أي أحزاب أو نواب آخرين يعلنون اصطفافهم رسميا في المعارضة.
ويبلغ مجموع مقاعد هذه المكونات الثلاثة 128 مقعدا، دون احتساب أي مكونات إضافية قد تختار المعارضة، وهو ما يجعلها كتلة عددية مهمة داخل مجلس النواب. لكن هذا الرقم لا ينبغي اعتباره حصيلة نهائية للمعارضة، لأنه يرتبط بالاصطفافات السياسية المعلنة، وقد يتغير إذا انضمت أحزاب أخرى إلى المعارضة أو اختارت المساندة النقدية للأغلبية.
وفي المقابل، تتجه أحزاب أخرى، من بينها الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إلى المشاركة في الأغلبية المرتقبة، فيما تشير المعطيات المتداولة إلى مساندة الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية للتحالف الحكومي.
وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمعارضة لن يكون في عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب فقط، بل في قدرتها على التنسيق بشأن الملفات المشتركة، وتقديم بدائل تشريعية، واستعمال الأدوات الدستورية المتاحة لمساءلة الحكومة.