تشهد فرنسا أزمة مدنية هي الأسوأ منذ سنوات، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين متظاهرين والشرطة، وأُحرقت السيارات، واُقتحمت المباني الحكومية، بينما التهمت النيران مبنى بلدية تاريخي. وقد رافقت هذه الأحداث عمليات نهب واسعة اجتاحت المدن الكبرى بالتوازي مع احتجاجات عارمة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي الأوضاع في المدارس. وذهبت وكالة أسوشيتد بريس في تقرير ميداني، إلى أن بوادر التهدئة لا تلوح في الأفق.
وأعلنت السلطات الفرنسية اعتقال نحو 2,400 شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع وحدها، وتعرضت آلاف الشركات والأعمال التجارية لأضرار جسيمة وأعمال سلب ونهب، في مشهد طغى على التظاهرات السلمية التي شارك فيها مئات الآلاف من المواطنين.
كما أعلنت السلطات، اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر، كما نقلت ذلك وكالات أنباء، أن حظر التجول الذي فُرض في مدن عدّة إثر أعمال العنف خلال عطلة نهاية الأسبوع ساهم في إرساء “الهدوء”، وسيُجدّد لليلة ثانية “حيث يستدعي الوضع ذلك”.
وبدأ سريان حظر التجول مساء الاثنين في أجزاء من باريس وليون، ثالث كبرى مدن البلاد، وبوردو وليل ونيس. واقتصر الحظر في المدن الثلاث الأخيرة على القاصرين. وخلال الليل، حلّقت مروحية فوق جزء من وسط العاصمة، مستخدمة كشافا ضوئيا قويا لمراقبة الالتزام بالقيود. وقبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، تتخذ الأزمة طابعا سياسيا متزايدا.
مزيد من التظاهرات في الأفق
لا تلوح في الأفق بوادر تهدئة قريبة، فقد دعت تنظيمات طلابية للثانويات العامة والجامعات إلى مزيد من الاحتجاجات يومي الخميس والسبت، حث فيها “تنسيق طلاب المدارس الثانوية الوطنية” الشباب على النزول إلى الشوارع ومواصلة الاعتصامات.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت مجموعة من النشطاء الساعين لإحياء حركة “السترات الصفراء” لعام 2018 تنظيم مظاهرات وطنية يوم السبت المقبل تحت شعار “يجب أن يرحل ماكرون”.
وفي مقارنة مع الأحداث السابقة، أشار سيباستيان روشيه، باحث علم الاجتماع السياسي والشرطي في معهد “ساينس بو غرونوبل”، إلى أن حجم الدمار الحالي يقارب ما حدث خلال ذروة احتجاجات السترات الصفراء في ديسمبر 2018، كما يذكر بالاضطرابات التي وقعت في يونيو 2023 إثر مقتل مراهق على يد الشرطة، وأزمة عام 2005 التي فرضت إعلان حالة الطوارئ.
ماكرون يدين “العنف الجامح”
ندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشدة بـ “العنف الجامح” الذي تمارسه “عناصر تمردية تنتمي لمجموعات يسارية متطرفة راديكالية، وانضم إليها العديد من المجرمين”.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أعمال العنف بأنها “فوضى منظمة بطريقة غير مسبوقة”. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، توعد ماكرون باتخاذ موقف “لا هوادة فيه” ضد مثيري الشغب، مؤكداً أن المحافظين الإقليميين سيستخدمون كافة التدابير اللازمة لحماية الممتلكات العامة والخاصة، بما في ذلك حظر بعض التجمعات وفرض حظر تجول ليلي في المناطق المتضررة مثل العاصمة باريس. كما أمر بإجراء تحقيق عاجل في الثغرات الاستخباراتية التي أدت إلى التقليل من حجم التهديد المحتمل.
حصيلة إصابات غير مسبوقة
ما يميز الاضطرابات الحالية عن سابقاتها -بحسب الخبير روشيه الذي يدرس قضايا العنف والشرطة لأكثر من 30 سنة- هو حجم الإصابات الناجمة عن أسلحة الشرطة.
وقال روشيه: “لدينا حصيلة لم تشهدها البلاد منذ 40 عاماً”، مشيراً إلى أن ستة أشخاص، بينهم قصر، تعرضوا لتشوهات خطيرة وفقدوا أيديهم أو أعينهم خلال ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات بسبب القنابل وغيرها من أسلحة مكافحة الشغب. وأضاف منتقدًا: “لا توجد دولة أخرى في أوروبا تقوم فيها الشرطة بتشويه المحتجين بهذا القدر”.
في حين تُحمّل السلطات المسؤولية لعناصر “اليسار المتطرف” و”المجرمين الباحثين عن الغنيمة”. ويرى روشيه أن الفصيل اليساري المتطرف أصغر وأضعف تنظيميًا من أن يصنع هذه الفوضى بمفرده، حيث تقدر المخابرات الفرنسية أعدادهم بنحو 3,000 شخص فقط دون هياكل رسمية.
حصيلة الاعتقالات والإجراءات القضائية
تركزت معظم القضايا الجنائية التي نظرها الادعاء العام حول: تخريب الممتلكات العامة والخاصة، المشاركة في تجمعات بغرض ارتكاب أعمال عنف، والاعتداء على عناصر الشرطة.
وقد سُجلت الاعتقالات بصفوف متفرقة شملت 855 شخصاً في منطقة باريس وحدها (حُبس 557 منهم احتياطياً، 78% منهم بالغون)، و101 في مارسيليا، و199 في ليون، فضلاً عن تدمير شبه كامل لدار البلدية التاريخية للقرن التاسع عشر في مدينة ليموج بفعل الحرائق.