يشهد المغرب وجها جديدا للسياحة، إذ قد تستقبل بلدة هادئة يقل عدد سكانها عن 20 ألف نسمة نحو مليون زائر خلال فترة وجيزة. وبينما تحتفي السلطات بالأرقام القياسية للوافدين، تتزايد على أرض الواقع مؤشرات الاكتظاظ والضغط.
وإذا كان الترويج لرؤية 2020 باعتبارها مشروعا لتحقيق تنمية منسجمة والارتقاء بالعرض السياحي. فالواقع، وفق ما يخلص إليه هذا النقاش، أفرز أقطابا تقترب من « التشبع »، مقابل مناطق أخرى ظلت خارج هذه الدينامية.
وهذا ما يسميه فوزي زمراني، النائب السابق لرئيس الكونفدرالية الوطنية للسياحة وصاحب مدونة «بلوكتروتر»، تأثير «الموضة السريعة» المطبق على السفر. فوجهة المغرب، بحسب هذا الطرح، تُسوَّق كما لو كانت منتجا استهلاكيا سريع الزوال.
وفي أسواق مراكش، يتراجع حضور الحرف التقليدية أمام منتجات مصنوعة من النايلون والبلاستيك، لتلبية طلب متزايد على صور قابلة للنشر عبر إنستغرام وبتكلفة منخفضة.
كما لم يعد التركيز منصبا على جودة التجربة، وإنما على المشهد الأنسب لالتقاط صورة. ويزداد القلق، بحسب المقال، لأن هذه الظاهرة لا ترتبط بالسياح الأجانب وحدهم، بل تمتد أيضا إلى أنماط استهلاك داخلية يغذيها هاجس الظهور. فقد بات أكثر من نصف السكان يتعاملون مع قرضين على الأقل، وغالبا من أجل تجنب الظهور بمظهر أقل من المحيطين بهم على شبكات التواصل الاجتماعي.
ويطرح المقال سؤالا حول ما إذا كان البلد يضحي بروحه مقابل بعض الصور والإعجابات، في وقت يقترب فيه موعد كأس العالم 2030، ضمن نموذج سياحي يبدو أكثر فأكثر أشبه باندفاع غير محسوب.
نموذج سياحي يقترب من حدود قدرته على التحمل
بلغ عدد السياح 17,4 مليونا في عام 2024. وهو رقم كبير يضع المغرب ضمن قصص النجاح السياحي، لكنه يثير أيضا مخاوف من بلوغ حدود القدرة على التحمل. فالسياحة المفرطة لا تعني فقط ارتفاع عدد المصطافين، وإنما بلوغ مرحلة تصبح فيها الوجهة غير قادرة على استقبال الزوار في ظروف ملائمة، وفق فوزي زمراني.
وفي المغرب حاليا، لا تبدو الفنادق ممتلئة بالكامل طوال السنة، لكن المواقع التاريخية والمدن العتيقة ترسل إشارات إنذار واضحة.
وفي بعض الأماكن، تحولت الزيارة إلى تجربة شاقة بسبب طوابير الانتظار الطويلة والازدحام والضجيج المتواصل. فالتجربة التي تعد بها المنشورات الترويجية تتحول، على أرض الواقع، إلى خليط من الدراجات النارية والعربات ودواب النقل، وسط زوار مرهقين.
ولرصد المناطق الأكثر تعرضا للضغط، يكفي التوجه نحو الشمال والأنسجة التاريخية للمدن. فمارتيل والمضيق وطنجة وتطوان وشفشاون كلها ترد في هذا السياق باعتبارها وجهات تعاني ضغطا متزايدا.
وخلال فصل الصيف، تبلغ هذه المدن حدود طاقتها الاستيعابية. فالبنيات التحتية، الهشة أصلا، تعاني اختناقا كاملا، سواء في النقل أو المطاعم أو مرافق الإيواء. وتقدم شفشاون، المدينة الزرقاء، مثالا واضحا على ذلك، بعدما تحولت من فضاء للسكينة إلى استوديو مفتوح لالتقاط الصور، ينتظر فيه الزوار أدوارهم، على حساب راحة السكان.
أما في مراكش، فيرى المقال أن أسواق المدينة تشهد تراجعا للأصالة. فمحلات الحرفيين، التي كانت تجسد قيمة المصنوعات الجلدية والخشبية والصوفية، تتراجع أمام متاجر تعرض سلعا متشابهة وتحفا بلاستيكية. وهكذا تتحول بعض الفضاءات ذات الحمولة الرمزية تدريجيا إلى مرافق استهلاكية منخفضة الجودة، فيما يتم إفراغ المدن العتيقة من مضمونها لصالح تدفق سياحي سريع يقوم على الاستهلاك والمغادرة.
ويضاف إلى ذلك تحدي تدبير النفايات، وضمان استقرار الولوج إلى الماء والطاقة. ويعتبر المقال أن هذا الوضع يمثل خطرا مؤجلا على البيئة وجودة عيش السكان، بل وحتى على الولوج إلى الخدمات الصحية.
ويطرح كل ذلك تحديا إضافيا في أفق تنظيم كأس العالم 2030.
قنوات جديدة تعيد تشكيل السوق السياحية
بعد رصد مظاهر الخلل، ينتقل المقال إلى تفسير أسبابها من خلال ما يسميه فوزي زمراني «قنوات توزيع السفر الجديدة». والمقصود بذلك الطيران منخفض التكلفة، ومنصات الكراء قصير الأمد، والتأثير القوي لشبكات التواصل الاجتماعي.
ويرتبط المغرب اليوم بـ 140 مدينة عبر العالم، من خلال 61 شركة طيران. ورغم أن هذا الانفتاح يسهم في إتاحة السفر لفئات أوسع، فإن التدفق الكثيف وغير المنظم، مقترنا بانتشار منصات الكراء قصير الأمد، أدى عمليا إلى إضعاف النماذج التقليدية.
فهذه المنصات وشركات الطيران منخفض التكلفة تعزز إحداها الأخرى، بما يؤدي إلى إرباك النموذج الاقتصادي القائم. ولم تعد الوجهة يتم تسويقها بوصفها رحلة متكاملة، وإنما باعتبارها فرصة للاستهلاك الفوري.
والنتيجة، بحسب المقال، أن السائح لم يعد يأتي إلى المغرب لاكتشافه، وإنما لاستهلاك صورة جاهزة عنه. وبما أنه لم يعد يسترشد بمهنيي السياحة، وإنما بالخوارزميات، فإنه يتجه إلى الأماكن نفسها التي يقصدها الآخرون، ما يخلق اختناقات بشرية في أزقة مراكش وأدراج شفشاون.
ويضيف النص أن الوجهة يتم تسويقها بأسعار منخفضة، ومع تقديم السعر على جودة التجربة، يتراجع مستوى العرض. ويظهر ذلك، وفق المقال، في أسواق تراجعت فيها المواد الأصيلة، مثل الخشب، أمام منتجات مصنوعة من البلاستيك والنايلون ومستوردة من الصين.
ويرى النص أن السائح العابر يبحث عن منتج «تقليدي» لا يتجاوز سعره عشرة دراهم، ومصنوع بكميات كبيرة، ما يدفع العرض إلى التكيف مع هذا الطلب. ويحذر فوزي زمراني من أن استمرار هذا التوجه سيقود إلى فقدان مؤكد للقيمة، مضيفا أن «الاستفاقة ستكون قاسية».
ثقافة الإعجاب واختناق الوجهات
يركز المقال على دور الهاتف الذكي في تغذية هذه الدينامية. فقد أصبحت قرارات شراء الرحلات أكثر عاطفية وسرعة واندفاعا. كما تحولت شبكات التواصل الاجتماعي من فضاءات للترفيه إلى أدوات تسويق شديدة التأثير. ويشير النص إلى أن أكثر من 80% من المستهلكين صرحوا بأنهم اشتروا منتجا أو رحلة بعد رؤيته على إحدى الشبكات الاجتماعية.
وتحلل الخوارزميات نقرات المستخدمين واهتماماتهم، لتقترح عليهم أماكن «مناسبة لإنستغرام». وتبدو التجربة شخصية، لكنها تدفع الجميع في النهاية نحو الصورة نفسها والوجهة نفسها.
وأصبح العامل البصري محددا رئيسيا في اختيار الوجهة. فإذا لم يظهر المكان بصورة جذابة، فإنه يفقد جزءا من جاذبيته. وبدل البحث عن أصالة اللقاء، يصبح الهدف العثور على الخلفية المناسبة لإخراج المشهد الشخصي.
ويرى المقال أن هذا الهوس بالمظاهر يؤدي إلى تركيز غير منطقي للتدفقات السياحية في نقاط بعينها. كما يساهم المؤثرون، من خلال شعور القرب المصطنع الذي يقيمونه مع متابعيهم، في ترسيخ الثقة في قرارات سريعة تزيد الضغط على مناطق هشة أصلا.
وفي النهاية، يظل ولاء الزبون للمنصة، سواء كانت إنستغرام أو «بوكينغ» أو «تيك توك»، وليس للوجهة المغربية. فالمنصة التي وجهته اليوم نحو المغرب قد توجهه غدا إلى مكان آخر.
غياب وكالات التنمية وحضور لسوق المنصات
غير أن وكالات التنمية السياحية الموعودة لم تر النور. ويعزو المقال ذلك إلى الخلط بين «المجالات السياحية» و«الجهات الإدارية». ونتيجة لذلك، تراجع التدبير السياحي أمام منطق البيروقراطية، ما أفسح المجال أمام تطور غير منظم للقطاع.
ويضيف النص أن شركات الطيران منخفض التكلفة والمنصات الرقمية أضحت تفرض قواعد اللعبة الخاصة بها، بينما انصب التركيز على عدد السياح من دون قياس جودة التجربة أو مدى احترام الساكنة المحلية.
وبذلك، أصبح العمل موجها لخدمة عمالقة الإنترنت أكثر من خدمة الوجهة نفسها.
وفي أفق عام 2030، يظل السؤال مطروحا بينما يضيق الوقت. فكما يذكر زمراني، «وجهتنا لا تحتمل أن يتم بيعها بأبخس الأثمان».
استنزاف الرأسمال الطبيعي واللامادي
ينتقل المقال بعد ذلك إلى تأثير السياحة المفرطة في الموارد الطبيعية. ففي مناطق تعاني من الأصل من ندرة المياه، يستمر ملء مسابح الفنادق وسقي ملاعب الغولف، بينما يضطر السكان إلى ترشيد استهلاك كل قطرة.
أما على مستوى النفايات، فتجد المنظومة صعوبة في مسايرة الضغط داخل بلدات صغيرة تستقبل نحو مليون زائر خلال صيف واحد. ويؤدي ذلك إلى ارتفاع مخاطر التلوث وتدهور البيئة، لأن التجهيزات المتاحة غير مهيأة لاستيعاب هذا الحجم من التدفقات البشرية.
ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة إلى البنيات التحتية. فالطرق تعرف اكتظاظا كبيرا، فيما تفقد المدن جزءا من سهولة التنقل داخلها.
ويتناول المقال أيضا أثر النجاح السياحي في أسعار العقار بمدن مثل مارتيل والمضيق وطنجة، حيث يؤدي انتشار الإيواء السياحي والكراء قصير الأمد إلى تقلص العرض السكني الموجه إلى السكان.
كما يتم دفع الفئات الشعبية إلى خارج مراكز المدن، لتحل محلها فئات أكثر يسرا أو شقق تظل فارغة عشرة أشهر في السنة. كما تختفي متاجر القرب تدريجيا، لتحل محلها محلات لبيع تذكارات منخفضة الجودة.
وفي هذا السياق، يبدأ شعور بالرفض في الظهور لدى بعض السكان الذين يشعرون بأنهم أصبحوا غرباء داخل مدنهم.
ويختم المقال هذا المحور بالتساؤل عما إذا كان الاستمرار في استهداف 20 مليون سائح يبرر تجاهل الأضرار التي تلحق بالصناعة التقليدية والموارد المائية والوضع المالي للمواطنين، مؤكدا أن بوادر «الاستفاقة القاسية» بدأت تظهر بالفعل.
من سباق الأعداد إلى سياحة ذات جودة
في ختام المقال، يعود النقاش إلى جوهر النموذج السياحي المعتمد. فالأرقام القياسية، سواء تعلق الأمر بـ 17,4 مليون سائح أو بهدف بلوغ 20 مليونا، لا تجيب وحدها عن سؤال القيمة المضافة الفعلية التي يقدمها الزوار للبلد.
ويقول زمراني: «لا ينبغي أن نسعى وراء عدد السياح، وإنما وراء نوعية السائح الذي نريد استقطابه، ذاك السائح الذي سيبقى مدة أطول، ويستهلك بصورة أفضل، ويحترم السكان ونمط عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم. ومن جهتنا، ينبغي أن نعمل على أن يتحدث عن الوجهة في محيطه وأن يعود إليها من جديد. فمعدل العودة مهم بالنسبة إلى أي وجهة، وهذا المؤشر أساسي لأنه يجنب استثمارات ضائعة. وإذا كان ضعيفا، فهذا يعني أننا لم نوفر جودة التجربة التي ينتظرها الزبون، كما يكشف عن جهل تام بالأسواق المصدرة».
وبالتالي، إذا تسبب السائح في ضغط على الشوارع، ثم لم يعد مرة أخرى لأنه وجد التجربة «صاخبة» أو «مبتذلة»، فإن الاستثمار يكون غير ذي جدوى حقيقية.
ويقترح المهني إرساء «علامات للمنتج الأصيل» من أجل حماية هذه «الأماكن الرمزية». فكل منتج يتم اقتناؤه من المدينة العتيقة، وفق هذا التصور، ينبغي أن يحمل ضمانة مرتبطة بالمهارة الحرفية وجودة المواد والإنصاف في أجر الحرفي.
ولا يمكن، بحسب المقال، السماح لتأثير «الموضة السريعة» بأن يلتهم الرأسمال اللامادي للبلاد.
ويعتبر النص أن الأمر يتعلق بـ « حرب وجود » بالنسبة إلى الصناعة التقليدية. فإذا لم يجر تثمين التميز، فسيواصل الحرفيون تقليد المنتجات الرخيصة من أجل البقاء، مستسلمين لسهولة موضة عابرة تفتقر إلى القيمة.
وحماية المنتج تعني أيضا حماية القصة التي يرويها المغرب للعالم.
كأس العالم 2030 واختبار النموذج السياحي
يقترب كأس العالم 2030 بسرعة، وهو يمثل فرصة مهمة، لكنه يطرح أيضا تحديا كبيرا أمام مختلف الفاعلين والمغاربة عموما.
وإذا تم استخدام هذا الحدث لتدارك ما لم يتم تحقيقه ضمن رؤيتي 2010 و 2020، فقد يكون الرهان ناجحا. أما إذا اقتصر الأمر على إضافة مزيد من الأسرة والرحلات الجوية، من دون إعادة التفكير في الجودة والاستدامة، فإن «الاستفاقة ستكون قاسية»، كما يقول زمراني.
ويتوفر المغرب على مختلف مقومات النجاح، من بنيات تحتية ذات جودة وكرم ضيافة معروف، إلى تاريخ فريد يمكن روايته.