مجتمع

الفايد: من مختبرات التغذية إلى زوابع الفكر وأروقة المحاكم

صورة لمحمد الفايد - الحقوق محفوظة.
صورة لمحمد الفايد - الحقوق محفوظة.
A A A A A

تتجه الأنظار مجدداً نحو الدكتور محمد الفايد، ليس بصفته خبيراً غذائياً يوجه نصائح المائدة، بل كشخصية مثيرة للجدل تقف في قلب المتابعات القضائية. حيث يواجه حزمة من التهم تتوزع بين "إهانة موظف" و"الإساءة لامرأة"، وصولاً إلى التهمة الأكثر إثارة للنقاش العام والمتمثلة في "الإساءة إلى ثوابت الدين". وتجسد هذه المتابعات ذروة مسار طويل تحول فيه الرجل من فضاء البحث العلمي إلى صلب العواصف الفكرية والافتراضية. بورتريه. 

من أودية سطات إلى مدرجات باريس

وُلد محمد الفايد بلمحجوب سنة 1955 في بيئة قروية فلاحية بسيطة بمنطقة “أولاد سعيد” التابعة لإقليم سطات. وشق طريقه العلمي مبكراً بنيل دبلوم تقني مخبري في علم الأحياء الدقيقة الغذائي سنة 1977، ليعمل لسنوات داخل مختبرات تابعة لوزارة الفلاحة، قبل أن يلتحق بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة (IAV) بالرباط، متخرجاً منه كمهندس في التكنولوجيا الغذائية عام 1984.

لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، إذ قصد فرنسا ليحوز دبلوم الدراسات المعمقة في علوم الأغذية (1988)، ثم شهادة الدكتوراه في التكنولوجيا الحيوية من جامعة بليز باسكال سنة 1990، متوجاً مساره بدكتوراه دولية في تحويل المواد الزراعية. وعقب عودته للمغرب، عُين أستاذاً باحثاً بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، ونشر عشرات الأبحاث المحكّمة في مجالات ميكروبيولوجيا الأغذية وصناعات الألبان، ونال مناصفة “جائزة الحسن الثاني للبيئة” سنة 1999.

النجومية الجماهيرية

عرف مسار الفايد نقطة تحول كبرى حين غادر صمت المختبر نحو فضاء الشاشة عبر برنامج “نخل ورمان” على القناة السادسة المغربية، وهنا سيتعرف الجمهور العريض على رجل يربط بين التوجيهات الدينية والمعطيات الغذائية الحديثة. كان صوت الفايد يصدح داخل بيوت مغربية عديدة، يدعو إلى العودة للمنتجات الطبيعية المحلية كالحبوب وزيت الزيتون والقطاني. ومع صعود منصات التواصل الاجتماعي، ولاسيما موقع “يوتيوب”، تحول إلى ظاهرة جماهيرية واسعة ناهزت قاعدتها نحو مليونين ونصف المليون متابع.

وهو الصعود الذي سترافقه صدامات حادة مع الأوساط الطبية والأكاديمية، خاصة حين قدم نصائح علاجية عابرة لتخصصه، كترويجه لعلاج السرطان ببذور المشمش، أو قوله إبان جائحة كورونا بأن “الصيام والأعشاب كفيلان بالقضاء على الفيروس”، أو حينما حثّ مرضى السكري بالصيام، ضداً على الرأي الطبي السائد، مما أثار قلق الهيئات الصحية وتحفظ إدارة معهده الأكاديمي.

من هو محمد الفايد؟
من هو محمد الفايد؟
المنصب
أستاذ باحث في علم التغذية
الجنسية
مغربية
المسار
1977 تقني في علم الأحياء الدقيقة الغذائي، 1984 مهندس في التكنولوجيا الغذائية بـIAV بالرباط، 1988 دبلوم الدراسات المعمقة في علوم الأغذية من جامعة بليز باسكال بفرنسا، 1990 الدكتوراه في التكنولوجيا الحيوية من جامعة بليز باسكال بفرنسا.
خبرة بارزة
“جائزة الحسن الثاني للبيئة” سنة 1999.

الزلزال الفكري: اختراق حقول التراث والدين

ولم يقف الجدل عند حدود الطب البديل، بل شهدت السنوات الأخيرة منعطفاً جذرياً في خطاب الفايد. إذ اقتحم قضايا الفقه والتراث والسيرة النبوية. وجّه الفايد انتقادات لاذعة للمؤسسات الدينية الرسمية والمذاهب الفقهية وكتب الحديث، واقترب من أطروحات “القرآنيين”. كما أثار موجة غضب عارمة بتشكيكه العلني في “أمية الرسول” ومهاجمته لما يسميه الفقه الموروث، الأمر الذي جرّ عليه إدانات واسعة من هيئات علمية رسمية اعتبرت خرجاته تطاولاً على الثوابت، وأدى في المقابل إلى انقسام حاد داخل قاعدته الشعبية.

يقول الباحث أحمد عصيد إن الفايد أحدث منعطفاً كبيراً في مساره: “انتقل من التيار المحافظ والإسلامي إلى التيار الحداثي والتنويري. وهذه الانعطافة جعلته يزيد تعميق أبحاثه في قضية التراث الفقهي الإسلامي”.

ويوضح عصيد لـLeBrief عربي: “الفايد ميّز بين الدين من حيث هو رسالة روحية موجهة للإنسانية، وبين الخطاب الفقهي الذي هو طريقة قراءة حسب ظروف معينة. فأصبح يلقب الفقهاء بالكهنوت، وهذا معنى أنه اكتشف بأنهم يمارسون سلطة دينية على العقول، ويأخذون الفقه التراثي الذي يعود لـ1200 عام ويعملون به بدون مراعاة تطور التاريخ والأحداث والمجتمع”.

وعلى النقيض تماماً، يرى إدريس الكنبوري، الباحث في الفكر الإسلامي أن الهالة التي أعطيت للفايد هي هالة خاذعة، إذ يقول: “الرجل ليس له أي تكوين شرعي أو فكري يتيح له الخوض في قضايا الدين، لكنه ركب موجة انتشرت في السنوات الأخيرة في المغرب وغير المغرب فانقلب جذرياً بعد أن كان يدافع على الإسلام في الماضي”.

المدافعون اليوم عن مسار الفايد المثير للجدل، يعتبرون أنه دخل “عش الدبابير” عن طريق تبسيط وتعميم الفكر التنويري، وهو ما لا يروق للتيار المحافظ. ومعارضوه يعتبرونه مستفزاً ذا توجه نحو البحث عن الشهرة ولا علاقة له بالبحث الفكري الرصين.

ولعل الحلقة التي خلقت الجدل الأكبر في مسيرة الفايد المتشعبة هي التي خصّصها للحديث عن أمية الرسول محمد، ذاهبا في اتجاه أن رسول الإسلام كان، على عكس الفكر السائد، كان يقرأ ويكتب. ولعلها الحلقة التي أوصلته اليوم إلى المتابعة القضائية.

يدافع عصيد عن الفايد بهذا الشأن، ويرى أن ما يطرحه “كلام متداول ورائج عند الفقهاء والكتاب والمفكرين والباحثين في حقل الإسلاميات. فهذا الموضوع لم يخترعه الفايد وإنما تطرق إليه فحسب”.

ويرى إدريس الكنبوري، في حديث مع LeBrief عربي أن “طبيعة المواضيع التي يخوض فيها (الفايد) في قناته هي مواضيع معقدة وتحتاج تكويناً علمياً لا يتوفر عليه، وحتى أسلوب خوضه فيها ليس أسلوب شخص له تكوين. فأسلوبه هجومي وساخر وهذا ليس أسلوب شخص عاقل”.

ويخلص الكنبروي: “الفايد مثله مثل كثيرين غيره في المغرب ظاهرة إعلامية ظهرت مع مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت لكل من هب ودب أن يناقش قضايا أكبر منه لإثارة الانتباه إلى نفسه وتحقيق الرواج في اليوتيوب”.

من المختبر إلى اليوتيوب وإلى المحكمة

اليوم تحولت متاعب الفايد من انتقادات متابعيه القدامى بسبب تحوله، ومن تحفظات مقربين منه كذلك، إلى متابعة قضائية أغلقت الحدود في وجهه. فقد قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية ببنسليمان، الأربعاء 4 نونبر 2026، متابعة الفايد في حالة سراح، وتحديد الاثنين 9 نونبر موعداً لأولى جلسات محاكمته.

ويواجه الفايد تهماً تشمل الإساءة إلى الدين الإسلامي، والتحريض على الكراهية، والقذف ضد المرأة بسبب جنسها، إضافة إلى التحريض على ارتكاب جناية.

وبهذا يقف اليوم في مفترق طرق معقد، فهو يجسد من جهة الأكاديمي الذي حقق إنجازات مشهودة في علوم الأغذية وتوعية المستهلك، على الرغم من عثراته المتكررة، ومن جهة ثانية صورة المثقف الذي استهوته النجومية الافتراضية. لقد قاده الخوض في حقول دينية شائكة دون تكوين متخصص إلى إثارة استنكار واسع وعزلة أكاديمية، ليتحول من باحث متوج بالجوائز إلى طرف في مواجهات مفتوحة تختبرها اليوم أروقة العدالة.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً