اقتصاد

دراسة ترصد أربعة أعطاب رئيسية في رقمنة الإدارة بالمغرب

الذكاء الاصطناعي (AI) © جميع الحقوق محفوظة
الذكاء الاصطناعي (AI) © جميع الحقوق محفوظة
A A A A A

كشفت دراسة حديثة، عددا من أعطاب رقمنة الإدارة، مبرزة أن المغرب رقمن عددا من خدماته العمومية، لكنه لم ينجح في بناء إدارة رقمية متكاملة ومترابطة، تضع المواطن في مركز الخدمة.

وجاء في دراسة أكاديمية حديثة، حول مسار الرقمنة، وجودة الخدمات العمومية في المغرب، نشرتها مجلة «African Scientific Journal»  أن المغرب حقق نتائج رقمية ملموسة في عدد من القطاعات، خصوصا الضرائب والجمارك والتحفيظ العقاري والخدمات الموجهة للمقاولات، غير أن هذا التقدم مازال يواجه، بحسب الدراسة نفسها، اختلالات بنيوية تحول دون الانتقال إلى إدارة رقمية متكاملة.

وأكدت الدراسة، التي تحمل عنوان «Digitalisation et qualité des services publics au Maroc : acquis et contraintes»، أن تجربة المغرب فيما يخص رقمنة خدماته لا يمكن وضعها في خانة الفشل، بل تقدم صورة أكثر تعقيدا حول الرقمنة.

الرقمنة.. أربع ثغرات

وترصد الدراسة أربع قيود رئيسية، أمام تحول الرقمنة إلى وسيلة فعلية لتحسين جودة الخدمات العمومية.

ويتمثل أول هذه القيود، بحسب الدراسة، في غياب استراتيجية رقمية وطنية مندمجة، رغم المسار الذي بدأ مع استراتيجية Maroc Numeric 2013 واستمر عبر مبادرات وبرامج مختلفة، وصولا إلى إنشاء وكالة التنمية الرقمية سنة 2017.

ويرتبط القيد الثاني، وفق الدراسة، بضعف قابلية التشغيل البيني بين أنظمة المعلومات. فعوض أن تنتقل المعلومة بين الإدارات بشكل تلقائي، يظل المواطن في بعض الحالات مطالبا بلعب دور حلقة الوصل بينها.

وتظهر المشكلة الثالثة، في الفجوة الرقمية وعدم تكافؤ الولوج إلى التكنولوجيا. فلا يتوفر المواطنون جميعا على نفس مستوى الاتصال بالإنترنت أو نفس القدرات والمهارات الرقمية، كما تظل الفوارق بين المناطق حاضرة.

ويتمثل القيد الرابع الذي تسجله الدراسة في غياب آلية مركزية للمراقبة المستمرة لجودة الخدمات الرقمية وقياس رضا المستخدمين.

وتكشف الدراسة أن هذه النقطة تحديدا ترتبط بمشكلة أعمق، إذ لا يمكن قياس نجاح الرقمنة فقط بعدد المنصات التي أطلقتها الإدارة أو بعدد الخدمات التي أصبحت متاحة عبر الإنترنت، بل يتمثل المعيار الحقيقي في مدى تحول هذه الخدمات إلى خدمات أسرع وأسهل وأكثر فعالية بالنسبة إلى المواطن.

خطر الإقصاء

وأشارت الدراسة إلى أن مشروع الرقمنة يطرح أيضا سؤالا يتعلق بالمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

وتحذر الدراسة من أن توسع الإدارة في تقديم خدماتها رقميا قد يجعل المواطن الذي لا يتوفر على المهارات أو الوسائل الرقمية أقل قدرة على الوصول إلى الخدمة العمومية.

وتبرز الدراسة هنا مفارقة أساسية، إذ تريد الدولة إدارة أكثر رقمية وأقل اعتمادا على الورق، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بضمان ألا تؤدي هذه الرقمنة إلى إقصاء فئات من المواطنين.

ورغم هذه الاختلالات، لا تقدم الدراسة صورة سلبية بالكامل عن تجربة المغرب، بل تسجل عددا من الإنجازات التي تحققت في قطاعات محددة.

وتبرز الدراسة في هذا السياق النتائج التي حققتها المملكة في قطاعات تعتبر من أبرز قصص النجاح في التحول الرقمي، وعلى رأسها الإدارة الضريبية والجمارك والتسجيل والتحفيظ العقاري والخدمات الرقمية الموجهة للمقاولات.

وتعتبر الدراسة أن هذه التجارب تكشف امتلاك المغرب القدرة التقنية والمؤسساتية على إنجاز تحول رقمي حقيقي عندما تتوفر البنية التحتية المناسبة والموارد البشرية والحكامة الفعالة.

وتشير الدراسة كذلك، إلى أن مسار الرقمنة لم يتوقف عند هذه القطاعات، بل امتد إلى مجالات أخرى من الإدارة العمومية، في وقت تتواصل فيه مشاريع تطوير الخدمات والمنصات الرقمية.

المشكلة في التكامل

وتخلص الدراسة إلى أنه سيكون من غير الدقيق اختزال تجربة المغرب في عبارة «فشل الرقمنة».

وتؤكد أن المغرب نجح فعلا في رقمنة عدد مهم من الخدمات، لكنه لم يحسم بعد واحدة من أصعب مراحل التحول الرقمي، وهي الانتقال من رقمنة خدمات وإجراءات بشكل منفصل إلى رقمنة الإدارة باعتبارها منظومة واحدة.

ويبرز الباحث أن الرقمنة الحقيقية، لا تبدأ بمجرد وضع استمارة على موقع إلكتروني، ولا تنتهي بإنشاء منصة جديدة.

ويتمثل الاختبار الحقيقي، وفق المنطق الذي تقترحه الدراسة، في سؤال بسيط: هل يستطيع المواطن أن يبدأ معاملته رقميا وينهيها رقميا، دون ورقة ودون تنقل غير ضروري ودون أن يضطر إلى تقديم معلومة تتوفر عليها إدارة عمومية أخرى؟

وتقول الدراسة، إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام إدارة رقمية فعلية. أما إذا كانت الإجابة لا، فنحن أمام إدارة تقليدية بواجهة إلكترونية.

وتكمن المعركة المقبلة للرقمنة في المغرب، بحسب خلاصات الدراسة، في الانتقال من تعدد المنصات إلى تكامل الأنظمة، ومن رقمنة الإجراءات إلى تحسين تجربة المواطن، ومن قياس عدد الخدمات الرقمية إلى قياس أثرها الحقيقي على جودة الخدمة العمومية.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية