مجتمع

باحثون: فيضانات القصر الكبير.. هل المنطقة مستعدة لـ “الخطر” المقبل؟

فيضانات القصر الكبير - الحقوق محفوظة
فيضانات القصر الكبير - الحقوق محفوظة
A A A A A

كشف باحثون أن فيضانات يناير وفبراير 2026، التي ضربت إقليم العرائش، خصوصا سهل اللوكوس ومحيط القصر الكبير، لم تكن مجرد حادث مناخي عابر، بل أبانت هشاشة ترابية متراكمة تجعل المنطقة معرضة لتكرار الفيضانات، وتطرح سؤالا مباشرا حول مدى استعدادها للفيضان المقبل.

الدراسة، المنشورة أمس (الثلاثاء)، في مجلة Land التابعة لـMDPI، اعتمدت صور الأقمار الصناعية Sentinel-1، ومعطيات التساقطات من CHIRPS، وبيانات الغطاء الأرضي من Dynamic World، لرسم خريطة امتداد الفيضان وتحليل تأثيره على الأراضي الزراعية قبل الكارثة وبعدها. وخلص الباحثون إلى أن المياه غمرت نحو 6660 هكتارا، أي ما يقارب 2.4 في المائة من مساحة إقليم العرائش، مع تمركز واسع على طول مجرى اللوكوس والسهل الفيضي المحيط بالقصر الكبير.

الشكل 2. صور فوتوغرافية لأحداث فيضانات 2026 بمدينة القصر الكبير (المصدر: [30] مجلة Land التابعة لـMDPI).
الشكل 2. صور فوتوغرافية لأحداث فيضانات 2026 بمدينة القصر الكبير (المصدر: [30] مجلة Land).

فيضانات استثنائية تكشف حجم الهشاشة

وتكشف المعطيات المطرية، التي اعتمدتها الدراسة حجم الاستثناء المناخي، الذي سبق الفيضانات. فقد بلغت التساقطات التراكمية 367.5 ملم في يناير و318.9 ملم في فبراير 2026، مقابل متوسط تاريخي للفترة نفسها لا يتجاوز 113 ملم و121.7 ملم على التوالي. وتزامن هذا الارتفاع الاستثنائي مع توسع سريع للمياه في الأراضي المنخفضة للحوض.

لكن الباحثين لا يختزلون حجم الأضرار في كمية الأمطار وحدها. فقد وجدوا أن جزءا مهما من الأراضي التي كانت تستعمل عادة للزراعة دخل موسم الأمطار وهي في حالة تربة مكشوفة، وهو وضع يمكن أن يزيد من جريان المياه السطحية ويحد من قدرة التربة على امتصاصها. وتربط الدراسة هذه الهشاشة أيضا بفقدان الأراضي الرطبة، والزراعة الموسمية المكثفة، وتأثير سنوات الجفاف على التربة.

آثار تتجاوز لحظة الفيضان

وتظهر المقارنة التي أجراها الباحثون بين صور الأقمار الصناعية، أن آثار الفيضان لم تختف بانحسار المياه. ففي المساحة التي غمرتها المياه، كانت الأراضي الزراعية تمثل 70.10 في المائة خلال ربيع 2025، لكنها لم تتجاوز 45.28 في المائة خلال ربيع 2026. وفي المقابل، ارتفعت المساحات المائية من 6.33 إلى 17.01 في المائة، فيما ارتفعت الأراضي العارية من 3.84 إلى 16.45 في المائة، بما يعكس استمرار آثار الغمر خلال الموسم الزراعي الموالي.

وفي إحدى المناطق القريبة من القصر الكبير، كانت المفارقة أكثر وضوحا. فقد بلغت نسبة الأراضي الزراعية قبل الفيضان 64.3 في المائة، قبل أن تصل نسبة المياه والنباتات المتضررة من الغمر إلى 64.4 في المائة بعد الفيضان. وحتى ربيع 2026، ظلت المياه تغطي 39.3 في المائة من المنطقة، ما يكشف أن بعض آثار الفيضان استمرت لأشهر بعد انتهاء الحدث الرئيسي.

وتضع الدراسة هذه النتائج في سياق تاريخي أوسع. فالقصر الكبير يقع داخل سهل منخفض ارتبط بالفيضانات منذ عقود، وتوثق الأدبيات التي استند إليها الباحثون ما لا يقل عن 12 فيضانا بين عامي 1936 و1951. كما أن إنشاء سد وادي المخازن سنة 1979 ساهم في الحد من مخاطر الفيضانات وتنظيم الموارد المائية، لكنه لم يلغ خطر الغمر في السهل السفلي للوكوس.

الشكل 1. منطقة الدراسة (AOI) — إقليم العرائش، شمال المغرب (المصدر: مجلة Land التابعة لـMDPI)
الشكل 1. منطقة الدراسة (AOI) — إقليم العرائش، شمال المغرب (المصدر: مجلة Land)

سؤال الجاهزية.. هل تغير شيء؟

ومن هنا تنتقل الدراسة من توصيف الفيضان إلى طرح سؤال تدبيري، أكثر إلحاحا: إذا كانت المنطقة معروفة تاريخيا بتعرضها للفيضانات، فهل جرى التعامل مع هذا الخطر بما يكفي على مستوى التخطيط واستعمالات الأراضي؟

ويرى الباحثون أن حجم عمليات الإجلاء التي شهدتها المنطقة في 2026، لا ينبغي فهمه باعتباره نتيجة لحدث طبيعي غير مسبوق، وإنما باعتباره تعبيرا عن هشاشة ترابية تراكمت عبر الزمن. لذلك، في نظر الدراسة، لا يتعلق السؤال فقط بموعد الفيضان المقبل، بل بما إذا كانت المنطقة ستكون أكثر استعدادا عندما يحدث.

وتقترح الدراسة في هذا السياق، تحديث خرائط مناطق خطر الفيضانات، واعتماد ممارسات زراعية تساعد على تغطية التربة، واستعادة أجزاء من الأراضي الرطبة القادرة طبيعيا على استيعاب المياه. كما تدعو إلى تحويل المعطيات التي توفرها الأقمار الصناعية إلى أداة عملية في التخطيط والوقاية، بدل الاقتصار على استخدامها في توثيق الأضرار بعد وقوع الكارثة.

الشكل 16. التوزيع المكاني لامتداد الفيضانات المستخرج بواسطة تقنية الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR) (المصدر: مجلة Land التابعة لـMDPI)
الشكل 16. التوزيع المكاني لامتداد الفيضانات المستخرج بواسطة تقنية الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR) (المصدر: مجلة Land)

الأقمار الاصطناعية.. من رصد الأضرار إلى الوقاية

وتمنح الدراسة للأقمار الصناعية دورا لافتا في هذا المسار، إذ تمكن صور Sentinel-1 الرادارية من رصد المياه حتى خلال الظروف التي تكون فيها السماء ملبدة بالغيوم والأمطار مستمرة، وهي ظروف تجعل كثيرا من تقنيات التصوير البصري أقل فاعلية أثناء الفيضان. وبذلك يمكن استعمال الرصد الفضائي لتحديد أماكن الغمر وتتبع تراجع المياه وتوفير معطيات دقيقة للتخطيط.

غير أن الباحثين يحذرون في المقابل من اختزال المسؤولية في عامل واحد. فالدراسة لا تثبت علاقة سببية مباشرة بين عنصر محدد وحجم الفيضان، وإنما ترى أن تداخل خصائص السهل المنخفض، وفقدان الأراضي الرطبة، والزراعة المكثفة، ووضعية التربة بعد سنوات الجفاف، وشروط تصريف المياه، كلها عوامل يمكن أن تزيد من هشاشة المنطقة أمام التساقطات الشديدة.

وتنتهي الدراسة إلى أن الأمطار الغزيرة ستظل قادرة على إعادة إنتاج الفيضانات في سهل اللوكوس، وأن ما يمكن تغييره هو مدى قدرة المجال على تضخيم آثارها أو امتصاص جزء منها. وبينما لا يمكن التحكم في توقيت الحدث المناخي المقبل، فإن تحديث خرائط الخطر، وتحسين استعمالات الأراضي، واستعادة الحواجز الطبيعية، وربط معطيات الأقمار الصناعية بالقرار العمومي، كلها إجراءات يمكن أن تحدد حجم الخسائر عندما ترتفع مياه اللوكوس مرة أخرى.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً