وشمل اختبار PISA 2025 أكثر من 760 ألف تلميذ في سن 15 سنة عبر 91 دولة واقتصاد، وركزت الدورة الحالية بشكل أساسي على العلوم، إلى جانب الرياضيات والقراءة. وتظهر النتائج الخاصة بالمغرب صورة مقلقة، إذ سجل التلاميذ المغاربة مستويات أداء أقل بكثير من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المواد الثلاث.
أرقام صادمة في المواد الثلاث
وجاء في التقرير، أنه في العلوم، وهي المجال الرئيسي لاختبار PISA 2025، لم يتمكن سوى 23 في المائة من التلاميذ المغاربة من بلوغ المستوى الثاني أو أعلى، مقابل 74 في المائة كمتوسط لدى دول OECD. وبعبارة أخرى، فإن نحو ثلاثة أرباع التلاميذ المغاربة لا يبلغون حتى الحد الأدنى من الكفاءة الذي تعتبره OECD أساسيا للتعامل مع المهام العلمية البسيطة.
ولا تتوقف الصورة عند هذا الحد، إذ تكاد تنعدم في المغرب نسبة التلاميذ الذين بلغوا المستويات العليا، أي المستويين الخامس والسادس، في العلوم، مقابل متوسط يبلغ 7 في المائة في دول OECD.
أما في الرياضيات، فالمؤشرات أكثر حدة. فقد بلغ مستوى الكفاءة الأساسي، أي المستوى الثاني أو أعلى، 16 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة، مقابل 65 في المائة في متوسط دول OECD. وتعني هذه النتيجة أن 84 في المائة من التلاميذ المغاربة المشاركين في الاختبار ظلوا دون المستوى الأساسي في الرياضيات. كما أن نسبة التلاميذ المغاربة الذين بلغوا المستويات العليا في الرياضيات، الخامس والسادس، تكاد تكون منعدمة، في حين يبلغ متوسط OECD نحو 8 في المائة.
وفي القراءة، تبدو الفجوة أكبر. فقد تمكن 13 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة من بلوغ المستوى الثاني أو أعلى، مقابل 69 في المائة في دول OECD. وبذلك فإن نحو 87 في المائة من التلاميذ المغاربة لم يبلغوا الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة وفق مقياس PISA.
أما الوصول إلى المستويات العليا في القراءة، فظل بدوره شبه منعدم في المغرب، مقابل متوسط يبلغ 6 في المائة لدى دول OECD.
تراجع جديد مقارنة مع 2022
ولا تكمن خطورة النتائج في تدني المستوى فقط، وإنما أيضا في أن أداء المغرب في دورة 2025 جاء أدنى من نتائج 2022 في الرياضيات والقراءة، بينما ظل الأداء في العلوم قريبا من مستواه السابق. وتوضح OECD أن النتائج المسجلة في 2025 كانت أدنى من نتائج 2018 في المواد الثلاث أيضا.
وبالمقارنة مع 2018، ارتفعت نسبة التلاميذ الموجودين تحت المستوى الثاني، أي ذوي الأداء الضعيف، بـ8 نقاط مئوية في الرياضيات، و14 نقطة في القراءة، و8 نقاط في العلوم. ما يعني بحسب التقرير، أن تدهور النتائج لا يظهر فقط في متوسط النقاط، وإنما أيضا في اتساع قاعدة التلاميذ الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من المهارات التي يقيسها الاختبار.
المغرب في ذيل التصنيف الدولي
وتكشف المؤشرات المقارنة الواردة في تقرير OECD أن المغرب يوجد ضمن الأنظمة التعليمية ذات الأداء الأضعف في الاختبارات الثلاثة، في وقت تصدرت فيه أنظمة تعليمية آسيوية النتائج الدولية.
وتوضح OECD أن الأنظمة التي حققت أعلى النتائج في المواد الثلاث شملت بكين وشنغهاي وجيانغسو وتشجيانغ في الصين وسنغافورة، إضافة إلى إستونيا واليابان وكوريا وماكاو والصين تايبيه والمملكة المتحدة ضمن أفضل الأنظمة أداء.
في المقابل، لم يتمكن المغرب من الاقتراب من متوسط OECD في أي من المجالات الأساسية التي يقيسها PISA، كما أن نسبة التلاميذ الذين يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاءة في المواد الثلاث تبقى محدودة للغاية.
ولا يقدم PISA ترتيبا واحدا يجمع المواد الثلاث في “رتبة عالمية” موحدة، بل يقارن الأنظمة التعليمية وفق نتائج منفصلة في العلوم والرياضيات والقراءة. لذلك فإن الأدق صحفيا هو الحديث عن وجود المغرب في المراتب الأخيرة في مؤشرات الأداء المختلفة، بدلا من اختزال النتائج في رقم ترتيبي واحد.
أكثر من نصف التلاميذ أقل حظا
وتكشف النتائج أيضا عن استمرار الارتباط بين الأداء الدراسي والوضع الاجتماعي والاقتصادي. ففي المغرب، ينتمي 54 في المائة من التلاميذ المشاركين في الاختبار إلى الربع الدولي الأدنى من حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وبلغ متوسط أدائهم في العلوم 345 نقطة، بينما يتفوق التلاميذ الأكثر حظا اجتماعيا واقتصاديا على الأقل حظا بفارق 55 نقطة في العلوم.
وتشير OECD إلى أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي يفسر 9 في المائة من التباين في الأداء العلمي لدى التلاميذ المغاربة، مقابل 12 في المائة في متوسط دول المنظمة.
ومع ذلك، تكشف النتائج عن وجود فئة من التلاميذ الذين تمكنوا من تجاوز أثر وضعهم الاجتماعي. فقد استطاع 16 في المائة من التلاميذ المحرومين اجتماعيا واقتصاديا بلوغ الربع الأعلى من الأداء العلمي داخل المغرب، وهي نسبة أعلى من متوسط OECD البالغ 12 في المائة.
المشكلة لا تتعلق بالتلاميذ وحدهم
ولا يرسم التقرير صورة قاتمة في جميع المؤشرات المرتبطة بالمدرسة. ففي المغرب، قال 73 في المائة من التلاميذ إن الأستاذ يبدي اهتماما بتعلم كل تلميذ في معظم حصص العلوم، بينما أفاد 76 في المائة بأن الأستاذ يواصل التدريس إلى أن يفهم التلاميذ، وقالت النسبة نفسها تقريبا إن المدرس يقدم مساعدة إضافية عند الحاجة. لكن الانضباط داخل الفصل يظل نقطة ضعف واضحة.
فقد قال 36 في المائة من التلاميذ المغاربة إنهم لا يستطيعون العمل بشكل جيد في معظم أو جميع حصص العلوم، مقابل 19 في المائة فقط في متوسط OECD.
كما أفاد 41 في المائة بأن الضجيج والفوضى يعطلان معظم أو جميع حصص العلوم، مقابل 31 في المائة في متوسط المنظمة، فيما قال 39 في المائة إن زملاءهم لا يستمعون إلى ما يقوله الأستاذ، مقابل 29 في المائة في دول OECD.
نتائج ثقيلة رغم الإصلاحات
وتأتي هذه النتائج في وقت ينفذ فيه المغرب منذ سنوات إصلاحات واسعة لمنظومة التعليم، من بينها خارطة الطريق 2022-2026، وتوسيع التعليم الأولي، وإطلاق مدارس الريادة، وإعادة النظر في تكوين المدرسين ومساراتهم المهنية.
وكانت OECD قد أشارت في تقييم سابق إلى أن المغرب رفع الإنفاق على التعليم من 4.7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2017 إلى 5.8 في المائة سنة 2022، متجاوزا متوسط OECD البالغ 4.3 في المائة. لكن المنظمة اعتبرت أن الموارد لم تعد تبدو العائق الرئيسي أمام تحسين النتائج، بالنظر إلى أن أداء التلاميذ المغاربة ظل أقل من أداء أنظمة تعليمية تنفق مستويات مماثلة لكل تلميذ.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة في ضوء نتائج PISA الجديدة: فالمشكلة لا تبدو مرتبطة فقط بحجم الإنفاق، وإنما بمدى قدرة المنظومة على تحويل الموارد والإصلاحات إلى تعلم فعلي داخل الفصل الدراسي.
توسع التمدرس.. لكن جودة التعلمات مازالت في الواجهة
وتلفت OECD في المقابل إلى عامل مهم عند قراءة النتائج المغربية، يتمثل في التوسع الكبير في الولوج إلى التعليم الثانوي. فبين 2018 و2025، ارتفع عدد الأطفال البالغين 15 سنة المؤهلين للمشاركة في اختبار PISA بأكثر من 30 في المائة، رغم بقاء عدد السكان في هذه الفئة العمرية مستقرا نسبيا.
وترى المنظمة أن هذا الارتفاع يعكس توسع الالتحاق بالتعليم الثانوي ودمج أعداد أكبر من التلاميذ المنحدرين من الفئات المهمشة في المنظومة التعليمية. وبالتالي، تحذر OECD من قراءة تراجع بعض النتائج بمعزل عن هذا التوسع، مشيرة إلى أن أداء الفئات الأكثر حظا اجتماعيا واقتصاديا ظل مستقرا في العلوم والرياضيات، بينما تراجع أساسا في القراءة. لكن هذه الملاحظة لا تغير حقيقة أن غالبية التلاميذ المغاربة المشاركين في PISA 2025 لم تبلغ المستوى الأساسي في المواد الثلاث.
وبينما تعكس الأرقام تقدما في توسيع قاعدة المستفيدين من التعليم، فإن التحدي الأكبر الذي تضعه نتائج OECD أمام المغرب يبقى واضحا: كيف يمكن الانتقال من توسيع الولوج إلى المدرسة إلى ضمان امتلاك أغلبية التلاميذ للمهارات الأساسية في القراءة والرياضيات والعلوم؟