حين تصبح السردية غنيمة
مغاربيات الثلاثاء حفيظ بوطالب نُشر في 15 شتنبر 2026 على الساعة 21:34 3 دقائق قراءة ترجمة وإعداد فريق التحرير 🇫🇷

حين تصبح السردية غنيمة

يتوقف هذا المقال عند سجال السرديات في المغرب الكبير، من التوتر الجزائري الإماراتي إلى الجدل الإسباني حول تجنيس صحراويين ولدوا قبل 1977. ويرى أن المنطقة ما تزال تواجه آثار روايات موروثة من الحقبة الاستعمارية وأخرى يعاد إنتاجها بصيغ جديدة.

A A A A A

شهد الأسبوع الماضي حدثان بارزان في منطقة المغرب الكبير. أولهما قطع العلاقات الدبلوماسية، وسط ضجيج كبير، بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة.

فمنذ أن وصف الرئيس عبد المجيد تبون الإمارات بـ«الدويلة»، في توصيف يحمل بوضوح دلالة تحقيرية، دأبت وسائل الإعلام الجزائرية، وصولا إلى المنابر التي تُعد ألسنة رسمية للنظام، على استخدام هذا الوصف للإشارة إليها.

وهو توصيف يبدو أشبه بإنكار لحق هذا البلد في الوجود، لكنه، قبل ذلك، إنكار لكل الإنجازات غير المسبوقة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي نجحت الإمارات في تحقيقها خلال فترة قياسية. إنه عمل هائل يرفض القادة الجزائريون الاعتراف به، رغم أنهم يتوفرون على المقومات نفسها التي امتلكتها الإمارات، من دون أن يتمكنوا من تحقيق نتائج مماثلة.

ولهذا الإنكار أصل يعود إلى ما عاشته الجزائر والشعب الجزائري في عمق تجربتهما ووعيهما الباطن، وهو ما سأطلق عليه «عقدة الأرض المباحة» أو terra nullius.

خلال الحقبة الاستعمارية، كان تعبير terra nullius يُستخدم للدلالة على أرض خالية ولا مالك لها، بما يبرر الاستيلاء عليها. وقد استُخدم هذا المنطق، خصوصا سنة 1830، لتبرير غزو الجزائر. وهو المنطق نفسه الذي عاد أخيرا إلى الظهور لدى التيارات المتطرفة في إسبانيا، التي تزعم أن المغرب لم يكن موجودا قبل سنة 1956، في محاولة للاستمرار في تبرير وجود الجيوب الاستعمارية في سبتة ومليلية وغيرها من «مناطق السيادة الإسبانية».

وهذا يقودني إلى الحدث الثاني الذي طبع الأسبوع. فقد صوّت البرلمان الإسباني على منح الصحراويين المولودين قبل سنة 1977 الحق في الحصول على جنسية المستعمِر السابق. وقد صفق البوليساريو لهذا القرار بحرارة، وهو ما يقول الكثير في حد ذاته. فمن الصعب، مثلا، تخيل منظمة التحرير الفلسطينية وهي تحتفي بتصويت في وستمنستر يمنح الفلسطينيين الجنسية البريطانية. والحقيقة أن البوليساريو ليست حركة تحرر، بقدر ما هي حركة تسعى إلى تكريس التقسيم الاستعماري للمنطقة.

وسبق هذا التصويت زخم إعلامي واسع في أوروبا بشأن أزمة الهجرة التي شهدها المغرب في نهاية يوليوز. وهي أزمة كشفت، بالفعل، حجم الشعور بالضيق واليأس الذي يعانيه جزء من شبابنا، لكنها كشفت أيضا استمرار بعض أسوأ الصور النمطية والسرديات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية داخل أوروبا. وتكتسي هذه الملاحظة أهمية أكبر بالنظر إلى أن المنطقة ليست في أول مواجهة لها ضمن ما يمكن وصفه بـ«حرب السرديات».

يكفي أن نتذكر معارك «الكسكس» أو «القفطان» على الإنترنت، أو الجدل حول أحقية المغرب في نسبة باب المغاربة الشهير في القدس إليه، وهي سجالات لم تكن، في نهاية المطاف، سوى مؤشرات على صدام أعمق: صدام السرديات الوطنية.

ونتذكر، على سبيل المثال، تصريح الكاتب الجزائري بوعلام صنصال الذي قال إن غرب الجزائر كان تابعا للمغرب، أو تصريح المرشح السابق للرئاسة الجزائرية رشيد نكاز، الذي زعم أن صومعة الكتبية «معلمة جزائرية» قائمة في قلب مراكش.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً