المغرب الكبير في المرآة
حفيظ بوطالب نُشر في 22 شتنبر 2026 على الساعة 20:50 4 دقائق قراءة ترجمة وإعداد فريق التحرير 🇫🇷

المغرب الكبير في المرآة

قبل استحقاق تشريعي حاسم بالمغرب، يسلط هذا المقال الضوء على جانب من الحصيلة الحكومية يرتبط بإكراهات إقليمية تتجاوز القرار المغربي. كما يتوقف عند تدهور العلاقات بين الرباط والجزائر وانعكاساته المتزايدة على تنقل مواطني البلدين.

A A A A A

قبل أيام قليلة من اقتراع تشريعي يبدو حاسماً في المغرب، وفي خضم الحملة الانتخابية بما تعنيه من لحظة لتقييم الحصيلة الحكومية، يجدر التذكير بجانب من هذه الحصيلة يظل، في معظمه، خارج إرادة المسؤولين المغاربة.

فإذا كان المغرب يواجه إكراهات بنيوية، من قبيل توالي سنوات الجفاف أو انتقال ديمغرافي متقدم لكنه لم يكتمل بعد، فإن إكراهات أخرى أكثر اصطناعاً ما تزال تثقل كاهل أهدافه التنموية.

ويتعلق الأمر، على وجه الخصوص، بأطول حدود مغلقة في العالم، وهي الحدود الفاصلة بين المغرب والجزائر؛ وبالملف الشائك المرتبط بالوحدة الترابية، الذي يظل معطلاً بسبب مواقف القادة الجزائريين الذين يستندون إلى مبادئ لا يطبقونها حتى داخل بلدهم؛ وبصورة أوسع، بغياب سوق مشتركة وأي اندماج إقليمي فعلي. وهنا أيضاً يصعب استبعاد مسؤولية صناع القرار في الجزائر.

فالمغرب الكبير يظل، بالفعل، من بين المناطق القليلة في العالم التي لا تستفيد من أي اندماج اقتصادي إقليمي فعلي. ففي مناطق أخرى، ساهم الاندماج في تسريع خلق الثروة، وتوسيع الأسواق، وتقاسم الجهود في مواجهة التحديات المشتركة. وحتى الصين، بما تملكه من نمو اقتصادي وبما يفوق 1,4 مليار مستهلك، تنخرط في سوق إقليمية واسعة عبر RCEP, le Regional comprehensive economic partnership.

وبالتالي، لا يمكن تقييم حصيلة المسؤولين المغاربة وفق المعايير نفسها المعتمدة في بلدان أخرى، ما دامت بعض إمكانات المملكة تظل رهينة بيئة إقليمية غير مواتية لها.

لكن المغرب يواصل التقدم من دون اجترار.

وإذا كان المحور المغاربي شرق-غرب، الرابط بين تونس والدار البيضاء مروراً بالجزائر، يبدو اليوم مشلولاً بشكل مستدام، بما لذلك من تبعات اقتصادية ومجالية مهمة على مدن الداخل في شمال شرق المغرب، من فاس إلى تازة ووجدة، فإن المحور الأطلسي شمال-جنوب ما يزال قائماً.

ومن ثم، يمكن لأي متابع متمرس أن يدرك الأهمية الاستراتيجية للكركرات، وأن يفهم بشكل أفضل المبادرات التي تصدر عن الجزائر من أجل عرقلة بروز استمرارية تجارية واستراتيجية جديدة تربط المغرب بغرب إفريقيا.

ومع ذلك، ورغم التدهور المتواصل في العلاقات بين الرباط والجزائر، ظل المغرب لوقت طويل حريصاً على ألا يؤدي المواطنون الجزائريون ثمن قرارات قادتهم. غير أن واقع العلاقات بين البلدين يبدو، منذ مدة قصيرة، وكأنه يلحق بمواطنيهما.

وخلال الأسبوع الماضي، انتشر خبر سريعاً على مواقع الإنترنت مفاده أن السلطات المغربية وجهت مذكرة إلى شركات النقل الجوي تطلب منها عدم السماح بصعود المسافرين الجزائريين الذين لا يتوفرون على بطاقة إقامة في المغرب.

ويستند هذا الخبر، على الخصوص، إلى ما أوردته شركة Air France. غير أنه، إلى حدود الآن، لا يبدو أن أي تواصل رسمي مغربي قد صدر لتأكيده. لكن بالنظر إلى حجم التناول الذي حظي به في وسائل الإعلام الجزائرية، يبدو أن الخبر صحيح.

وإذا تأكد هذا الإجراء، فإنه سيهم آلاف المواطنين الجزائريين الذين يتوجهون كل سنة إلى المغرب. كما أنه، على ما يبدو، لن يشمل حاملي جوازات السفر الأوروبية، حتى وإن كانوا من أصل جزائري. وهذه نقطة مهمة، لأن دورية 1994، التي جرى تعميمها عقب اعتداءات فندق آسني بمراكش، كانت تشمل آنذاك جميع المواطنين الجزائريين أو الأشخاص من أصل جزائري الموجودين في المغرب خلال غشت 1994.

ويرى البعض في هذا المعطى الجديد رداً مؤجلاً على فرض التأشيرة، في شتنبر 2024، على المواطنين المغاربة الراغبين في التوجه إلى الجزائر. كما يأتي ذلك بعد نحو عام من آخر نداء وجهه العاهل المغربي إلى القادة الجزائريين.

ذلك أن الملك محمد السادس، وإن كان قد تجنب هذه المرة الإشارة إلى الجزائر والمغرب الكبير في خطاب العرش لسنة 2026، فإنه لم يتوقف، منذ اعتلائه العرش سنة 1999، عن الدعوة إلى الحوار وإحياء اتحاد المغرب العربي، الذي ظل مشلولاً لعقود بسبب النزاع حول الصحراء المغربية.

وفي سنة 2021، ذهب العاهل المغربي، في خطاب بالغ الوضوح، إلى حد وصف البلدين بأنهما «بلدان شقيقان متكاملان»، داعياً نظيره الجزائري إلى حوار صريح من أجل تهدئة التوترات ومعالجة الخلافات القائمة بين الدولتين، واحداً تلو الآخر.

غير أن الرد الجزائري لم يفتح الباب أمام هذا المسعى.

حدود مغلقة، وأنبوب غاز مغلق، ومنع للتحليق في المجال الجوي، وقطع للعلاقات الدبلوماسية، واتهامات متكررة ضد المغرب: اللائحة اتسعت على مر السنوات. وهكذا تواصل الجزائر إطلاق مواقف غاضبة تنسبها، من دون وجه حق، إلى جارها، فيما ترد الرباط اليوم بضبط نفس لا يستبعد المعاملة بالمثل.

«كل ما جاوز حده انقلب إلى ضده»، هكذا ذكّر مؤخراً وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة.

أما المغرب، فقد بات يسجل الوقائع، ويرد، ويعيد إلى الجزائر، في المرآة، تبعات سياستها نفسها.

وعملياً، فإذا تأكد الإجراء الذي يستهدف المواطنين الجزائريين، فإنه سيمس أشخاصاً لا يتحملون بطبيعة الحال مسؤولية المواقف التي يتخذها قادتهم. لكنه سيعكس أيضاً واقعاً آخر يتمثل في اتساع اختلال التوازن في طريقة معاملة مواطني البلدين.

فالمغاربة مطالبون بتقديم تأشيرة لدخول الجزائر، ويشيرون بانتظام إلى صعوبات يواجهونها عند الوصول. كما توتر المناخ أيضاً مع بلدان أخرى في المغرب الكبير.

وفي سياق بات فيه الحوار السياسي شبه منعدم، تبدأ المعاملة بالمثل في الحلول محل الثقة.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً