المغرب الكبير بصيغة المؤنث
مغاربيات الثلاثاء حفيظ بوطالب نُشر في 7 أكتوبر 2026 على الساعة 19:53 4 دقائق قراءة ترجمة وإعداد فريق التحرير 🇫🇷

المغرب الكبير بصيغة المؤنث

تشهد بلدان المغرب الكبير صعوداً لافتاً للنساء إلى مواقع القرار السياسي، في تحول متدرج يعيد رسم موازين السلطة داخل واحدة من أكثر مناطق القارة محافظة. وبين التعيينات والانتخابات والإصلاحات المتراكمة، يبرز هذا المسار باعتباره أحد أبرز تحولات العقد الجاري.

A A A A A

يصعب تجاهل أبرز حدث عرفه الأسبوع على مستوى المنطقة بأكملها، والمتمثل في تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في المملكة المغربية من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

ولا يتعلق الأمر، في الواقع، بسابقة إقليمية. فقبل المنصوري، عرفت منطقة المغرب الكبير امرأتين ترأستا الحكومة، وكلتاهما من تونس: نجلاء بودن، وسارة الزعفراني التي تشغل المنصب حالياً.

غير أن ما يُحسب للمنصوري هو أنها تظل أصغر امرأة تُعيَّن في هذا المنصب، والأهم أنها أول من وصلت إليه بشكل غير مباشر عبر صناديق الاقتراع، ذلك أن الفصل 47 من دستور المملكة ينص على أن رئيس الحكومة يجب أن يكون من الحزب المتصدر للانتخابات. وبذلك تكون فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة عربية ومغاربية تتولى قيادة حزبها، وتقود الحملة التشريعية، ثم تفوز بالانتخابات وتحصد أكبر عدد من المقاعد لفائدة حزبها. إنها سابقة بكل المقاييس.

ومن باب التحلي بالإنصاف، وأيضاً تشجيعاً لمثل هذه المبادرات، تجدر الإشارة كذلك إلى خالدة بوفديش التي انتُخبت في يوليوز الماضي على رأس المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى في البرلمان الجزائري. وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الجزائر، كما أنها تحتل بحكم ذلك المرتبة الثالثة في ترتيب الخلافة الدستورية.

هنيئاً لكنّ، فقد رفعتن الراية، أو بالأحرى الرايات. ففي المغرب الكبير، بدأت النساء أخيراً يصلن إلى أعلى المناصب، وهي مناصب تنطوي على مسؤوليات فعلية وتقع في صلب السلطة. ولم يعد الأمر يقتصر على حقائب وزارية ذات طابع اجتماعي تُمنح بدافع الصورة أو مسايرة المعايير الدولية.

اليوم، باتت هؤلاء النساء يملكن وزناً موازياً لزملائهن الرجال داخل المشهد السياسي. فهن ينسجن خيوط التأثير نفسها، ويلقين خطباً وازنة، ويعتمدن على داعمين وفرق عمل تواكب أداءهن وتساند مبادراتهن.

في المحصلة، تبدو هذه التعيينات بمثابة أهم خطوة إلى الأمام شهدها المغرب الكبير خلال هذا العقد. وهو عقد لم يكتمل بعد، لكنه حمل في بداياته وعوداً كثيرة. يكفي التذكير بالحماس الذي رافق الحراك الجزائري وما أثاره من آمال بتهدئة إقليمية، أو الفرحة التي عمت المشجعين المغاربة عقب تتويج المنتخب الجزائري بكأس إفريقيا سنة 2019. غير أن هذا الزخم سرعان ما أُجهض بفعل نخبة سياسية هرمة ما تزال متشبثة بالسلطة في الجزائر.

ومع ذلك، فإن الكأس ليس نصفه فارغاً فقط. فوسط هذا الركود العام، يصبح المشهد أقل قتامة. ذلك أن النساء ينجزن ثورتهن الصامتة في واحدة من أكثر مناطق القارة الإفريقية محافظة. وبعد أن رسخن حضورهن منذ سنوات في سوق الشغل والفضاء العام، ها هن اليوم يبلغن مواقع المسؤولية. ومع توالي إصلاحات مدونات الأسرة والقوانين، وتطور العقليات، لم يعد تصور المرأة المغاربية المتحررة بالكامل من القيود التقليدية مجرد يوتوبيا.

غير أن هذا المسار لم ينطلق من فراغ، إذ كانت له أرضية قائمة سلفاً. ففي المغرب الكبير، وعلى خلاف ما هو قائم في مصر أو في بلدان الساحل المجاورة، لم تُمارَس عادة الختان ولا الرجم. كما تزخر الذاكرة الإقليمية بنماذج كثيرة لنساء أدين أدواراً مركزية في مجرى الأحداث. فالمرأة ظلت دوماً عماد الأسرة والدوار والدشرة، وحافظة للتقاليد.

وللرجل المغاربي نصيب في هذا المسار أيضاً. فحين تتحدث هؤلاء النساء بعد وصولهن إلى دائرة الضوء، فإنهن كثيراً ما يستحضرن آباءهن ويوجهن إليهم الشكر. آباء لم يلمسن لديهم تلك النظرة القاسية التي كن يعانين منها أحياناً في الفضاء العام، ولم يكونوا مطابقين لتلك الصور النمطية الجاهزة التي تُلصق كثيراً برجل وامرأة هذه الرقعة الواسعة من شمال إفريقيا.

وكيف يمكن الحديث عن الآباء من دون استحضار آباء الاستقلال، ودورهم الحاسم في تحرر النساء؟ وكيف لا يُستحضر، في هذا السياق، أبو استقلال المملكة، جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، الذي بادر منذ أربعينيات القرن الماضي إلى تحرير أميرات البلاط السلطاني، قبل أن يصبحن نموذجاً يُحتذى داخل المجتمع.

كما لا يمكن إغفال الدور الحاسم الذي اضطلع به الحبيب بورقيبة في ترسيخ صورة المرأة التونسية القوية والمتحررة، التي تعادل كلمتها كلمة الرجل.

لقد كان لهؤلاء الآباء حلمٌ مشترك، هو حلم مغرب الشعوب، الموحد والمتضامن في الفعل. وإذا كان هذا المشروع قد تعثر، فربما يكون إرثهم الحقيقي، وإرث الاستقلالات عموماً، هو أنهم فتحوا، كل بطريقته، درباً لتحرر ما فتئ يتقدم. ولعل التغيير الإقليمي المنشود سيأتي، في نهاية المطاف، من هذه الثورة الصامتة. إن شاء الله.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً