وفي خضم هذا الجدل، دافعت نبيلة جلال، رئيسة المجموعة النيابية لفيدرالية اليسار الديمقراطي، عن التصويت بالورقة البيضاء باعتباره تعبيرا ديمقراطيا ومؤسساتيا عن الامتناع عن تزكية أي من المرشحين، معتبرة أن هذا الاختيار يتيح للنائب ممارسة حقه في التصويت وتسجيل موقفه السياسي دون اللجوء إلى الغياب عن الجلسة أو مقاطعة العملية الانتخابية.
وانتقدت جلال، في تصريحها، ما اعتبرته خرقا مسطريا خلال تدبير جلسة انتخاب رئيس المجلس، مشيرة إلى أن الرئيس المؤقت لم يوضح، قبل انطلاق عملية التصويت، طريقة الاقتراع السري والمساطر المعتمدة، وهو ما اعتبرته إخلالا بالإجراءات القبلية المنظمة للعملية.
واعتبرت رئيسة المجموعة النيابية لفيدرالية اليسار، أن النظام الداخلي لمجلس النواب يقر آلية الاقتراع السري، ويتيح التمييز بين الأوراق البيضاء والأوراق الملغاة والأصوات المعبر عنها، بما يمنح الورقة البيضاء، وفق قراءتها، وضعا إجرائيا يعكس اختيار النائب عدم دعم أي من المرشحين.
وترى جلال أن التصويت بالورقة البيضاء، خصوصا خلال المحطات المفصلية المرتبطة بانتخاب رئيس المجلس وهياكله، يمثل موقفا سياسيا من الخيارات المطروحة، ويتيح للنواب التعبير عن عدم الاقتناع بمرشح معين، مع الحفاظ على حضورهم ومشاركتهم داخل المؤسسة التشريعية.
وفي السياق نفسه، اعتبرت سليمة فراجي، المحامية والنائبة البرلمانية السابقة، في منشور على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، أن موقف فيدرالية اليسار مفهوم من حيث التعبير عن عدم دعم أي من المرشحين، غير أن سلامة احتجاجها من الناحية القانونية تتوقف على إثبات أن النظام الداخلي يجيز احتساب الورقة البيضاء امتناعا مستقلا، لا مجرد ورقة غير محتسبة ضمن الأصوات الصحيحة.
وأضافت فراجي أن وصف الورقة بأنها ملغاة لا يكفي لإنهاء النقاش دون بيان السند الإجرائي لهذا التصنيف، مشيرة إلى أن الواقعة تبرز الحاجة إلى مزيد من الدقة في صياغة قواعد التصويت البرلماني، تفاديا للخلط بين حرية التعبير عن الموقف السياسي وقواعد احتساب الأصوات وإعلان النتائج.
سابقة 2016 تعيد النقاش إلى الواجهة

ويستحضر النقاش الحالي محضر إعادة التصويت على الحبيب المالكي خلال دورة أكتوبر 2016، الذي تشير المعطيات المقدمة بشأنه إلى تسجيل 137 ورقة بيضاء مقابل سبع أوراق ملغاة، ما يعيد طرح مسألة كيفية تصنيف الأوراق البيضاء في الممارسة البرلمانية.
وتكتسي هذه السابقة أهمية في النقاش الدائر حاليا، بالنظر إلى التمييز بين الأوراق البيضاء والأوراق الملغاة في نتائج تلك العملية. غير أن تحديد دلالتها القانونية يقتضي الرجوع إلى المحضر الرسمي الكامل، والتحقق من المصطلحات المعتمدة فيه والسند الإجرائي الذي استند إليه.
ماذا يقول النظام الداخلي لمجلس النواب؟
قانونيا، يظل التمييز بين الورقة البيضاء والورقة الملغاة في انتخاب رئيس مجلس النواب موضع نقاش، في ظل عدم الوقوف على مقتضى صريح في النظام الداخلي الحالي يحسم تصنيف الورقة البيضاء باعتبارها امتناعا مستقلا عن التصويت.
وبالعودة إلى النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2025، يحدد الباب الثالث من الجزء الثاني، المتعلق بأجهزة المجلس، القواعد المنظمة لانتخاب رئيس المؤسسة التشريعية. وتنص المادة 50 على تخصيص جلسة عمومية لانتخاب الرئيس في مستهل الفترة النيابية، ثم خلال السنة الثالثة عند دورة أبريل لما تبقى من الفترة المذكورة، فيما تحدد المادة 51 إجراءات تقديم الترشيحات والإعلان عنها قبل الشروع في التصويت. وتنص المادة 52 على انتخاب رئيس مجلس النواب عن طريق الاقتراع السري، مع تحديد القواعد المتعلقة بالأغلبية المطلوبة للفوز.
غير أن الإشكال المطروح في الجدل الحالي يتعلق بمدى وجود مقتضى صريح ضمن هذه المواد يحدد الوضع القانوني للورقة البيضاء، وما إذا كان ينبغي تسجيلها باعتبارها امتناعا مستقلا أو إدراجها ضمن الأوراق غير المحتسبة في تحديد الأصوات المحصل عليها من طرف المرشحين.
وفي السياق ذاته، يتضمن الجزء الرابع من النظام الداخلي، وتحديدا الباب الخامس المتعلق بمسطرة التصويت وضبط محاضر الجلسات العامة، المواد من 167 إلى 176. ويشكل هذا الباب مرجعا أساسيا لفحص القواعد الإجرائية المؤطرة للتصويت وتوثيق نتائجه، غير أنه لم يشر إلى الى كيفية احتساب الأوراق البيضاء، باستثناء المادة 173 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تنص على أنه يعبر عن المصادقة بلفظ “نعم”؛ وبعدم المصادقة بلفظ “لا”؛ وفي حالة االمتناع بلفظ “ممتنع”، غير أن ذلك لا يتعلق بالاقتراع السري.