تواصل قضية المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة بالمغرب، في توليد المزيد من ردود الأفعال، في ظل إعلانات حكومية تعد بدعم هذه الفئة وتسهيل ولوجها إلى الصفقات العمومية بنسبة 30 في المائة، ومواقف مهنية تنبه إلى أن الأزمة أعمق بكثير من التبريرات الرسمية المعلنة، مع تسجيل أرقام إفلاس وإغلاق قياسية وغير مسبوقة.
وجدد الإعلان الحكومي للوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري بشأن تخصيص 30 في المائة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين والتعاونيات السجال وسط أرباب المقاولات. وفي هذا الصدد، يؤكد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة والمتحدث، أن هذا الوعد ليس جديداً إطلاقاً، بل هو تكرار لسيناريوهات وتصريحات حكومية سابقة دون تطبيق فعلي على أرض الواقع.
وعد الـ30% من الصفقات العمومية
وأوضح الفركي في حديثه لـ”Lebrief عربي” أن الأصل التشريعي يعود إلى مرسوم نشر سنة 2013 والذي يقر تخصيص 20 في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جداً، وهو ما يطالب به المهنيون منذ أزيد من عشر سنوات عبر إصدار المراسيم التطبيقية المعطلة حتى الآن. وأشار إلى أن وزير المالية السابق، محمد بنشعبون، أعلن في ندوات صحفية منذ سنة 2019 عن إضافة نسبة 10 في المائة مخصصة للمقاولين الذاتيين والتعاونيات ليرتفع الرقم المعلن إلى 30 في المائة، وهو ما اعتبره الفركي مجرد “بوز إعلامي” وغير منطقي عملياً.
وتعود عدم منطقية هذه النسبة -بحسب الفركي- إلى أن السقف المالي للمقاول الذاتي (المحدد في 200 ألف درهم في الخدمات والصناعة، وسقف طلب السندات الذي رفع إلى 500 ألف درهم) لا يسمح له إطلاقاً بالولوج والمشاركة في الصفقات العمومية الكبرى، والتي تتطلب ضمانات مالية وكفالات وشروط تصنيف بمليارات السنتيمات تشترطها المؤسسات العمومية. ويرى الفركي أن إعادة طرح هذه الوعود والتصريحات اليوم “يعكس استمرار نفس المنطق الحكومي غير العملي، مؤكداً أن مطالب المهنيين واضحة ومحددة في تطبيق نسبة 20 في المائة العملية والمحصورة على المقاولات الصغرى ومتوسطة الحجم المضمونة بموجب القانون وتفعيل نصوصها التطبيقية”.
نزيف الإفلاس.. شركة تختفي كل 10 دقائق
في مقابل الوعود الرسمية، تعيش المقاولات الصغرى بالمغرب على وقع نزيف حاد وارتفاع متصاعد لمؤشرات الإفلاس والتوقف عن النشاط. فقد كشفت تقارير حديثة للكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة أن زهاء 150 ألف مقاولة اختفت بين عامي 2022 و2025، شكلت المقاولات الصغيرة جداً نسبة 99 في المائة منها، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 108% في معدلات الاختفاء.
وتعادل حالات الإغلاق المسجلة اختفاء شركة صغيرة جداً كل 10 دقائق في المغرب خلال سنة 2025. وقدرت الكونفدرالية عدد المقاولات المفلسة خلال سنة 2025 بـ 52 ألف حالة إفلاس بصنفيها المعنوي والشخصي، بينما سجلت بيانات مكتب “إنفوريسك” أزيد من 15 ألف حالة عجز قضائي ورسمي، إضافة إلى وجود نحو 300 ألف شركة غير نشيطة (من بينها 250 ألف شركة مصنفة كـ “نائمة” لدى مديرية الضرائب).
ولا يتجاوز عمر 70 في المائة من المقاولات الصغيرة جداً فترة 3 إلى 5 سنوات قبل مواجهة خطر التعثر والإغلاق. إذ لا تتعدى نسبة المقاولات الصغرى التي تتمكن من الولوج إلى التمويل البنكي 5 في المائة، بينما تفتقر 80 في المائة منها إلى حضور رقمي أو موقع إلكتروني، على الرغم من أنها تشكل أزيد من 97 إلى 98 في المائة من إجمالي النسيج المقاولاتي وتوفر الجزء الأكبر من فرص الشغل بالقطاع الخاص.

وتتداخل عدة أسباب هيكلية وظرفية في خنق المقاولات الصغرى بالمغرب، بحسب المهنيين، ومن بينها احتكار الصفقات العمومية، بحيث تذهب الاستثمارات العمومية الضخمة (التي تتجاوز 300 مليار درهم سنوياً) للشركات الكبرى بسبب شروط التصنيف وعدم تجزئة الصفقات، مما يضيع على المقاولات الصغرى نحو 60 مليار درهم سنوياً. وهناك أيضا أزمة السيولة وتأخر آجال الأداء، بحيث تتفاقم ديون المقاولات الصغرى الناتجة عن “المناولة” لدى الشركات الكبرى، مع تراكم مستحقات غير مسددة بحوالي 400 مليار درهم.
فضلا عن ذلك، هناك الضغط الضريبي والتمويلي، إذ يؤزم هذا الوضع توقف البرامج الحكومية كـ “انطلاقة” و”فرصة” دون تقديم بدائل، ورفع الضريبة على المقاولات الصغرى من 10% إلى 20%، إضافة إلى الفوارق في أسعار الفائدة البنكية التي تبلغ 5.22% للمقاولات الصغرى مقابل 4.74% للشركات الكبرى.
ويؤكد المهنيون أن إنقاذ النسيج المقاولاتي الوطني يتطلب إرادة سياسية حقيقية، تبدأ بإصدار المراسيم التطبيقية لمرسوم الصفقات العمومية، وتسهيل الولوج للتمويل، وتبسيط المساطر الضريبية.