قالت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن معالجة مسألة موقع الشباب في المجتمعات تتطلب مقاربة حقوقية شاملة تتجاوز مجرد نقل الخبرات إلى التبادل الفعلي والمشاركة الحقيقية في صياغة القرارات التي تؤثر على مستقبلهم.
وشكلت قضية إدماج الشباب في مراكز القرار وتجاوز أزمة الثقة المؤسساتية محور الكلمة التي ألقتها بوعياش، اليوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، بمناسبة ندوة لمؤسسة “كونيكتين كروب إنترناشونال” ومؤسسة “فريديرش نومان من أجل الحرية” تناولت موضوع “قيادة الشباب: من التجديد الجيلي إلى القيادة المؤثرة: الاستثمار في الشباب من أجل سلام دائم”.
تشخيص أزمة الثقة والتحديات الهيكلية
وأبرزت الكلمة أن النقاش حول القيادة الشبابية يأتي في سياق يتسم بتصاعد أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، وهي الأزمة التي تعكس شكوكاً عميقة في قدرة المؤسسات على العمل بإنصاف وفاعلية. وأوضحت أن اتساع التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع العمل متعدد الأطراف، والفجوة المستمرة بين التعهدات والنتائج، تزيد من حدة الإحباط لدى الفئات الشبابية التي تصطدم بعوائق متزايدة أمام الشغل والمشاركة والعدالة الاجتماعية.
وحذرت الكلمة من خطورة استغلال هذا السخط في تغذية الخطابات الفئوية وخطاب الكراهية والعنف والتضليل الإعلامي، مما يضع فضاءات الحوار والماضي المشترك أمام اختبارات صعبة في إفريقيا وأوروبا وغيرها من المناطق، مشددة على أن مواجهة هذه التحديات تقتضي إجابات قائمة على التربية، والحوار، وإعمال الحقوق على أرض الواقع.
من المشاركة الصورية إلى إعمال الحقوق
وطرحت بوعياش تساؤلين محوريين حول ما إذا كان التوجس الشبابي يستهدف القيم الموروثة ذاتها أم الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحرمهم من ثمارها، مؤكدة أن تطلعات الشباب المتصلين باستمرار بعالم المعرفة والمعلومات تمثل قوة دفع نحو التجديد إذا ما تم التعامل معها بجدية. ونبهت الكلمة إلى أن اقتراح فضاءات حوار دون الأخذ بمقترحات الشباب أو المحاسبة على نتائجها يكرس “المشاركة الصورية” التي تزيد من تآكل المشروعية المؤسساتية.
ودعت الكلمة إلى مراعاة تنوع أوضاع الشباب وتفاوت ظروف عيشهم، مع التركيز على المنهج الحقوقي الذي يتيح للفئات الأكثر بعداً عن مراكز القرار إيصال صوتها والتأثير الفعلي. ويستلزم هذا الاستثمار رفع العوائق التنظيمية، وضمان الوصول إلى التعليم والمعلومات الموثوقة، وتوفير قنوات تتيح تحويل الغضب والمطالب إلى ممارسة مواطنة مسؤولة وبناء حلول مشتركة.
القيادة الشبابية كدعامة للسلام الدائم
وشددت الكلمة على أن القيادة الشبابية ليست مفهوماً نظرياً بل واقعاً ملموساً يمارسه الشباب يومياً من خلال المبادرات الميدانية، والوساطة المحلية، والوقاية من التوترات، والتضامن المجتمعي، وهي ممارسات ترسي دعائم دولة القانون، والتماسك الاجتماعي، والسلام الدائم. وأكدت أن أزمة الثقة ليست قدرًا محتومًا، وأن التجديد الجيلي يظل قراراً سياسياً شجاعاً يستدعي تغيير الذهنيات، وفتح فضاءات التعبير والابتكار، وتقاسم المسؤولية في إدارة الشأن العام وصناعة المستقبل.