يتجه المغرب نحو إحداث تحول هيكلي في عقيدته الدفاعية واستراتيجيتها التسليحية، حيث لم يعد الرهان يقتصر على اقتناء الترسانات العسكرية الحديثة وتحديث التجهيزات القائمة، بل امتد ليرسي القواعد الأولى لصناعة دفاعية محلية. وتكشف المعطيات الواردة في مشاريع قوانين المالية المتتالية، ولا سيما مشروع قانون المالية لسنة 2027، عن قفزة استثنائية في الالتزامات المالية المخصصة لتمويل البرامج العسكرية وتوطين التصنيع العسكري، بما يعكس خياراً استراتيجياً ينقل المملكة من مرحلة الاعتماد على الاستيراد الخارجي إلى مرحلة توطين التكنولوجيا وتأمين السيادة الدفاعية الشاملة.
أبعاد الاستثمار الدفاعي
وفي تحليله لأسباب وتداعيات هذه القفزة الميزانياتية، يرى الباحث العسكري، محمد شقير، أن الزيادة في الميزانية العسكرية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً برغبة المملكة الأكيدة في توطين صناعتها العسكرية. وأوضح شقير في حديث مع “Lebrief عربي” أن هذا التوجه يتطلب استثمارات مالية وتكنولوجية ضخمة تهدف إلى تأسيس بنية تحتية قادرة على تصنيع معدات عسكرية حديثة ومترابطة، تتضمن الطائرات المسيّرة، والمركبات العسكرية المدرعة، وإنتاج قطع الغيار، فضلاً عن إنشاء مصانع متخصصة لصيانة الطائرات الحربية في عدد من المدن المغربية.
وأبرز الباحث العسكري أن هذا المسار الصناعي يسير بالتوازي مع تعاقد المغرب مع شركاء دوليين بارزين لاقتناء وتوطين منظومات دفاعية متطورة، وفي مقدمتها منظومة “باراك” الدفاعية ومنظومة “مقلاع داود”، إلى جانب تحديث الأسطول الجوي عبر اقتناء مروحيات هجومية متقدمة من طراز “أباتشي AH-64” ومقاتلات “F-16 Block 70/72″، فضلاً عن العمل المتواصل على تطوير قدرات البحرية الملكية من خلال اقتناء سفن وفرقاطات وزوارق حربية حديثة، وبحث إمكانية إدخال غواصات متطورة بالتعاون مع دول كبرى كفرنسا.
قفزة الميزانية الدفاعية والتخطيط المالي متعدد السنوات
واقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 رفع سقف الالتزامات المالية المخصصة للتعاقد بشأن اقتناء المعدات العسكرية وإصلاحها وتطوير الصناعة الدفاعية الوطنية إلى 190.5 مليارات درهم (ما يعادل نحو 19.41 مليار دولار). ويمثل هذا الرقم زيادة سنوية قياسية بنسبة 21.2% مقارنة بالمبلغ المأذون به في قانون المالية لسنة 2026 والبالغ 157.17 مليار درهم (16.01 مليار دولار)، مما يعكس مساراً تصاعدياً مستمراً لسقف الترخيصات المالية متعددة السنوات خلال نصف عقد.
وتعتمد المملكة في هذا التحول على آلية “سقف الترخيص بالالتزام المسبق” المنصوص عليها في المادة 36 من قانون المالية. ولا تعني هذه الآلية الإنفاق المباشر الفوري في سنة واحدة، بل تمنح إدارة الدفاع الوطني الهامش القانوني والمالي لإبرام عقود استراتيجية متعددة السنوات يجري تسديد اعتماداتها عبر قوانين المالية اللاحقة. وتتكامل هذه الالتزامات مع اعتمادات الأداء السنوية المخصصة للنفقات التشغيلية ورواتب الموظفين والاستثمارات المباشرة، إضافة إلى الحسابات الخاصة باقتناء وإصلاح عتاد القوات المسلحة الملكية وتطوير النسيج الصناعي العسكري الوطني.
تأسيس المناطق الصناعية العسكرية
وتتأسس استراتيجية توطين التصنيع العسكري بالمغرب على منظومة تشريعية ومؤسساتية متكاملة وفرت الضمانات القانونية والتحفيزات الاستثمارية للشركات الوطنية والدولية. ويشكل القانون رقم 10.20 الصادر في يوليوز 2020، مرسوماً تنظيمياً مفصلياً يحدد ضوابط وتراخيص تصنيع العتاد والتجهيزات العسكرية والأسلحة والذخائر، وينظم شروط الشراكة مع القطاع الخاص ونقل التكنولوجيا. وقسّم هذا الإطار القانوني الاستثمار الدفاعي إلى فئات تشمل الأسلحة الثقيلة والمعدات الكبرى، الأنظمة الإلكترونية وأجهزة الاستطلاع، وخدمات الصيانة والدعم اللوجستي.
وتعزز هذا البناء القانوني بإحداث شركة إدارة مناطق التسريع الصناعي للدفاع بموجب المرسوم رقم 2.24.1030 الصادر في يونيو 2025، يجمع بين وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية وشركة “ميدز” (MEDZ) التابعة لصندوق الإيداع والتدبير. وتغطي هذه المبادرة منطقتين صناعيتين بساحة إجمالية تبلغ 675 هكتاراً: الأولى بمنطقة النواصر على مساحة 75 هكتاراً بالقرب من القطب الصناعي للطيران بالدار البيضاء والمخصصة لصيانة الطائرات الحربية والأنظمة الإلكترونية المدمجة، والثانية بمنطقة سيدي يحيى الغرب على مساحة 600 هكتار والمخصصة للأنشطة الصناعية الثقيلة وتجميع المركبات وتصنيع الذخائر.
خارطة المشاريع الميدانية والشراكات التكنولوجية الدولية
تترجم الشراكات الدولية المعلنة في عدة مدن مغربية السرعة التي تنمو بها بذور التصنيع العسكري المحلي. وفي هذا الإطار، شهدت مدينة برشيد افتتاح مصنع المركبات المدرعة بالتعاون بين مجموعة “تاتا” الهندية وشركة “ميتلونيكس” المغربية لتصنيع مدرعات القتال الرباعية والثمانية الدفع (WhAP 8×8) الموجهة للقوات المسلحة ولأسواق التصدير الإفريقية. وعلى مستوى الطيران العسكري، تم إنشاء قطب صيانة الدفاع بالقاعدة الجوية ببنسليمان على مساحة 15 ألف متر مربع بالشراكة بين “لوكهيد مارتن” الأمريكية و”سابينا أيروسبيس” البلجيكية وشركة “مينتونونش أيرو ماروك”، لتنفيذ أعمال الصيانة الثقيلة والإصلاح لمقاتلات “F-16” وطائرات “C-130 هيركوليز”.
وفي مجال الأنظمة الذكية والمسيّرة، أثمر التعاون مع شركة “بايكار” التركية عبر شركة “أطلس دفاع” إقامة وحدة تصنيع مجهزة لتجميع وإنتاج الطائرات المسيّرة من طرازي “بيراكتار TB2″ و”أكينجي”. كما أسست شركة “بلو بيرد” الإسرائيلية وحدة إنتاج محلية في بنسليمان لتصنيع الدرونات الانتحارية الذكية من طراز “SPY-X”، في حين وقّع المغرب اتفاقية مع شركة “هارماتان AI” الفرنسية خلال معرض مراكش للطيران لتطوير وتصنيع طائرة “IRIFI” المسيّرة ذاتياً والمجهزة بمدى عملياتي يصل إلى 2000 كيلومتر، مما يعزز نقل التكنولوجيا وتأمين سلاسل الإمداد.
الأهمية الاستراتيجية والأبعاد الاقتصادية للسيادة الدفاعية
تتجاوز أهداف توطين الصناعة العسكرية الأبعاد الميدانية المباشرة لتصب في عمق رؤية الدولة للسيادة الوطنية. وينسجم التوطين مع التوجيهات الملكية لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية في القطاعات الحيوية، مما يضمن استمرارية التزود بالذخائر وقطع الغيار بعيداً عن تقلبات سلاسل التوريد الدولية. وثانياً، يسهم إحداث مراكز الصيانة المحلية في عقلنة تكاليف دورة حياة التجهيزات (MRO)، وخفض الفاتورة المالية بالعملة الصعبة من خلال توطين القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
ويستفيد القطاع الدفاعي من البنية الصناعية المدنية المتطورة بالمغرب في قطاعي السيارات والطيران، واللذين يمتلكان شبكة واسعة من الموردين المؤهلين لتصنيع القطع ذات الاستعمال المزدوج. ثم يتيح هذا القطاع خلق وظائف نوعية عالية القيمة واستقطاب الكفاءات الهندسية الشابة في مجالات الميكانيكا المتقدمة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. وأخيراً، يمهد توطين التصنيع والصيانة الطريق أمام المملكة للتموقع كمركز تصديري وإقليمي يعزز الشراكات العسكرية مع الدول الإفريقية والحليفة.