تذكروا ما جرى قبل أربع سنوات، حين تم وضع قطر في قفص الاتهام. ارتفعت دعوات المقاطعة باسم البيئة، واشتدت موجة التنديد، عن حق، بشأن حقوق الإنسان. أما اليوم، فيسود صمت إعلامي لافت. فمونديال 2026 يستعد لإطلاق أكثر من تسعة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من ضعف انبعاثات نسخة قطر. لكن الغضب الإنساني يبدو انتقائيا.
وأصبح دخول الملعب اليوم مرتبطا بجواز السفر. ولنأخذ حالة عمر أرتان، الذي اختير أفضل حكم إفريقي، لكن تم منعه من دخول الأراضي الأمريكية رغم توفره على تأشيرة قانونية. ومثله، يواجه صحافيون ومسؤولون وآلاف المشجعين القادمين من إفريقيا والشرق الأوسط جدارا إداريا يصعب تجاوزه.
ويعود ذلك إلى أن البلد المضيف، خلافا لما جرى في النسخ السابقة، يفرض قوانينه الخاصة، فيما تلتزم الفيفا، التي تبدو خائفة من القضاء الأمريكي منذ فضيحة «فيفا غيت»، الصمت. بل نقلت إدارتها القانونية إلى ميامي، في سابقة تاريخية تكشف بوضوح الجهة التي تمسك فعليا بزمام الأمور.
اقرأ أيضا: مونديال (U)S.A.
وتبرز أيضا فجوة اقتصادية لافتة. فقد تحولت «رياضة الشعب» إلى آلة مالية قاسية. ومن دبلوماسية الممرات بين جياني إنفانتينو ودونالد ترامب، إلى الحصيلة الكربونية التي يجري التعتيم عليها، نفكك هنا نظاما تسحق فيه سيادة الدول، أو على الأقل سيادة الولايات المتحدة، قواعد الفيفا وتعيدها إلى حجمها الحقيقي. إنها نظرة إلى قلب مونديال فقد روحه، رغم واجهته الاحتفالية.
الفيفا أمام سطوة السيادة الأمريكية
لطالما تم تقديم الفيفا بوصفها كيانا فوق الدول، وقوة عابرة للحدود قادرة على فرض شروطها حتى على أكثر الحكومات تشددا، من أجل تنظيم عرسها الكروي الكبير. لكن في عام 2026، يبدو أن ميزان القوى انقلب إلى حد بعيد.
ولأول مرة في التاريخ الحديث لكرة القدم، تبدو الهيئة الدولية النافذة وكأنها وجدت من يفرض عليها كلمته. وهذا الطرف يتحدث الإنجليزية، ويتخذ من واشنطن مقرا له، ولا ينوي التراجع خطوة واحدة.
في النسخ السابقة، كان «عقد البلد المضيف» يعد مقدسا. وسواء تعلق الأمر بروسيا أو البرازيل أو قطر، كانت الدول تنصاع، أحيانا من خلال ترتيبات قانونية معقدة، لمتطلبات الفيفا المتعلقة بضمان حرية تنقل مختلف الفاعلين في البطولة. أما في عام 2026، فقد فرضت الولايات المتحدة شروط الدخول إلى أراضيها من دون تفاوض فعلي مع زيورخ.
ولنأخذ ملف التأشيرات. يقول الرياضي والمدرب عزيز داودة لـ «لوبريف»: «عادة، تشترط الفيفا تمكين كل شخص معتمد، سواء كان لاعبا أو حكما أو مسؤولا، من دخول أراضي البلد المضيف. هذه هي القاعدة الأساسية. لكن في هذه الحالة، تطغى السيادة الأمريكية على كل شيء».
ويشكل ملف عمر أرتان، الذي تم فرض دخوله إلى الولايات المتحدة، أبرز رموز هذا التراجع. فلم تستطع الفيفا فعل شيء، أو الأسوأ من ذلك، أنها لم تقل شيئا.
ولا يتعلق الأمر بحالة معزولة. فقد عوملت وفود كاملة، من بينها الوفد الإيراني، بوصفها تهديدا أمنيا، لا رياضيين من المستوى العالي. بل ذهبت السلطات الأمريكية إلى حد تقييد إقامة الإيرانيين على أراضيها بـ 48 ساعة فقط بين المباريات.
وبحسب المتخصص الرياضي، لا يتعلق الأمر بالضرورة بخرق كامل للالتزامات الموقعة مع الفيفا، وإنما بمخالفة للأعراف المعتادة. ويوضح: «يتعين على البلد استقبال منتخب دولة لإجراء مباراة، وهذا ما يجري تطبيقه. أما بقية الوقت، فيمكن أن يقيم الفريق في المكسيك».
ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم على هذا الواقع بالقبول أو الرفض. فالولايات المتحدة تعرف كيف تستفيد من دقة الصياغات، كما أن أي دولة جادة، وخصوصا القوة العالمية الأولى، لن تتخلى عن مقتضيات أمنها الداخلي من أجل جياني إنفانتينو.
الفيفا تحت الضغط: استسلام ميامي
لكن لماذا كل هذا الصمت؟ ولماذا تنحني الفيفا أمام الولايات المتحدة، وهي التي اعتادت توقيف اتحادات وطنية بدعوى «التدخل السياسي» ؟ يمكن تلخيص الجواب في كلمة واحدة: الخوف. وهو خوف عميق يعود إلى أكثر من عشر سنوات، وتحديدا إلى زلزال فضيحة «فيفا غيت».
تذكروا كيف وجهت الأجهزة الأمريكية ضربة قاصمة إلى المنظمة في قلب زيورخ. ومنذ ذلك التاريخ، تبدو الفيفا، وفق عدد من المراقبين، «مرعوبة» من القضاء الأمريكي. فهي تدرك أن وزارة العدل الأمريكية ما زالت تحتفظ بملفات يمكن إعادة فتحها في أي وقت. وعندما توجد أمور تستدعي المساءلة، يفضل كثيرون التزام الهدوء.
ويتمثل أبرز رموز هذا الخضوع في نقل الإدارة القانونية للفيفا من زيورخ إلى ميامي. ورسميًا، يقال إن الهدف هو الاقتراب من سوق أمريكا الشمالية، لكن الخطوة تبدو عمليا أقرب إلى استسلام كامل.
فمن خلال نقل مستشاريها القانونيين إلى الأراضي الأمريكية، تضع الفيفا نفسها طوعا تحت رقابة الجهات نفسها التي سبق أن وصفتها بأنها تنظيم ذو طابع مافيوي.
وكأنها تقر بضعفها، لم تعد الهيئة الدولية تشعر بالأمان في سويسرا، وتسعى إلى تقديم ضمانات على «حسن السلوك» إلى جهة قد تتحول مستقبلا إلى خصمها القضائي.
وفي قمة هذا الاختلال في موازين القوة، تبرز الصداقة المثيرة للجدل بين جياني إنفانتينو ودونالد ترامب. فلم يعد الأمر يتعلق بدبلوماسية رياضية تقليدية، وإنما بتقارب سياسي واضح.
فقد ظهر رئيس الفيفا علنا على متن طائرة ترامب الرئاسية، وشارك في وفود رسمية لا علاقة لها بكرة القدم، كما حدث خلال اتفاقات أبراهام أو مفاوضات وقف إطلاق النار في مصر.
ولم يعد إنفانتينو يخفي هذا التقارب، إذ تأخر لساعات عدة عن مؤتمر عام للفيفا لأنه كان برفقة «صديقه دونالد».
وباختصار، اختارت الفيفا موقعها. فهي تتبنى خطاب «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا». ووصل الأمر إلى مواقف تثير الاستغراب، حين دعم رئيس الفيفا فكرة إنشاء «كأس للسلام» مرتبطة باسم ترامب، وهي مبادرة تثير تساؤلات كثيرة بالنظر إلى التدخلات العسكرية الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم.
ويخلق هذا القرب تفاوتا واضحا في المعاملة. فلو أن بلدا آخر منع حكاما معتمدين من الدخول أو هدد منتخبات متأهلة، لرفعت الفيفا صوتها ولوحت بالعقوبات. أما مع الولايات المتحدة، فالشعار هو: «يجب أن يستمر العرض».
وهكذا، تحولت الفيفا إلى واجهة سياسية، فيما تكتفي المكسيك وكندا بأدوار ثانوية في التنظيم، بينما تمسك واشنطن بالخيوط الأساسية.
وفي النهاية، يكشف مونديال 2026 واقعا واضحا. فهو يبين أن المنظمات الرياضية الدولية لا تملك، من حيث الأصل، أي شرعية ديمقراطية في مواجهة البرلمانات الوطنية.
وقد تفرض الفيفا تدقيقا في مرافق الملاعب، وتطالب بفنادق فاخرة في بلدان العالم الثالث بنبرة متعالية، لكنها تعود إلى حجمها الحقيقي بمجرد عبور الأطلسي.
لقد ذكرت الولايات المتحدة بأن الدولة لا تخضع للفيفا، وإنما الفيفا هي التي تعتمد على إرادة القوى الكبرى. وبقبولها تجاوز قواعدها الخاصة من دون اعتراض، سواء تعلق الأمر بمبدأ عدم التمييز أو بحق الولوج الشامل إلى المنافسة، تكون الفيفا قد كرست نهاية تصور معين لكرة القدم العالمية. فقد استبدلت استقلالها بهدوء قضائي ظاهري.
ازدواجية المعايير في مونديال 2026
إنها قصة غضب انتقائي تترك مرارة واضحة. ففي عام 2022، كانت كأس العالم في قطر، على الأرجح، الحدث الرياضي الأكثر تدقيقا وتحليلا وإخضاعا للأحكام الأخلاقية في التاريخ المعاصر.
فالإعلام الغربي، والمسؤولون السياسيون، والمنظمات غير الحكومية، جميعهم كتبوا وعلقوا ونددوا. وتم تقديم ذلك المونديال بوصفه «اختبارا أخلاقيا» دائما.
لكن بعد أربع سنوات، ومع تراكم التجاوزات نفسها، أو ما هو أسوأ منها، في نسخة 2026، يبدو أن عددا كبيرا من الوعاظ الإعلاميين فقدوا أصواتهم.
اقرأ أيضا: ازدواجية المعايير
ولنبدأ بالملف الأكثر حساسية: البيئة. تذكروا الضجة التي أثيرت حول الملاعب المكيفة في الصحراء، والتي وصفت بأنها «عبث بيئي».
وقد خلف مونديال 2022 نحو 3,8 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون. أما في عام 2026، فتتجاوز التقديرات تسعة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من الضعف، ما يجعله رسميا المونديال الأكثر تلويثا في التاريخ.
الأمر، ببساطة، مسألة حساب. ففي عام 2022، كانت المباريات تجرى داخل مساحة تعادل تقريبا جزيرة كورسيكا، وكان من الممكن حضور أكثر من مباراة من دون الحاجة إلى السفر جوا. أما في عام 2026، فتجري التنقلات عبر قارة كاملة، مع رحلات داخلية متكررة بين مكسيكو وتورونتو ودالاس ونيويورك.
وتمثل تنقلات المشجعين وحدها نحو 90% من الانبعاثات. ومع ذلك، أين دعوات المقاطعة التي أطلقها «المدافعون عن البيئة» وارتفعت أصواتها عام 2022 ؟ لقد حلت التقارير المتحمسة عن البنيات التحتية الأمريكية محل العناوين التحذيرية التي تحدثت آنذاك عن «كأس العالم النفطية».
وينطبق الأمر نفسه على ملف الفساد. فقد أسال منح قطر حق تنظيم المونديال الكثير من الحبر، لكن لماذا يتراجع هذا التدقيق عندما يظهر جياني إنفانتينو علنا إلى جانب دونالد ترامب، بل ويشارك في وفود سياسية؟
أما ملف العمال المهاجرين، فربما يمثل الجانب الأكثر إيلاما في هذه الازدواجية. فقد تكرر رقم «6500 وفاة» في قطر باستمرار، رغم أنه يشمل، وفق هذا الطرح، جميع وفيات العمال المهاجرين خلال عشر سنوات وبمختلف الأسباب.
لكن عند النظر إلى الأرقام الفيدرالية الأمريكية، نجد أن أكثر من خمسة آلاف عامل يلقون حتفهم سنويا في حوادث الشغل داخل الولايات المتحدة. وهي حصيلة سنوية تفوق عدد الوفيات المنسوبة مباشرة إلى أوراش ملاعب مونديال قطر طوال فترة بنائها. ومع ذلك، لا أحد يطالب بارتداء شارة «حب واحد» للتنديد بهشاشة أوضاع العمال الأمريكيين.
وماذا عن سياسة الهجرة؟ تتعرض وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، المكلفة بمراقبة الحدود، لانتقادات منتظمة من منظمات دولية بسبب مراكز الاحتجاز، وفصل أفراد الأسر، وعمليات الترحيل الواسعة.
في عام 2022، كانت مسألة الحريات العامة تهيمن على مختلف النقاشات. أما في عام 2026، فتظل هذه الوقائع هامشية في التغطية الإعلامية، ولا تظهر أحيانا إلا عبر بعض شبكات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك».
وفي النهاية، لا تعزز هذه المعاملة المختلفة سوى الاعتقاد السائد في العالم العربي والإفريقي والإسلامي بوجود عنصرية وإسلاموفوبيا مقنعتين خلف الخطاب الأخلاقي. فعندما تقع المشكلات في الغرب، توصف بأنها «اختلالات ظرفية»، بينما تقدم عيوب بلدان الجنوب بوصفها عيوبا ثقافية وبنيوية.
وهذا ما يظهر أيضا في قضية التأشيرات. فالحكم الصومالي عمر أرتان، والصحافيون الفلسطينيون، والمشجعون الغانيون والإيرانيون الذين أوقفوا عند الحدود، كلهم ضحايا سياسات هجرة تمييزية. ولو حدث الأمر في مكان آخر، لتم اعتباره انتهاكا لقواعد الفيفا التي تمنع أي تمييز على أساس الأصل الوطني. لكن هنا، يسود الصمت.
ويبدو مونديال 2026 مرشحا لأن يكون الأكثر تمييزا، والأقل مراعاة للبيئة، والأكثر ارتباطا بشبهات الفساد في التاريخ. لكن ما دام العرض مستمرا، وما دام مشجع كرة القدم مستعدا لمواجهة أسعار من قبيل عشرة دولارات مقابل قنينة ماء، فإن الصمت الإعلامي يبدو ثمنا يدفع مقابل الوصول إلى السوق الأمريكية.
قضية عمر أرتان: حين تمنع النخبة من الدخول
إنها الصورة التي كان من المفروض أن تتصدر الصفحات الأولى للصحف الرياضية في مختلف أنحاء العالم، لكنها لم تثر الضجة المتوقعة.
فقد تم منع عمر عبد القادر أرتان، الذي اختير أفضل حكم إفريقي عام 2025، وهو محترف في قمة عطائه واختارته الفيفا رسميا لإدارة مباريات خلال هذا المونديال، من دخول الأراضي الأمريكية.
وكان الرجل يتوفر، مع ذلك، على تأشيرة قانونية.
غير أن «القائمة السوداء» التي وضعتها إدارة دونالد ترامب طالته. وبالنسبة إلى واشنطن، لا يهم أن تكون من بين أفضل حكام العالم أو موفدا رسميا من الاتحاد الدولي. فإذا كنت صوماليا، فأنت تهديد محتمل.
وهكذا، تطغى السيادة الأمنية للولايات المتحدة على التزامات الفيفا الرياضية. فالبلد المضيف يفترض أن يستقبل جميع المشاركين المتأهلين، لكن هذه القاعدة الأساسية انهارت في عام 2026.
غير أن عمر أرتان لا يمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. فالمعطيات التي توصلنا إليها تكشف عن تضييق إداري يطال بصورة ممنهجة عددا من دول الجنوب.
ولنأخذ وفد السنغال مثالا. فعند وصوله، خضع اللاعبون وأفراد الطاقم لتفتيش وصف بأنه مهين ومفرط، وبعيد عن البروتوكولات المعتادة المخصصة للرياضيين من المستوى العالي. والمفارقة أن المنتخب نفسه الذي احتج بصوت مرتفع خلال كأس إفريقيا للأمم في المغرب لأسباب أقل خطورة، يلتزم الصمت اليوم.
وفي حالة أخرى، وجد النجم العراقي أيمن حسين نفسه عالقا سبع ساعات طويلة في أحد المطارات، كما لو كان مهاجرا غير نظامي، لا رمزا رياضيا وطنيا.
أما حالة إيران، فهي على الأرجح الأكثر تطرفا. فالسلطات الأمريكية، المنخرطة في مواجهة مفتوحة مع طهران، فرضت قيودا لافتة، إذ لن يسمح، بحسب المعطيات المتداولة، لأعضاء الوفد الإيراني بالبقاء أكثر من 48 ساعة على الأراضي الأمريكية بين مباراتين.
ومن السهل تصور أثر ذلك في التحضير البدني للاعبين. كما ندد مسؤولون في الاتحاد الفلسطيني بعراقيل كبيرة اعترضتهم لمجرد الوصول إلى أماكن إقامتهم.
وبالنسبة إلى الجماهير، تحول الحلم إلى كابوس بيروقراطي. فإذا كنت فرنسيا أو كنديا، يمكنك التنقل بسهولة. أما إذا كنت مشجعا من غانا أو الكوت ديفوار أو السنغال، فأنت أمام مسار مليء بالعراقيل. وتتوالى حالات رفض التأشيرات، غالبا من دون تبرير واضح، سوى ما يرتبط بالأصل الوطني.
وحتى أعضاء الأطقم والصحافيون المعتمدون لم يسلموا من ذلك. فقد اضطرت الحكومة الغانية إلى اللجوء إلى القضاء الكندي للطعن في رفض منح التأشيرة لبعض أعضائها.
وهكذا نصل إلى وضع عبثي: أشخاص دفعوا آلاف الدولارات مقابل التذاكر والرحلات، ثم يتم منعهم في اللحظة الأخيرة من دخول البلد بسبب إدارة لا تعير اهتماما للضمانات المقدمة إلى الفيفا.
إنها قطيعة تاريخية. ففي السابق، كانت الدول المضيفة تحترم دفتر التحملات الذي يلزمها بتسهيل دخول جميع المتفرجين الحاملين لتذاكر. أما في عام 2026، فقد ذكّرت الولايات المتحدة الجميع بأنها تتصرف كما تشاء داخل أراضيها.
صمت الفيفا أمام انتهاك ست قواعد أساسية
أمام هذا الوضع، ماذا تفعل الفيفا؟ لا شيء تقريبا. فصمت جياني إنفانتينو يبدو واضحا . ومع ذلك، يؤكد عزيز داودة أن ست قواعد أساسية على الأقل من قواعد الفيفا تتعرض حاليا للانتهاك بسبب سياسات التأشيرات الأمريكية:
المادة الثالثة من النظام الأساسي، المتعلقة باحترام حقوق الإنسان.
المادة الرابعة، التي تمنع صراحة جميع أشكال التمييز على أساس الأصل الوطني.
مبدأ الولوج الشامل بالنسبة إلى الحكام والمسؤولين.
حرية التنقل بالنسبة إلى وسائل الإعلام المعتمدة.
الضمانات الحكومية الموقعة عند إسناد تنظيم المونديال.
مبدأ الإنصاف في معاملة الدول المشاركة.
وكانت الفيفا على علم بوجود هذه المخاطر، كما سبق لمنظمات غير حكومية أن حذرتها منها. لكنها فضلت غض الطرف، وربما كانت منشغلة أكثر بنقل مكاتبها إلى ميامي لإرضاء شركائها الجدد.
وبالسماح للولايات المتحدة بانتقاء المشاركين، تكون الفيفا قد كرست نهاية كرة القدم باعتبارها «رياضة عالمية».
ففي عام 1936، وتحت النظام النازي، تمكن الأمريكي من أصل إفريقي جيسي أوينز من دخول ألمانيا والمشاركة في الألعاب الأولمبية. أما في عام 2026، وفي «أكبر ديمقراطية في العالم»، فيمنع حكم صومالي أو مصور عراقي من الدخول بسبب جنسيته.
مونديال للأثرياء؟
بين أسعار التذاكر، وكلفة المعيشة في عين المكان، ومتطلبات الفيفا، أصبح الحدث أغلى كأس عالم في التاريخ.
ولنبدأ بأسعار التذاكر. ففي هذه النسخة، فرضت الفيفا أسعارا وصفها كثير من المشجعين بأنها «فاضحة». لكن الأكثر إثارة هو أن الهيئة الدولية تنظم بنفسها شكلا من أشكال التحكم في السوق عبر منصات إعادة البيع.
إنه نظام غير مسبوق يعطي الانطباع بأن الفيفا تدير سوقها الموازية الخاصة من أجل تعظيم أرباحها.
غير أن ذروة هذا المنطق تظهر داخل الملاعب. تخيلوا حرارة خانقة، والفيفا تفرض «فترات انتعاش» لحماية اللاعبين، أو ربما لإفساح المجال أمام فواصل إعلانية على طريقة نهائي كرة القدم الأمريكية، فيما يشعر المشجع بالعطش.
هل أحضرت قارورتك القابلة لإعادة الاستعمال؟ للأسف، ذلك غير مسموح.
فللمرة الأولى، منعت الفيفا المتفرجين من إدخال أوعيتهم الخاصة، حتى وإن كانت فارغة، من أجل التزود بالماء من نقاط الشرب. والهدف هو دفعهم إلى شراء قنينات الماء البلاستيكية داخل الملعب بسعر عشرة دولارات للقنينة الواحدة.
وهكذا،يتم خلق الحاجة من خلال منع الحل المجاني، ثم تجنى عائدات البيع الإجباري كاملة. ويقول عزيز داودة: «هذا ما يسمى بالليبرالية، والولايات المتحدة تطبقه على مدار السنة. فالتجار أحرار في اعتماد الأسعار التي يرونها مناسبة».
ويضاف إلى ذلك ثمن الإقامة. فسلاسل الفنادق الأمريكية، التي خاب أملها أحيانا بسبب معدلات إشغال أقل من المتوقع، رفعت الأسعار بشكل كبير. ويجري الحديث عن غرف يبلغ سعرها ألف دولار لليلة الواحدة.
وبالنسبة إلى مشجع قادم من بلد متوسط الدخل، وخصوصا من إحدى الدول الإفريقية المتأهلة، تصبح الرحلة شبه مستحيلة.
دافعو الضرائب أمام فاتورة فانكوفر
لكن إذا كنتم تعتقدون أن هذه الأموال تعود كلها بالنفع على المدن المضيفة، فالأمر ليس كذلك بالضرورة. وهنا تظهر الفخاخ التي تواجهها الجماعات المحلية.
ولنأخذ مثال كندا، وبالتحديد مدينة فانكوفر. فبحسب تحقيقات محلية، ستكون الفاتورة التي سيتحملها دافعو الضرائب باهظة جدا. والسبب أن الفيفا تفرض دفتر تحملات مكلفا، وتطالب ببنيات فاخرة وإجراءات أمنية ضخمة، فيما تحتفظ لنفسها بالعائدات.
ومرة أخرى، لا ينطبق ذلك بالضرورة بالطريقة نفسها على الولايات المتحدة.
عائدات التذاكر؟ تذهب إلى الفيفا.
العائدات التجارية والرعاية؟ للفيفا أيضا.
أرباح الماء المباع بعشرة دولارات؟ تعود إلى الفيفا كذلك.
أما المدن المضيفة، فتجد نفسها أمام فواتير التنظيف والأمن والتهيئة.
ويُسوَّق للرأي العام خطاب يتحدث عن «انعكاسات اقتصادية» مذهلة، لكن الواقع أن هذه الدراسات غالبا ما تطلبها الفيفا نفسها من مكاتب استشارية تقدم للزبون النتائج التي يرغب في سماعها.
ويصرح عزيز داودة: «دونالد ترامب لم يقع في هذا الفخ. فإذا أتيتم إلى الأراضي الأمريكية، فعليكم أداء الضرائب، ولن تذهب جميع الأرباح إلى الفيفا».
الرياضة على الطريقة الأمريكية
هل كل ذلك صادم فعلا؟
في الواقع، لا. فبحسب المتخصص، تمثل الرياضة في الولايات المتحدة صناعة فرجة قبل كل شيء. فالأمريكيون لا يعيشون كرة القدم أو كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية بالطريقة نفسها السائدة في أماكن أخرى، وإنما يستهلكون عرضا ترفيهيا مستعدين لدفع مبالغ كبيرة مقابله.
ويختصر عزيز داودة الأمر بقوله: «ذهبنا إلى الأمريكيين لنعيش الرياضة على الطريقة الأمريكية. والرياضة على الطريقة الأمريكية هي هذا العرض المكلف».
ويفسر هذا المنطق ارتفاع أسعار التذاكر والإقامة والخدمات المرتبطة بكأس العالم. ففي نظام ليبرالي معلن بالكامل، بل ويجري التفاخر به، تتكيف الأسعار مع مستوى الطلب. وعندما يرتفع الإقبال، ترتفع معه التعريفات.
وهذا ما يفسر كيف يمكن لفنادق يبلغ سعرها عادة بضع مئات من الدولارات أن تصل إلى آلاف الدولارات خلال الحدث.
ويذكّر عزيز داودة أيضا بالفارق الهائل بين اقتصاد الرياضة الأمريكية واقتصاد الفيفا. فعلى سبيل المقارنة، تحقق رابطة كرة القدم الأمريكية للمحترفين وحدها نحو 23 مليار دولار من رقم المعاملات سنويا.
وفي المقابل، تأمل الفيفا في تحقيق ما بين 11 و13 مليار دولار على امتداد دورة من أربع سنوات تشمل كأس العالم.
ويعتبر عزيز داودة أنه «لو وضعت الفيفا داخل المشهد الرياضي الأمريكي، فستبدو في النهاية صغيرة جدا».
ووفق رأيه، يفسر هذا التفاوت سبب عدم تكييف الولايات المتحدة قوانينها مع المتطلبات المعتادة للفيفا. فالمونديال يدخل إلى منظومة رياضية شديدة القوة، مبنية حول ملاعب خاصة ينبغي استئجارها لأنها لا تعود إلى الدولة، وامتيازات رياضية، وصناعة ترفيه تتجاوز عائداتها بكثير مداخيل الهيئة العالمية لكرة القدم.
إنه نموذج يظل فيه نهائي كرة القدم الأمريكية المرجع المطلق، وتبدو فيه حتى أكبر مسابقة كروية في العالم، من الناحية المالية، مجرد… لاعب صغير.