يواجه المغرب اليوم تحولات متسارعة. وفي هذا السياق، يصبح ترميم الثقة بين المواطنين والمؤسسات ضرورة ملحة لمستقبل البلاد الديمقراطي. ومن هذا المنطلق، نظم حراك ضمير مائدة مستديرة فكرية بعنوان: «مسارات تجديد اليسار».
ولم يقتصر هذا النقاش العمومي على مجرد مراجعة ذاتية حزبية، بل سعى إلى مساءلة قدرة مجمل المشهد السياسي المغربي على إنتاج أفكار مبتكرة وتقديم أجوبة عملية ومقنعة لتطلعات السكان، ولا سيما الشباب.
ضرورة مصالحة تاريخية وتحديات المستقبل
خلال هذا اللقاء، أعادت نبيلة منيب، النائبة عن الحزب الاشتراكي الموحد، وضع مسار اليسار المغربي في عمقه التاريخي ونضالاته المؤسسة. وذكّرت بالدور التاريخي لهذا التيار، المنخرط بقوة في حرب التحرير الوطني ومشروع بناء مغرب ديمقراطي وسيد ومنتج للثروات الموزعة بشكل عادل.
غير أن هذا المشروع عرف انقطاعات كبرى، خصوصا منذ منتصف ستينيات القرن الماضي مع تدخل المؤسسات المالية الدولية والتفكيك التدريجي للمدرسة العمومية. وبالنسبة إلى النائبة، فقد جرى استهداف المنظومة التعليمية، التي كانت تحمل في السابق الروح الوطنية ومثال التقدم، بشكل متعمد لكبح بروز وعي نقدي.
واليوم، وأمام «مركب مالي واقتصادي وعسكري وتكنولوجي عالمي» يفرض منطقه على المستوى الكوني، لم يعد بإمكان اليسار الاكتفاء بأدوات قديمة. وتؤكد نبيلة منيب على استعجالية «عفو عام ومصالحة تاريخية» مع المناطق والسكان المهمشين. كما أن تجديد الفكر اليساري يجب أن يمر عبر امتلاك الأدوات الرقمية الجديدة والذكاء الاصطناعي، لكن أساسا عبر العودة إلى الميدان.
وفي وقت تهدد فيه الأتمتة العالمية بتدمير ملايين مناصب الشغل، بات من الضروري أن يتحالف اليسار مع الحركات الاجتماعية من أجل طرح نموذج يقوم على القضاء على الأمية، والدعم المكثف للبحث العلمي، والحفاظ على البيئة، وإعادة الاعتبار للخدمات العمومية في الصحة والتعليم.
اقرأ أيضا:حراك ضمير: اليسار يسلك طريق تجدد سياسي
تشخيص الأزمة ومحاور إعادة التأسيس النظري
من جهته، قدم عبد الرحيم بنسار، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، تحليلا نسقيا لأزمة اليسار المغربي الراهنة. ورافضا أي جلد ذات عقيم، شدد على أن هذه الأزمة ليست خاصة بالمغرب، بل ناتجة عن تداخل معقد لعوامل موضوعية وذاتية.
فعلى المستوى الموضوعي، بات اليسار يتحرك اليوم داخل بيئة معولمة ومفرطة في الفردانية، حيث أدى تطور شبكات التواصل الاجتماعي إلى تحويل العمل الجماعي، وتقليص أثر البنيات الحزبية التقليدية، وإضعاف العمل النقابي.
أما على المستوى الذاتي، فيعاني اليسار من انقسامات داخلية، ومن تراجع قاعدته الفكرية لصالح منطق انتخابي صرف، ومن انكفاء على العمل المؤسساتي على حساب النضال الميداني.
وبالنسبة إلى عبد الرحيم بنسار، فإن تجديد اليسار لا يمكن أن يتم من دون ترسيخ صارم في جدلية النظرية والممارسة. فالفكر يجب أن يوجه الفعل، فيما يتعين على الممارسة أن تختبر المفاهيم وتطورها. ومن هذا المنطلق، دعا إلى فتح أوراش كبرى للبحث العلمي والدراسات المعمقة حول قضايا حاسمة تنتظر أجوبة واضحة.
ومن بين هذه الأولويات تبرز القضية الوطنية المرتبطة بمشروع الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة، وتحليل التحولات الجديدة في عالم الشغل، مثل العمل غير المهيكل والهشاشة الرقمية والبطالة البنيوية لدى الشباب، ودراسة تطور البرجوازية المغربية في مواجهة الرأسمالية العالمية، إلى جانب الإدماج الحتمي للعدالة المناخية في النضال الاجتماعي.
ويتمثل الهدف النهائي من هذا التجديد في القطع مع العزلة الحزبية من أجل بناء تحالفات واسعة حول مشروع مجتمعي تقدمي قادر على تعديل موازين القوى لصالح الديمقراطية.
فخ المؤسسات والعودة الضرورية إلى القاعدة
أخيرا، قدم عمر لحياني، عضو المكتب السياسي لفيدرالية اليسار الديمقراطي، مقاربة عملية ركزت على المشاركة المؤسساتية والديناميات الانتخابية. وعند تناوله أزمة الثقة التي تضرب المؤسسات، أشار إلى اختلالات نظام المشاركة، مستشهدا بكون جزء مهم من الهيئة الناخبة يبقى خارج اللوائح أو يمتنع عن التصويت.
وبالنسبة إليه، يتحمل اليسار مسؤولية مباشرة في هذا الانفصال، إذ يتعين عليه الاستثمار بكثافة في الفضاء العام، وشبكات التواصل الاجتماعي، والشارع من أجل تعبئة الشباب المؤمن بالقيم التقدمية، والذي لا يجد ترجمة سياسية لتطلعاته.
كما قدم عمر لحياني نقدا بنّاء بخصوص دور اليسار داخل المؤسسات. فرغم أن دستور 2011 يمنح الأحزاب السياسية صلاحيات مهمة لتوجيه السياسات العمومية، سواء في الجبايات أو الصحة أو الصناعة أو التعليم، فإن واقع السلطة يظل في كثير من الأحيان متركزا خارج الآليات الحكومية التقليدية. وأمام هذا المعطى، يرى ممثل فيدرالية اليسار الديمقراطي أن المشاركة في المؤسسات من دون ميزان قوى اجتماعي فعلي تؤدي حتما إلى العجز أو الاندماج السلبي.
وعلى اليسار المغربي، وهو اليوم في وضع من الضعف والتشتت، أن يتوقف عن التركيز فقط على سباق المقاعد الوزارية إذا لم تكن لديه الوسائل لفرض برنامجه. كما يصبح من الضروري العودة إلى الأساسيات، وإعادة بناء النسيج التنظيمي انطلاقا من القاعدة، وإعادة الأمل إلى المواطنين من خلال معارضة شجاعة ومسموعة ومرتكزة بقوة على الوقائع اليومية للسكان.
وتسلط هذه المائدة المستديرة التي نظمها حراك ضمير الضوء على قناعة مشتركة مفادها أن تجديد اليسار المغربي لا يمكن أن يتم من دون نقد ذاتي عميق، نظريا وعمليا. ومن خلال الرؤى المتقاطعة لقياداته، يتضح أن مستقبل هذا التيار السياسي مرتبط بقدرته على تجاوز انقساماته الداخلية والتحرر من إطار مؤسساتي يبدو أحيانا مشلّا.