تتواجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مرحلة مفصلية زاخرة بالملفات الثقيلة والتحديات الهيكلية التي تترقبها المؤسسات والشارع المغربي على حد سواء. وتفرض هذه الظرفية الاستثنائية على الجهاز التنفيذي صياغة رؤية تنموية صلبة قادرة على الموازنة الدقيقة بين تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاستجابة لمتطلبات التحول الاقتصادي والجاهزية المؤسساتية.
يستهدف هذا التقرير تفكيك ومسح أبرز 10 قضايا كبرى ستبصم المشهد السياسي والمؤسساتي المغربي في الأشهر القادمة، مع تحديد المترتبات الاستراتيجية والرهانات التنفيذية الكفيلة بضمان النجاح الميداني لكل ملف. ويتطلب التشخيص الشامل التقويم المباشر للتحديات الاقتصادية والمالية التي تقع في صدارة أولويات الأجندة الحكومية.
1: معضلة البطالة وتشغيل الشباب
تظل معالجة أرقام البطالة المتصاعدة، خصوصاً في صفوف حاملي الشهادات والشباب، التحدي الاجتماعي والاقتصادي الأبرز المطروح على طاولة الحكومات المتعاقبة. إن استمرار الضغط في سوق الشغل يحوّل هذه المعضلة من مجرد مؤشر رقمي إلى اختبار حقيقي لمدى نجاعة الخيارات التنموية والقدرة على امتصاص الاحتقان الاجتماعي.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لعام 2026 إلى أن معدل البطالة الوطني يتأرجح بين 9.5% و10.8%، متأثراً بالتحولات الهيكلية وجفاف الموسم الفلاحي، إلا أن هذه النسب العامة تخفي تفاوتات عميقة تُبرز حدة الأزمة لدى الفئات الشابة والأكاديمية. إذ تواصل بطالة الشباب (من 15 إلى 24 سنة) تسجيل مستويات ناتجة عن هشاشة سوق الشغل تتجاوز 27%، في حين تصيب البطالة حوالي 16.7% من حاملي الشهادات العليا و19.1% عموماً بين أصحاب المؤهلات. ويعكس هذا المشهد معضلة سوق الشغل المحلي القائمة على عدم التوافق البنيوي بين مخرجات التكوين الجامعي ومتطلبات النسيج الاقتصادي، مما يجعل فئة الشباب المؤهل الأكثر تأثراً بالصدمات الاقتصادية والدورية.
ويكمن التحدي المطروح على طاولة الحكومة الجديدة في إطلاق برامج ومبادرات مبتكرة لتحفيز الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل المستدامة. ويرهن هذا التوجه نجاح السياسة العمومية بنقل سوق الشغل من الحلول المؤقتة إلى الاستيعاب الهيكلي للطاقات الوطنية، بما يضمن تأمين الدخل وتحصين الاستقرار المجتمعي.
2: ضغوط التضخم وحماية القدرة الشرائية
يأتي الضغط المستمر للتضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية في صدارة اهتمامات المواطنين، حيث يلقي الغلاء بتبعاته المباشرة على المعيش اليومي لفئات واسعة من المجتمع. وتضع هذه الوضعية التوازنات المعيشية أمام مخاطر انكماشية تمس التماسك الاجتماعي بشكل مباشر.
وتظهر التقديرات الرسمية الصادرة عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط انفراجاً نسبياً في الضغوط التضخمية بالمملكة، حيث يرتقب أن يستقر معدل التضخم الإجمالي عند حوالي 0.7% إلى 1.1% على أساس سنوي، بعد الصدمات التضخمية العنيفة التي سجلت ذروتها التاريخية بـ 6.6% وارتفاعات قياسية في أسعار المواد الغذائية تجاوزت 15%.
ورغم هذا الاستقرار الرقمي والتباطؤ الملحوظ في مؤشر أسعار المستهلكين، إلا أن تباعات موجات الغلاء الممتدة ما تزال تضغط بشدة على القدرة الشرائية للأسر، لاسيما لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ إذ تركز الحكومة استراتيجيتها لحماية القدرة الشرائية على سياسات الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية واستمرار مخصصات صندوق المقاصة، في محاولة للحد من النزيف الاجتماعي الناجم عن تراكم تكاليف المعيشة وارتفاع المواد الأساسية.
لهذا ستكون الحكومة أمام تحدي اتخاذ تدابير ملموسة وعاجلة لحماية القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة، مع تفعيل آليات الرقابة للضرب على أيدي المضاربين ومواجهة الاختلالات في الأسواق.
3: تنزيل قانون المالية والإكراهات الميزانياتية
تشكل المصادقة على مشروع قانون المالية 2027 الامتحان المباشر الأول لأغلبية حكومة المنصوري، حيث تترجم الميزانية العامة الاختيارات السياسية إلى التزامات مالية محددة. وتختبر هذه المحطة قدرة الحكومة على إدارة الهوامش الميزانياتية المتاحة في ظل تقلبات الظرفية الوطنية والدولية.
وتتطلب إدارة هذا الملف حلاً لمعادلة دقيقة تتمثل في التوفيق بين التوافقات والالتزامات الاجتماعية الكبرى للبلاد، وبين الإكراهات الميزانياتية المتعلقة بضبط تقليص عجز الميزانية والسيطرة على مستويات المديونية. وإن النجاح في هذه المعادلة يضمن الاستدامة الماليّة دون المساس بحقوق الفئات الأكثر هشاشة.
4: الفاتورة الطاقية وتسريع التحول الاقتصادي
تفرض الفاتورة الطاقية عبئاً ثقيلاً ومباشراً على الاقتصاد الوطني والميزانية العامة في ظل التذبذبات والتقلبات المستمرة التي تشهدها الأسواق الدولية. ويضع هذا العبء السيادة الاقتصادية للبلاد أمام ضغوط متزايدة تؤثر على التوازنات المالية الكبرى.
وتتطلب الحكامة الطاقية تسريع أجندة الانتقال الطاقي، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة، وتأمين الإمدادات بأسعار معقولة تضمن تنافسية القطاعات الإنتاجية. وتتكامل هذه الخطوات الاقتصادية المباشرة مع التوجه نحو الاستثمار الممتد في أوراش الدولة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
5: استكمال ورش الدولة الاجتماعية
تكتسي مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية الملكي أهمية استراتيجية قصوى لترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية. ويمثل هذا الورش التحولي الركيزة الأساسية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي وتوفير شروط العيش الكريم لكافة المواطنين.
وتتحدد المحاور العملية لهذا الملف في استكمال تعميم التعويضات العائلية، وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية، وتفعيل برنامج الدعم المباشر للسكن والسكن الاجتماعي. وتظل نجاعة هذه المبادرات مشروطة بضمان الاستدامة المالية طويلة المدى لضمان استمرارية الخدمات بنفس الجودة.
6: إشكاليات الإجهاد المائي والأمن الغذائي
تفرض موجات الجفاف المتتالية واقعاً معقداً يهدد الأمن المائي والغذائي للمملكة، ما يجعل ملف الإجهاد المائي قضية استراتيجية مصيرية. ويؤثر هذا التحدي بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي والتنمية القروية.
إذ يواجه المغرب تحدياً بنيوياً متفاقماً يرتبط بالإجهاد المائي والأمن الغذائي جراء توالي سنوات الجفاف وشح التساقطات؛ حيث تراجعت حصة الفرد السنوية من الموارد المائية المتاحة من نحو 2,500 متر مكعب في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 600 متر مكعب حالياً، وهو ما يضع البلاد تحت عتبة “الندرة المطلقة للماء” المحسوبة عالمياً بـ 500 متر مكعب.
ورغم التحسن الدوري النسبي الذي قد تسجله حقينة السدود بتجاوز نسب الملء الكلية عتبة 60% في بعض المواسم الاستثنائية، إلا أن القطاع الفلاحي—الذي يستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية الوطنية ويساهم بحوالي 12% إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي—يبقى الأكثر تضرراً، مما أدى إلى تقليص المساحات المزروعة بالحبوب وتراجع المحاصيل الأساسية وتراجع القطيع الوطني من الماشية.
وتتجسد التدابير العملية العاجلة في التدبير العقلاني للموارد المائية، وتسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر للوصول إلى طاقة إنتاجية تتجاوز 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2030، ومواصلة مشاريع ربط الأحواض المائية، لضمان تأمين السيادة الغذائية الوطنية، وتعميم السقي الموضعي، لإعادة التوازن بين كفاءة الموارد المائية واستدامة الإنتاج الفلاحي الوطني.
7: إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية
يحتاج قطاعا الصحة والتعليم إلى نفس حكومي جديد قادر على معالجة الاختلالات الهيكلية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية التي تعيق جودة الخدمات العمومية. ويشكل الرفع من كفاءة العنصر البشري والمؤسساتي مدخلاً رئيساً لإنجاح هذا التوجه.
وتضع الأجندة الاجتماعية للحكومة إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية في صدارة أولوياتها الاستراتيجية، حيث تُراهن عبر تعبئة ميزانية إجمالية غير مسبوقة تناهز 140 مليار درهم للقطاعين على تحقيق نقلة نوعية ملموسة في جودة الخدمات العمومية. ففي القطاع الصحي، تستهدف الحكومة سد العجز البنيوي في الموارد البشرية عبر إحداث أزيد من 8,000 منصب شغل جديد سنوياً للوصول إلى هدف إدماج أكثر من 30 ألف طبيب و65 ألف ممرض، بالتوازي مع تفعيل المجموعات الصحية الترابية وتأهيل أزيد من 1,400 مركز صحي للقرب لضمان تكافؤ الفرص في العلاج وإنجاح تعميم التغطية الصحية الشاملة لـ 22 مليون مستفيد.
أما في القطاع التعليمي، فتركز الخطة التنفيذية على رفع الاستثمارات لتصل ميزانية القطاع إلى نحو 97.6 مليار درهم، بهدف توسيع نموذج “مدارس الريادة” ليشمل آلاف المؤسسات الابتدائية والإعدادية وتخفيض الهدر المدرسي بنسبة 30%، إلى جانب إحداث 19,000 منصب شغل سنوياً للطقوم التربوية وتعزيز شبكة “مدن المهن والكفاءات” لملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل الحديث.
8: تدبير الاستعدادات للتظاهرات الرياضية الكبرى
يدخل المغرب مرحلة حاسمة باحتضانه استحقاقات دولية وقارية كبرى في صدارتها كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وتضع هذه المواعيد العالمية القدرة التنفيذية والمؤسساتية للمملكة تحت أنظار المجتمع الدولي.
ويفرض هذا الالتزام ضغطاً مكثفاً لتسريع إنجاز البنى التحتية، وتطوير الشبكة الطرقية، وتجهيز الفنادق، وتنفيذ مشاريع التحديث الحضري والتجهيز ضمن الآجال المحددة. وتتطلب هذه المخططات الميدانية توفير الاستقرار والتوافق الحكومي لإنجاح الرهانات الوطنية.
9: الحوار الاجتماعي وإصلاح أنظمة التقاعد
يعتلي ملف الحوار الاجتماعي صدارة القضايا الحساسة المطروحة على طاولة الشركاء الاجتماعيين والنقابات، حيث يمثل المحك الفعلي لتثبيت السلم الاجتماعي والحفاظ على مناخ الإنتاج.
وتتمثل المترتبات العملية في تنزيل ما تبقى من اتفاقيات الحوار الاجتماعي، وصياغة صيغ توافقية لإصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس والاستدامة المالية، وتجنب تأجيج الاحتقان الاجتماعي. وتنعكس القدرة على إدارة هذا التفاوض على منسوب الثقة السياسية والمؤسساتية الشاملة.
ويعكس الإسناد الصريح لملف “الحوار الاجتماعي” ضمن المهام الرسمية للقطاع الوزاري المكلف بالتشغيل رغبة حكومية واضحة في مأسسة هذا الورش وتحويله من مجرد لقاءات موسمية للتشاور إلى آلية تدبير استراتيجي دائمة ومستقرة.
إذ يمكن أن يهدف هذا التحديد إلى صون السلم الاجتماعي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر إيجاد قناة رسمية ومستمرة للتفاوض الثلاثي الأبعاد بين الحكومة، والشركاء الاجتماعيين (النقابات الأكثر تمثيلية)، والأرباب والفاعلين الاقتصاديين. ومن شأن هذه الخطوة أن تُسهم في تسريع إنجاز التعهدات الاجتماعية، والبت في الملفات المطلبية الحساسة مثل تحسين الأجور ومراجعة قوانين العمل وحق الإضراب، مما قد يجعل الحوار الاجتماعي محركاً رئيساً لبناء التوافقات الكبرى وضمان نجاح التوازنات الاجتماعية والاقتصادية بالمملكة.
10: إعادة الثقة في الوساطة السياسية وتقوية المؤسسات
وأخيرا وليس آخرا، تواجه حكومة أول سيدة ترأس الجهاز التنفيذي بالتاريخ المغربي، رهاناً أخلاقياً وسياسياً استثنائياً يتجاوز التدبير اليومي إلى إثبات نجاعة الحكامة المؤسساتية. وتضع هذه التجربة التاريخية الأداء الحكومي تحت مجهر تقييم الفاعلية والرصانة التنفيذية.
إذ ستكون الحكومة أمام تحدي محاربة العزوف السياسي، والرفع من منسوب ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات، والتفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وتُشكل هذه المبادئ القواعد الموجهة لاستشراف المسار المستقبلي لعمل الحكومة.
وتمر إعادة الثقة في الوساطة السياسية وتقوية المؤسسات في عهد الحكومة الجديدة عبر تبني مقاربة شجاعة ترتكز على الحكامة والنجاعة التواصلية والانفتاح. ويتطلب الاستجابة للتطلعات السياسية والشعبية الانتقال بالعمل الحكومي من التدبير التقني الصرف إلى تجسير التواصل المباشر مع المواطنين والهيئات المدنية، وإتاحة المساحة الكاملة للفعاليات الأحزاب والنقابات والأحزاب المعارضة للقيام بأدوارها التأطيرية والرقابية، إضافة إلى اعتماد خطاب يلامس الانشغالات اليومية والحد من عزوف الشباب عن العمل السياسي بإشراكهم الفعلي في اتخاذ القرار وإحياء ثقافة النزاهة المؤسساتية.