سياسة

“الإثراء غير المشروع”.. قانون سُحب ويعود للواجهة من جديد

برلمان
جلسة مشتركة للبرلمان، الحقوق محفوظة
A A A A A

مع تولي حكومة عزيز أخنوش مهامها سنة 2021 أقدمت عبر وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على سحب مشروع القانون الجنائي كاملاً من البرلمان، وفي مقدمته الفرع المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع.

وبررت الحكومة هذا القرار بوجود إشكالات قانونية ودستورية جوهرية في النص المسحوب. وأوضح وزير العدل حينها أن تجريم الإثراء غير المشروع بصيغته السابقة يعمد إلى عدم احترام قرينة البراءة، على اعتبار أن مطالبة شخص ما بتبرير مصادر ثروته، فيه مسّ بهذا المبدأ المكفول دستورياً ويجعل النص عرضة للطعن أمام المحكمة الدستورية. كما اعتبر الوزير أن الصياغة السابقة تنطوي على “نفاق سياسي وقانوني”، مؤكداً على حماية حرية الملكية الفردية.

أثار قرار السحب ومبرراته موجة واسعة من الانتقادات والجدل السياسي والحقوقي، واعتبرت منظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الجمعية المغربية لحماية المال العام وجمعية ترانسبارنسي المغرب، أن هذا السحب يمثل رضوخاً لضغوطات “لوبيات الفساد” وتراجعاً عن الالتزامات الدولية وتخليق الحياة العامة، مما يؤدي إلى تحصين لصوص المال العام والمفسدين من المساءلة القضائية.

من جانبهم، دحض خبراء القانون والباحثون الدستوريون الطرح القائل بالتعارض المباشر بين تجريم الإثراء غير المشروع وقرينة البراءة. وأكدت قراءات حقوقية وقانونية أن عبء الإثبات الجوهري يظل على عاتق النيابة العامة، المطالبة أولاً بإثبات وجود الفارق الملحوظ وغير المتناسب بين الممتلكات والدخل المشروع، ليتعين بعدها على المسؤول تقديم توضيحات معقولة لمصدر الزيادة.

واستدل الحقوقيون بتجارب قانونية وطنية قائمة، كالمادة 107 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، التي تنص على تتبع ثروات القضاة وإخضاعهم لمتابعات تأديبية عند العجز عن تبرير الزيادة الملحوظة في ممتلكاتهم، دون أن يُعد ذلك خرقاً لقرينة البراءة. كما دعت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى إفراد قانون خاص ومستقل يتولى تجريم الإثراء غير المشروع وضبط أحكامه بما يضمن التوازن بين حماية المال العام وضمانات المحاكمة العادلة.

اليوم يعود تجريم الإثراء غير المشروع إلى الواجهة، بعدما تعهدت الحكومة في برنامجها، الذي أعلنت عن إجراءاته السبعة الكبرى، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، زوال أمس الاثنين 19 أكتوبر، باعتماد النص القانوني من جديد، وسط تصفيقات برلمانيي ومستشاري الأمة. وحرصت الحكومة الجديدة على وضع محاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة في صدارة أولوياتها الوطنية لإعادة بناء ثقة المواطنين في المؤسسات.  فعلى ماذا يرتكز هذا التوجه؟

تجريم الإثراء غير المشروع والمرجعية الدستورية

يُعدّ تجريم الإثراء غير المشروع إحدى الآليات التشريعية الجوهرية للحد من الفساد المالي وتكديس الثروات الناتجة عن استغلال النفوذ والوظيفة العمومية. ويندرج هذا المسار التشريعي في إطار التزامات المغرب الدولية، عقب مصادقته سنة 2007 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تنص مادتها العشرين على تجريم تعمد الموظف العمومي تحقيق زيادة كبيرة في موجوداته لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياساً إلى دخله المشروع. وتتجلى المرجعية الوطنية في أحكام الفصل 36 من دستور سنة 2011، الذي يلزم السلطات العمومية بالوقاية من الفساد وتضارب المصالح وضبط المخالفات المتعلقة بالريع واستغلال النفوذ.

وقد شهدت المنظومة القانونية المغربية محاولة محورية لتنزيل هذا المبدأ من خلال مشروع القانون رقم 16.10 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، والذي أُحيل على البرلمان في يونيو 2016. وتضمن المشروع الفصل 8-256 مكرر، الذي نص على اعتبار كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات مرتكباً لجريمة الإثراء غير المشروع إذا ثبت حدوث زيادة كبيرة وغير مبررة في ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين مقارنة بمصادر دخله المشروعة، مع فرض عقوبات مالية تتراوح بين 100 ألف ومليون درهم. غير أن هذا المشروع ظل حبيس أدراج لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لأكثر من أربع سنوات نتيجة تجاذبات واختلافات حادة بين مكونات الأغلبية البرلمانية المتعاقبة آنذاك.

ورغم أن البرنامج الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري كرس التزاماً سياسياً واضحاً بإخراج هذا التشريع إلى الوجود، فإن الرهان العملي يتوقف على صياغة نص قانوني متوازن يجمع بين الصرامة الزجرية لحماية أموال الدولة وبين الاستجابة للضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة والأمن القانوني.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً