74 هدفا كميا
وفي قراءته لمضمون الوثيقة، كشف المركز الإفريقي أن الوثيقة الكاملة للبرنامج الحكومي، الممتدة عبر 127 صفحة، جاءت أغنى بالأرقام والتفاصيل مقارنة بنص العرض الشفهي؛ حيث رصد التقرير 74 هدفاً كمياً في الوثيقة الكاملة مقابل 25 هدفاً فقط أعلن عنها أمام البرلمان. غير أن التقييم المنهجي للمركز أظهر ثلاث نواقص جوهرية تشوب هذه التعهدات؛ إذ تبين أن 20 هدفاً فقط تقترن بخطوط أساس صريحة تُعرف نقطة الانطلاق، بينما تفتقر 40 هدفاً كمياً للآجال الزمنية المحددة أو المسارات السنوية المنتظمة للإنجاز. فضلاً عن ذلك، غاب عن الوثيقة تحديد الكلفة الإجمالية والمعادلة المالية الشاملة التي توضح مصادر التمويل.
مليون منصب شغل وبطالة في حدود 7%
ويبرز التقرير أن البرنامج الحكومي يحمل تحولا استراتيجيا نحو تقييم السياسات بناء على نتائجها وأثرها الملموس بدلا من الاقتصار على قياس الوسائل والاعتمادات. وعلى صعيد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، تلتزم الحكومة بإحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى 7% في أفق سنة 2031، ورفع نسبة نشاط النساء إلى 21.2%، مع تقليص أعداد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة 50%.
وفي جانب العدالة المجالية والدولة الاجتماعية، ينص البرنامج على تخصيص حد أدنى للتحويلات المالية لفائدة الجهات لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا، وتعبئة غلاف مالي قدره 130 مليار درهم على مدى خمس سنوات للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. كما تضمن البرنامج حزمة من المنافع الاجتماعية المتمثلة في رفع الدعم الاجتماعي ومعاشات التقاعد وتوسيع التغطية الصحية ودعم السكن.
وفيما يتعلق بمحور السيادة الاستراتيجية، رصد التقرير أهدافا مفصلة في مجالات الماء والطاقة والغذاء والرقمنة والصناعة، أبرزها الوصول إلى 52% من القدرة الكهربائية المنشأة من الطاقات المتجددة، وتوفير أكثر من 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة، وتأمين مخزون استراتيجي للمحروقات يغطي ثلاثة أشهر، وتحقيق نسب إدماج صناعي تصل إلى 80% في صناعة السيارات و60% في الطيران.

توصيات عملية
ومع ذلك، نبه التقرير إلى وجود تقاطعات وتعارضات كامنة تفتقر إلى أجهزة حكومية للتحكيم؛ مثل التنافس على الكهرباء والماء بين مشاريع التحلية ومراكز البيانات والهيدروجين الأخضر، وعدم مراعاة أثر الذكاء الاصطناعي على أهداف خلق المناصب في قطاع ترحيل الخدمات. وعلى المستوى المالي، سجل التقرير تباعدا بين النمو المتوسط المستهدف في البرنامج المتمثل في 5% وتوقعات المؤسسات المالية كبنك المغرب الذي يتوقع نمواً بنسبة 2.9% لسنة 2027.
وبالمقابل، أشاد التقرير بحزمة النزاهة والشفافية المؤسساتية التي أعلنها البرنامج، ولا سيما إصدار قانون تضارب المصالح، وتجريم الإثراء غير المشروع، وإلزام أصحاب الطلبيات العمومية قانونياً بتخصيص 30% من قيمة صفقاتهم للمقاولات الصغرى والمتوسطة مع فرض عقوبات مادية وقانونية عند الإخلال.
وسجّل المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في تقريره على أن التحدي الحقيقي للولاية الحكومية لا يكمن في اتساع قائمة الأولويات أو حجم الميزانيات المعلنة، بل في القدرة على تحويل التعهدات إلى تعاقد تنفيذي محدد التكاليف والآجال. وفي هذا الإطار، حث التقرير الحكومة على استغلال “سنة الإرساء” الأولى (2026-2027) لنشر “برنامج تنفيذي للولاية” قبل تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2028.
وتتضمن توصيات المركز ضرورة ربط كل التزام حكومي بمؤشر مرجعي محدد لسنة 2026، وتعيين الجهات المسؤولة، وتحديد مسارات سنوية للإنجاز مرفقة بجدول تمويل متعدد السنوات يحدد النفقات ومصادر الموارد. كما أوصى التقرير بتوضيح التعاريف الإحصائية التي ما تزال ملتبسة كطبيعة خلق مناصب الشغل الصافية ومؤشرات جودة الخدمات الصحية، إضافة إلى إحداث لوحة قيادة وطنية للسيادة الاستراتيجية وإرساء آلية مستقلة للتتبع والتقييم الدوري لضمان تحقيق الأثر المستدام في حياة المواطنين.