هل يعكس توظيف المغرب في الحملة الانتخابية الإسبانية مجرد استقطاب ظرفي، أم تحولا أعمق في نظرة الأحزاب الإسبانية إلى الرباط؟
لا يمكن اعتبار توظيف المغرب في الحملة الانتخابية الإسبانية مجرد استقطاب ظرفي، بقدر ما يعكس تداخلا متزايدا ومقلقا أحيانا بين السياسة الداخلية الإسبانية وأجندة سياستها الخارجية، سيما في ملفات حيوية كالهجرة، والأمن الحدودي، وقضية الصحراء المغربية.
لقد بات المغرب عنصرا حاضرا في معادلة التجاذب الحزبي بمدريد، وأصبحنا نرى أن بعض القضايا على غرار النقاشات المرتبطة بمدينتي سبتة ومليلية، وتدبير الهجرة، وتفاعلات الأزمة الأخيرة في يوليوز 2026، والتي كانت تُدار عادة عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة، يتم اليوم إقحامها في المعارك الانتخابية من طرف بعض القوى السياسية. إلا أن هذا التوظيف الانتخابي لا ينبغي أن يحجب عنا الفارق الجوهري بين “الخطاب الدعائي الصاخب” أثناء الحملات الانتخابية، وبين “الإكراهات الاستراتيجية” التي تفرضها إدارة شؤن الدولة عقب الفوز بالانتخابات.
كما أن هذا التوظيف الانتخابي لا يمكن أن ينفي حقيقة التباين الموجود في موقف مختلف التنظيمات الحزبية الإسبانية من طبيعة العلاقات مع الرباط، فالحزب الاشتراكي العمالي (PSOE) ، يدافع عن مسار التقارب الاستراتيجي المعزز منذ مارس 2022. بينما يتبنى الحزب الشعبي (PP) خطابا يدعو إلى إعادة تكريس التوازن في العلاقات مع المغرب والجزائر، دون أن يتبنى بالضرورة سياسة قطيعة جذرية مع الرباط. أما حزب فوكس (Vox) ، فله مواقف متشددة ترفض ثوابت التعاون الثنائي. في حين تروج قوى اليسار الراديكالي/الانفصالي لأطروحات مناوئة للمصالح المغربية.
هذا التباين الحزبي يكشف أن النقاش لا يتعلق بالمغرب فحسب، بل يعكس صراعا داخليا حول مكانة إسبانيا في محيطها الأوروبي، وتصورها للسيادة وإدارة الجوار. وخلاصة القول فإن المغرب أصبح رقما صعبا في الحسابات الانتخابية الإسبانية، لكن المعيار الحقيقي لبناء التقديرات يظل مرتبطاً بما تفرزه صناديق الاقتراع من سياسات فعلية على أرض الواقع، لا بما تفرضه حمى الخطابات الحزبية المؤقتة.
قد يسعى اليمين، في حال وصوله إلى الحكم، إلى إعادة صياغة الخطاب الدبلوماسي لمدريد بشأن الصحراء المغربية، غير أن المصالح الاقتصادية والتجارية والتعاون الأمني والشراكة الاستراتيجية بين البلدين تجعل القطيعة الشاملة مستبعدة. ويبقى الرهان المغربي هو ترسيخ الشراكة مع الدولة الإسبانية بمختلف مؤسساتها، بغض النظر عن هوية الحزب الحاكم.
إلى أي حد يمكن أن يؤثر وصول اليمين إلى الحكم، إن حدث، في موقف مدريد من الصحراء المغربية، في ظل المصالح الاستراتيجية المشتركة؟
يتطلب التعامل مع هذا الاحتمال مقاربة قائمة على الواقعية السياسية، بعيداً عن التهويل أو القفز إلى استنتاج أن وصول اليمين إلى السلطة سيؤدي تلقائياً إلى انقلاب كلي على الموقف الإسباني من الصحراء المغربية.
منذ إعلان حكومة بيدرو سانشيز في مارس 2022، أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الأكثر جدية ومصداقية، سجلت الدبلوماسية الإسبانية تحولاً تاريخياً مفصلياً تجاوز الحياد التقليدي. غير أن نقطة الضعف البنيوية لهذا الموقف تكمن في كونِه قراراً حكومياً لم يرتقِ بعدُ إلى مستوى “توافق وطني مؤسساتي” شامل يلزُم كل الأغلبية المتعاقبة.
في هذا السياق، يمكن تفكيك مواقف معسكر اليمين إلى مستويين متباينين، فالحزب الشعبي يرفع شعار “إعادة التوازن الدبلوماسي”، مفضلاً العودة إلى لغة رمادية تؤكد مرجعية الأمم المتحدة دون التزام صريح بالصيغة المتقدمة التي تبنتها حكومة سانشيز. بينما يتبنى حزب فوكس تشدداً واضحاً يربط استمرار الشراكة بمعايير السيادة والمعاملة بالمثل، وقد يشكل ضغطاً على الحزب الشعبي في حال تشكيل حكومة ائتلافية.
لكن في المقابل، توجد كوابح استراتيجية صلبة تفرض على أي حكومة إسبانية حماية أواصر الشراكة مع المغرب، في مقدمتها المصالح الاقتصادية والتجارية الكبرى، حيث يؤكد حجم التبادل التجاري الذي تجاوز 12 مليار يورو للصادرات الإسبانية، والاجتماعات رفيعة المستوى التي كانت آخرها في دجنبر 2025 أن الاقتصاد يتقدم على الأيديولوجيا. كما يبرز كذلك تنظيم الاستحقاقات الكبرى بشكل مشترك، كالتنظيم التاريخي المشترك لكأس العالم 2030 بين الدولتين إلى جانب البرتغال، والذي يمنح البلدين أفقاً تنموياً يتجاوز التقلبات السياسية. هذا بالإضافة إلى تحديات الأمن والهجرة، حيث أظهرت أزمة يوليوز 2026 أن المقاربات الأمنية وحدها بلغت مداها الأقصى، مما يستوجب كما أكد جلالة الملك محمد السادس في خطابه الأخير أمام البرلمان الانتقال إلى جيل جديد من الشراكة يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الإقليمية.
بناءً عليه، في حالة وصول اليمين إلى الحكم، قد تكون هنالك محاولات لإعادة صياغة الخطاب الدبلوماسي أو مراجعة بعض التوازنات المرتبطة بملف الصحراء، لكنه لن يتحول بالضرورة إلى قطيعة شاملة؛ ويبقى الرهان المغربي هو تعميق جذور الشراكة لتشمل المؤسسات الإسبانية بمختلف أطيافها، لا الحكومة وحدها.
هل أصبحت العلاقات المغربية الإسبانية محصنة ضد التحولات السياسية في مدريد، أم أنها لا تزال رهينة التوازنات الحزبية والتفاهمات بين القيادات؟
حققت العلاقات المغربية الإسبانية مستويات غير مسبوقة من التشابك المؤسساتي والاقتصادي، مما جعلها أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة “التحصين المطلق” ضد تقلبات المشهد الحزبي في مدريد. إننا أمام معادلة دقيقة تتقاطع فيها شبكة مصالح واسعة تدفع نحو الاستمرارية، مع استمرار مظاهر الهشاشة السياسية المرتبطة بالتجاذبات الحزبية وقضايا السيادة العالقة.
وتستند استمرارية هذه الشراكة إلى ثلاث ركائز أساسية، تتمثل الركيزة الأولى في العمق الاقتصادي والاجتماعي بوجود جالية مغربية وازنة تتجاوز مليون مغربي ومغربية، وشراكات تجارية تجعل من المغرب شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه للمقاولات الإسبانية، حيث يوجد في المغرب أزيد من ألف شركة إسبانية. أما الركيزة الثانية فترتبط بالتعاون الأمني واستراتيجيات تدبير الحدود، وهو عماد الاستقرار في الحوض الغربي للمتوسط، رغم ما تشهده بعض المحطات الميدانية من اهتزازات تظهر حساسية الملف، مثل أحداث سبتة الأخيرة. بينما تتعلق الركيزة الثالثة والأخيرة بتراكم المؤسسات والآليات المشتركة من خلال لجان الخبراء، والاجتماعات الرفيعة، وخارطة الطريق المستمرة منذ 2022.
لكن غياب الإجماع الحزبي التام يعني أن القيادة السياسية تظل عنصراً حاسماً، وأن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من “منطق إدارة الأزمات” بعد وقوعها، إلى “منطق الشراكة الاستراتيجية الاستباقية”. ولتحقيق هذا التحصين المنشود، يتعين على البلدين الاشتغال على توسيع قنوات الحوار البرلماني والحزبي لتشمل كافة مكونات الطيف السياسي الإسباني، وعزل الملفات الاستراتيجية الكبرى كالصحراء والأمن والاقتصاد عن حمى المزايدات الانتخابية. إضافة إلى تثمين الشراكات الميدانية والاستثمارية الطموحة وفي طليعتها رهان مونديال 2030، وتطوير آليات مؤسسية مرنة لاحتواء أي سوء فهم سياسي قبل تحوله إلى أزمة دبلوماسية.
في تقديري، وكخلاصة لا ينبغي للمغرب أن ينظر إلى الانتخابات الإسبانية باعتبارها مجرد اختبار لعلاقة ظرفية مع حكومة معينة، بل كفرصة لقراءة تحولات المشهد السياسي الإسباني العميق. والرهان الأبقى يظل هو ترسيخ الشراكة مع الدولة الإسبانية بمؤسساتها العميقة، بحيث يصبح دعم الوحدة الترابية للمملكة ومبادرة الحكم الذاتي جزءا من عقيدة الاستقرار الإقليمي المشترك، بمعزل عن هوية الحزب الحاكم في مدريد.
