سياسة

مقابلة: أكاديميّة تقارب رهانات إصلاح منظومة الانتخابات الجماعية والجهوية 2027

IMG 20261030 WA0088
سكينة بن كيران، أستاذة محاضرة مؤهلة بكلية العلوم القانونية و السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس - حقوق محفوظة.
A A A A A

مع انطلاق المشاورات بين وزارة الداخلية والأحزاب السياسية بشأن الإعداد للانتخابات الجماعية والجهوية المرتقبة السنة القادمة، يتجدد النقاش حول سبل إصلاح المنظومة المؤطرة لهذه الاستحقاقات بما يعزز جودة الممارسة السياسية وفعالية التدبير الترابي.

وفي هذا السياق، تتناول أستاذة العلوم الإدارية والتنمية الترابية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، سكينة بن كيران، في مقابلة مع «LeBrief عربي»، أبرز رهانات هذا الإصلاح، من مراجعة معايير الترشح وتعزيز شفافية العملية الانتخابية، إلى تحقيق التوازن بين استقرار وانسجام الأغلبيات المشكّلة للمجالس واحترام التعددية السياسية، فضلاً عن جعل البرامج الانتخابية أكثر ارتباطاً بالرهانات التنموية، وملاءمة الاختصاصات الممنوحة للجماعات الترابية مع مواردها المالية والبشرية، وتعزيز التنسيق والالتقائية بين جهود مختلف المتدخلين، بما يقوي دور هذه المؤسسات المنتخبة في توجيه مسارات التنمية الترابية وتسريع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة.

في نظركم، ما هي أهم التعديلات القانونية والتنظيمية الواجب إدخالها على المنظومة المؤطرة للانتخابات الجماعية والجهوية لتجويد الممارسة الانتخابية وتعزيز أدوار المجالس المحلية؟

أعتقد أن أي إصلاح للمنظومة الانتخابية الجماعية والجهوية، ينبغي أن ينطلق من سؤال أساسي: هل نريد انتخابات تقتصر وظيفتها على تجديد النخب المحلية، أم نريد انتخابات تفرز مجالس منتخبة قادرة فعلياً على تدبير الشأن الترابي والاستجابة لانتظارات المواطنين؟

في تقديري، لم يعد كافياً التركيز على الجوانب التقنية للعملية الانتخابية، رغم أهميتها، بل أصبح من الضروري التفكير في إصلاح متكامل يربط بين جودة التمثيل السياسي وفعالية التدبير الترابي.

وأرى أن أولى الأولويات تتمثل في مراجعة بعض المقتضيات المتعلقة بالترشح، بما يعزز معايير الكفاءة والنزاهة والمسؤولية السياسية، دون المساس بالحقوق الدستورية في الترشح والمشاركة. فالمجالس الترابية أصبحت تضطلع بمهام تتطلب الإلمام بالتدبير العمومي والمالية المحلية، والتخطيط التنموي، وهو ما يستدعي أيضاً تحمل الأحزاب السياسية مسؤوليتها في اختيار المرشحين وتأطيرهم وتكوينهم.

أما المستوى الثاني من الإصلاح، فيتعلق بتعزيز الشفافية الانتخابية، سواء من خلال تشديد مراقبة تمويل الحملات الانتخابية، أو تطوير آليات تتبع النفقات، أو ضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين. ذلك أن مصداقية الانتخابات لا ترتبط فقط بسلامة الاقتراع، وإنما كذلك بنزاهة المنافسة التي تسبقه.

وفي مستوى ثالث، أرى ضرورة معالجة بعض الاختلالات المرتبطة بتشكيل الأغلبيات داخل المجالس الترابية واستقرارها. فقد أظهرت الممارسة أن تعدد التحالفات وتغيرها قد يؤثران في الانسجام السياسي وفي استمرارية العمل التنموي. ومن ثم، ينبغي التفكير في آليات قانونية تعزز استقرار الأجهزة المسيرة، مع الحفاظ على حق المعارضة في الرقابة والمساءلة.

غير أن الإصلاح الانتخابي، مهما بلغت أهميته، سيظل محدود الأثر إذا لم يواكبه إصلاح لطريقة اشتغال المجالس نفسها، من خلال تعزيز قدراتها الإدارية والتقنية، وتفعيل آليات تقييم السياسات العمومية المحلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس فقط في كيفية انتخاب المجالس، وإنما في قدرتها، بعد انتخابها، على تحويل الشرعية الديمقراطية إلى إنجازات تنموية ملموسة.

ارتباطا بحديثكم عن استقرار الأغلبيات داخل المجالس الترابية، ألا ترون أن إعادة إقرار العتبة الانتخابية أضحت ضرورة لإفراز أغلبية سياسية قوية ومنسجمة، أم أن الاستمرار في استبعادها يظل الخيار الأفضل لضمان تعددية سياسية وتمثيلية واسعة؟

في اعتقادي، لا ينبغي اختزال النقاش حول العتبة الانتخابية في الاختيار بين التعددية السياسية والاستقرار المؤسساتي، لأن الديمقراطية المحلية تحتاج إلى الأمرين معاً.

فمن الناحية السياسية، يتيح غياب العتبة الانتخابية فرصاً أوسع لتمثيل الأحزاب الصغيرة والتعبيرات السياسية المتنوعة، وهو أمر ينسجم مع مبدأ التعددية السياسية. غير أن توسيع التمثيلية لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء المؤسساتي، خصوصاً عندما يفضي تشتت المقاعد إلى صعوبة تشكيل أغلبيات منسجمة ومستقرة.

وفي المقابل، قد تساعد إعادة إقرار عتبة انتخابية مدروسة على الحد من التشتت الحزبي داخل المجالس، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى إقصاء بعض القوى السياسية التي تحظى بتمثيلية انتخابية فعلية، ولو كانت محدودة. لذلك، فإن اعتماد العتبة لا يشكل في حد ذاته ضمانة لإفراز أغلبيات قوية، كما أن إلغاءها لا يمثل بالضرورة ضمانة لتعددية سياسية منتجة.

وموقفي هو أن إعادة النظر في نظام العتبة الانتخابية يستحق نقاشاً جدياً، لكنني لا أعتبر العودة إليها، بصيغتها السابقة أو بشكل آلي، الحل الأمثل. فالأجدى هو تقييم آثار النظام الانتخابي المعمول به على تركيبة المجالس واستقرار أغلبياتها، مع مراعاة الاختلاف بين الجماعات والجهات من حيث الحجم والتمثيلية وطبيعة الرهانات التنموية.

كما أن قوة الأغلبية لا تقاس بعدد المقاعد التي تتوفر عليها فقط، وإنما بمدى انسجام مكوناتها حول برنامج واضح وقابل للتنفيذ، وبقدرتها على تحمل المسؤولية السياسية أمام الناخبين.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الإصلاح ينبغي أن يشمل أيضاً القواعد المؤطرة للتحالفات وتشكيل الأجهزة المسيرة، بما يسمح بتقليص التشتت غير المنتج، دون التضييق غير المبرر على التعددية الحزبية.

فالمطلوب ليس تعددية عددية فحسب، ولا أغلبية قوية حسابياً فقط، وإنما تعددية سياسية قادرة على إنتاج أغلبيات مسؤولة ومستقرة وفعالة.

كيف يمكن للمنظومة المؤطرة للاستحقاقات المقبلة أن تساهم في تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة وتقوية الاختصاصات التنموية لمجالس الجهات والجماعات؟

أرى أن الاستحقاقات الجماعية والجهوية المقبلة تشكل مناسبة مهمة لإعادة طرح العلاقة بين الديمقراطية التمثيلية والتنمية الترابية، خاصة أن ورش الجهوية المتقدمة لا يمكن اختزاله في إعادة توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية، بل يتعلق بتحول أعمق في فلسفة تدبير الشأن العام.

لقد أرسى دستور 2011 أسس التنظيم الترابي اللامركزي، وكرس مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن. كما حددت القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية إطاراً للاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة. غير أن التحدي الأساسي يظل مرتبطاً بمدى القدرة على التطبيق الفعلي لهذه المقتضيات.

وفي تقديري، يمكن للمنظومة المؤطرة للاستحقاقات المقبلة أن تساهم في تسريع هذا الورش من خلال ثلاثة مداخل مترابطة.

أولها، تعزيز البعد البرنامجي للانتخابات، بحيث تصبح البرامج الانتخابية المحلية والجهوية مرتبطة بأولويات تنموية واقعية ومحددة، وقابلة للتقييم والمساءلة، بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة. وهذا يقتضي أيضاً ترسيخ ثقافة المحاسبة السياسية على أساس حصيلة التدبير والنتائج المحققة.

وثانيها، العمل على تحقيق ملاءمة فعلية بين الاختصاصات الممنوحة للمجالس الترابية والموارد المالية والبشرية والتقنية المتاحة لها. فمن الصعب الحديث عن استقلالية القرار التنموي إذا كانت المجالس لا تتوفر على الوسائل الضرورية لممارسة اختصاصاتها. كما أن تفعيل نقل الاختصاصات ينبغي أن يقترن بنقل الموارد المواكبة لها، وفق المقتضيات الدستورية.

أما المدخل الثالث، فيرتبط بتوضيح مجالات تدخل مختلف الفاعلين الترابيين، وتعزيز التنسيق بين الدولة والجهات والجماعات، بما يحد من تداخل المسؤوليات ويضمن الالتقائية بين البرامج التنموية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تقوية آليات التعاقد والتعاون المؤسساتي، وتطوير قدرات الإدارة الترابية المنتخبة.

وأعتقد أن أحد التحديات الأساسية تتمثل في الانتقال من منطق اعتبار الجماعات الترابية مجرد فاعل في تنفيذ المشاريع، إلى الاعتراف بدورها في تحديد الأولويات وصياغة السياسات التنموية الترابية، في حدود الاختصاصات التي يخولها لها القانون.

فالجهوية المتقدمة لا تقاس فقط بحجم الاختصاصات المنصوص عليها في النصوص القانونية، بل بمدى ممارسة هذه الاختصاصات على أرض الواقع، وبالأثر الذي تحدثه في التنمية وتقليص الفوارق المجالية وتحسين حياة المواطنين.

اترك لنا تعليقك ←

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً