وبالعودة إلى مقتضيات القانون المذكور، الذي دخل حيز التنفيذ بعد صدوره في الجريدة الرسمية يوم 20 غشت الجاري، نجد من أبرز ما جاء به، طريقة تدبير الأموال التي يتسلمها المحامون لفائدة موكليهم، وضبط العمليات المالية المرتبطة بالمهنة.
وأصبح القانون يُلزم المحامي بتسليم وصل مؤرخ مقابل المبالغ أو السندات أو القيم التي يتسلمها، بما يسمح بتوثيق العمليات المالية التي تتم بين المحامي وموكله.
كما يفرض قواعد أكثر صرامة بشأن الأداء، من خلال ضرورة اعتماد الشيك أو وسائل الأداء الإلكتروني بالنسبة إلى المبالغ التي تتجاوز 10 آلاف درهم، في توجه يروم الحد من التعاملات النقدية غير الموثقة وتعزيز الشفافية في العلاقة المالية بين المحامي وموكله.
ويفرض القانون كذلك على المحامي مسك دفتر يومي للحسابات وتسجيل العمليات المالية، إلى جانب تخصيص حساب لكل موكل لتتبع الأموال والعمليات المرتبطة بملفه، تحت إشراف النقيب في كل هيئة.
وفي السياق ذاته، يعزز القانون صلاحيات هيئات المحامين في المراقبة والتفتيش وتتبع الحسابات، كما ينظم بشكل أكثر دقة حساب ودائع وأداءات المحامين.
وبحسب القانون، سيحدث على مستوى كل هيئة حساب خاص بودائع وأداءات المحامين، يديره مجلس الهيئة، وتودع فيه المبالغ التي يتسلمها المحامون على سبيل الوديعة، كما تتم بواسطته الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير. وتشمل هذه الحسابات أيضا المبالغ الناتجة عن تنفيذ المقررات القضائية.
وتفرض هذه المقتضيات تحولا في طريقة تدبير الأموال المرتبطة بملفات الموكلين، من خلال إخضاعها لقواعد أوضح في التوثيق والتتبع والمراقبة، مع منح حساب الودائع والأداءات دورا أساسيا في استقبال هذه الأموال وصرفها.
ويحدد القانون كذلك مساطر تصفية الأموال المودعة وإرجاعها إلى أصحابها، إلى جانب قواعد إعداد الحسابات السنوية وآليات مراقبتها، في إطار توجه نحو تعزيز الحكامة والشفافية في التدبير المالي المرتبط بمهنة المحاماة.
ومن أبرز ما جاء به القانون في صيغته الجديدة، ضرورة تقديم الحساب السنوي لكل هيئة أمام المجلس الأعلى للحسابات، وفصّل في كيفية ووسائل إعداده، بالإضافة إلى مستجدات إجراءات تصفية الأموال المودعة واقتطاع نسبة لا تتجاوز 10 في المائة لفائدة الهيئة.
اقرأ أيضا: رسميا.. قانون المحاماة الجديد يدخل حيز التنفيذ بنشره في “الجريدة الرسمية”
مسار تشريعي على وقع الاحتجاج
ولم تأت هذه المقتضيات في سياق عادي، بل جاءت بعد أشهر من التوتر والمواجهة بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول مشروع القانون رقم 66.23.
فقد اندلع الخلاف بشكل واسع بعدما اعتبرت جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن الصيغة التي أعدتها وزارة العدل تضمنت مقتضيات تمس باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع، وأنها لا تحترم، بحسب المهنيين، ما تم التوصل إليه خلال جلسات الحوار السابقة.
وبلغ التصعيد حدته مع إعلان المحامين التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية ومقاطعة الجلسات، ما تسبب في شلل بعدد من المحاكم، وسط مطالب بسحب المشروع والعودة إلى الحوار.
ويرجع أصل الخلاف إلى مسار طويل من التفاوض، إذ كانت وزارة العدل وهيئات المحامين قد توصلت سنة 2019 إلى صيغة توافقية، قبل أن يعاد إعداد المشروع بعد تولي عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل سنة 2021، ما أعاد التوتر إلى الواجهة. وفي أكتوبر 2024، أودعت الوزارة المشروع لدى الأمانة العامة للحكومة، قبل أن تسحبه لاحقا إثر احتجاجات المحامين، وتتشكل لجنة لمناقشة مطالبهم الاجتماعية والضريبية والتشريعية.
وخلال السنة الجارية، استمر الخلاف مع إصرار وزارة العدل على تمرير المشروع عبر المؤسسة التشريعية، مقابل تشبث هيئات المحامين بمطالبها. وفي فبراير الماضي، أعلن عيبد اللطيف وهبي وزير العدل، رفضه سحب المشروع من البرلمان، مؤكدا أن أي تعديلات ينبغي أن تتم داخل المؤسسة التشريعية.
وبعد مناقشات وتعديلات واسعة، صادق مجلس المستشارين على المشروع في يونيو الماضي، بعدما تقدمت مكونات المجلس بـ266 تعديلا، أُدخل منها 48 تعديلا على 35 مادة. ثم صادق البرلمان في قراءة ثانية على النص، وتمت إحالته على المحكمة الدستورية.
غير أن المحكمة الدستورية لم تنتقل إلى بحث مدى مطابقة القانون للدستور، إذ قضت في قرارها الصادر في 10 غشت الجاري، بتعذر البت في الإحالة على حالتها، بعدما تبين لها أن ملف الإحالة لم يتضمن النسخة النهائية المطابقة لأصل القانون كما صادق عليه البرلمان.
واعتبرت المحكمة ،أن غياب النص النهائي موضوع الإحالة حال دون ممارستها لرقابتها الدستورية، قبل أن يتم استكمال المسطرة التشريعية، ويصدر القانون في الجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ في 20 غشت الجاري.
وهكذا، يطوي قانون المحاماة الجديد فصلا طويلا من التجاذب بين الحكومة والمهنيين، ويفتح مرحلة جديدة عنوانها تشديد التنظيم والرقابة على المهنة، خصوصا في الجانب المالي وتدبير أموال وودائع الموكلين.