النائب لا يفكر في نفسه، بل في أولئك غير المرئيين الذين يقفون خلفه وينتظرون منه أن يتدخل دفاعا عن مصالحهم. ولا ينبغي له، بأي حال، أن يستغل صفته لتنمية مصالحه الخاصة… فمهمة تمثيل المواطنين تفرض عليه الفصل بين مصالحه الخاصة وعمله البرلماني.
الطاهر بن جلون، في عموده « ما معنى أن تكون نائبا؟ »
على مدى نحو أربعة عقود بعد استقلال المغرب، لم يكن دخول البرلمان يتطلب شهادة بعينها أو تكوينا متخصصا. فقد كانت السياسة تُمارس وفق قواعد أخرى، كان فيها الحضور المحلي وشبكات العلاقات والقدرة على تعبئة الناخبين أهم من المسار الأكاديمي.
وكان المشهد يضم آنذاك عمالا وأطباء وجامعيين وقانونيين، إلى جانب أعيان العالم القروي. ولم يكن يجمع بين هذه الفئات الكثير من حيث مستوى الدراسة أو نوعية الكفاءات، لكنها كانت تتوفر على امتداد سياسي وقدرة على الاستقطاب، وقبل ذلك نفوذ ميداني. وفي تلك المرحلة، لم يكن بريق الشهادة يضاهي بالضرورة وزن شبكة محلية راسخة منذ أجيال.
غير أن هذه القاعدة بدأت تتغير تدريجيا مع الإصلاحات الانتخابية لسنتي 2002 و2003. ففي مواجهة الانتقادات، داخل المغرب وخارجه، بشأن ضعف المستوى التعليمي لبعض النواب والمنتخبين المحليين والوطنيين، أقر المشرع أول شرط يتعلق بالمستوى الدراسي. وأصبح الراغب في الترشح لمقعد في مجلس النواب أو لعضوية مجلس جماعي مطالبا بالإدلاء بشهادة الدروس الابتدائية.
وكانت هذه الشهادة تُعرف باسم “السيرتيف” أو “بكالوريا البسطاء”، باعتبارها تثبت امتلاك حد أدنى من المعارف الأساسية، من الرياضيات والعربية والفرنسية إلى التاريخ والجغرافيا.
وقد يبدو هذا السقف اليوم متدنيا للغاية، لكنه كان كافيا في حينه لإحداث تحول مهم. فلأول مرة، خلال سنوات الألفين، دخل المستوى الدراسي رسميا ضمن شروط الولوج إلى التمثيل السياسي.
غير أن هذا الشرط الجديد لم ينه الجدل حول مستوى تكوين النواب. فعلى امتداد السنوات، واصل مثقفون وكتاب أعمدة الإشارة إلى وجود برلمانيين داخل المؤسسات لا يحسن بعضهم، أحيانا، القراءة أو الكتابة أو استيعاب نصوص تشريعية معقدة.
وحتى اليوم، يظل هذا الموضوع حاضرا بقوة في النقاش العمومي. كما تعكسه بعض السجالات الحادة تحت قبة البرلمان، حيث سبق لنواب أن اتهموا مسؤولين بمحاولة إخفاء الأمية خلف شهادات عليا حصلوا عليها في الخارج.
تشريح مجلس النواب
ترسم الأرقام صورة لمجلس النواب أكثر تباينا مما قد يوحي به الانطباع العام.
فخلال عرض حصيلة مرحلية عقب اختتام الدورة الربيعية لمجلس النواب، قدم رئيس المجلس آنذاك، أستاذ الاقتصاد الحبيب المالكي، معطيات إحصائية حول التركيبة التعليمية للمؤسسة التشريعية. ولأول مرة، تحولت مسألة المستوى الدراسي للبرلمانيين إلى أرقام معلنة أمام الرأي العام.
وأظهرت هذه المعطيات أن 26% من النواب لم يبلغوا مستوى البكالوريا. وضمن هذه الفئة، تابع 20% الدراسة في التعليم الثانوي من دون الحصول على شهادة نهاية التعليم الثانوي، فيما لم يتوفر 5% من النواب سوى على الحد الأدنى القانوني، أي شهادة الدروس الابتدائية.
Législatives 2026 : qui donne le ton au début de la campagne ?