لكي تصبح نائبا في البرلمان.. ما الحد الأدنى المطلوب ؟

لكي تصبح نائبا في البرلمان.. ما الحد الأدنى المطلوب ؟

ما ملامح النساء والرجال الذين يستعدون فعليا لدخول قبة البرلمان؟ بين الشروط التي يحددها القانون من جهة، وما تفرزه الممارسة على أرض الواقع من جهة أخرى، تتعدد المسارات وتتفاوت مستويات التكوين والخبرة. وقبل أيام من الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يبرز مشهد يجمع بين منتخبين قادمين من مسارات سياسية تقليدية ووجوه جديدة أكثر تكوينا في قضايا الحكامة والعمل العمومي. فالقانون يحدد الشروط الدنيا للترشح إلى مجلس النواب، لكن ممارسة الولاية النيابية تفرض، في الواقع، كفاءات أوسع بكثير.

النائب لا يفكر في نفسه، بل في أولئك غير المرئيين الذين يقفون خلفه وينتظرون منه أن يتدخل دفاعا عن مصالحهم. ولا ينبغي له، بأي حال، أن يستغل صفته لتنمية مصالحه الخاصة… فمهمة تمثيل المواطنين تفرض عليه الفصل بين مصالحه الخاصة وعمله البرلماني.

الطاهر بن جلون، في عموده « ما معنى أن تكون نائبا؟ »

على مدى نحو أربعة عقود بعد استقلال المغرب، لم يكن دخول البرلمان يتطلب شهادة بعينها أو تكوينا متخصصا. فقد كانت السياسة تُمارس وفق قواعد أخرى، كان فيها الحضور المحلي وشبكات العلاقات والقدرة على تعبئة الناخبين أهم من المسار الأكاديمي.

وكان المشهد يضم آنذاك عمالا وأطباء وجامعيين وقانونيين، إلى جانب أعيان العالم القروي. ولم يكن يجمع بين هذه الفئات الكثير من حيث مستوى الدراسة أو نوعية الكفاءات، لكنها كانت تتوفر على امتداد سياسي وقدرة على الاستقطاب، وقبل ذلك نفوذ ميداني. وفي تلك المرحلة، لم يكن بريق الشهادة يضاهي بالضرورة وزن شبكة محلية راسخة منذ أجيال.

غير أن هذه القاعدة بدأت تتغير تدريجيا مع الإصلاحات الانتخابية لسنتي 2002 و2003. ففي مواجهة الانتقادات، داخل المغرب وخارجه، بشأن ضعف المستوى التعليمي لبعض النواب والمنتخبين المحليين والوطنيين، أقر المشرع أول شرط يتعلق بالمستوى الدراسي. وأصبح الراغب في الترشح لمقعد في مجلس النواب أو لعضوية مجلس جماعي مطالبا بالإدلاء بشهادة الدروس الابتدائية.

وكانت هذه الشهادة تُعرف باسم “السيرتيف” أو “بكالوريا البسطاء”، باعتبارها تثبت امتلاك حد أدنى من المعارف الأساسية، من الرياضيات والعربية والفرنسية إلى التاريخ والجغرافيا.

وقد يبدو هذا السقف اليوم متدنيا للغاية، لكنه كان كافيا في حينه لإحداث تحول مهم. فلأول مرة، خلال سنوات الألفين، دخل المستوى الدراسي رسميا ضمن شروط الولوج إلى التمثيل السياسي.

غير أن هذا الشرط الجديد لم ينه الجدل حول مستوى تكوين النواب. فعلى امتداد السنوات، واصل مثقفون وكتاب أعمدة الإشارة إلى وجود برلمانيين داخل المؤسسات لا يحسن بعضهم، أحيانا، القراءة أو الكتابة أو استيعاب نصوص تشريعية معقدة.

وحتى اليوم، يظل هذا الموضوع حاضرا بقوة في النقاش العمومي. كما تعكسه بعض السجالات الحادة تحت قبة البرلمان، حيث سبق لنواب أن اتهموا مسؤولين بمحاولة إخفاء الأمية خلف شهادات عليا حصلوا عليها في الخارج.

تشريح مجلس النواب

ترسم الأرقام صورة لمجلس النواب أكثر تباينا مما قد يوحي به الانطباع العام.

فخلال عرض حصيلة مرحلية عقب اختتام الدورة الربيعية لمجلس النواب، قدم رئيس المجلس آنذاك، أستاذ الاقتصاد الحبيب المالكي، معطيات إحصائية حول التركيبة التعليمية للمؤسسة التشريعية. ولأول مرة، تحولت مسألة المستوى الدراسي للبرلمانيين إلى أرقام معلنة أمام الرأي العام.

وأظهرت هذه المعطيات أن 26% من النواب لم يبلغوا مستوى البكالوريا. وضمن هذه الفئة، تابع 20% الدراسة في التعليم الثانوي من دون الحصول على شهادة نهاية التعليم الثانوي، فيما لم يتوفر 5% من النواب سوى على الحد الأدنى القانوني، أي شهادة الدروس الابتدائية.

Parlement : la fabrique de la loi

والأكثر إثارة أن 2% من النواب لم يلجوا أي مؤسسة تعليمية. وفي هذه الحالات، تستند المشروعية الانتخابية أساسا إلى الحضور المحلي، وشبكات العلاقات، والقدرة على تعبئة القاعدة الناخبة.

وينحدر النواب الذين لم يبلغوا مستوى التعليم الثانوي، في الغالب، من دوائر قروية أو جماعات صغيرة. ففي هذه المجالات، يظل الفعل السياسي وثيق الصلة بالقرب من الناخبين، ويجري التصويت أيضا على أساس العلاقة الشخصية، أي للفرد أكثر منه للبرنامج. وهو ما قد يجعل الإلمام بالآليات القانونية والعمل البرلماني في مرتبة ثانية أحيانا.

في المقابل، أفرزت المناطق الحضرية الكبرى واللوائح الوطنية، خصوصا تلك المخصصة للنساء والشباب، عددا أكبر من الأسماء ذات التكوين العالي. وهكذا، يحتل المحامون والأطباء وكبار الموظفين والاقتصاديون والأساتذة الجامعيون مكانة بارزة داخل المجلس.

وفي المحصلة، يتوزع الـ74% المتبقون على مستويات دراسية أعلى، ما يكرس تفاوتا واضحا داخل المؤسسة. فمن جهة، هناك منتخبون بمسارات دراسية قصيرة أحيانا، ومن جهة أخرى، برلمانيون راكموا تكوينات طويلة ومتخصصة. ويمكن وصف هذا الوضع بأنه مجلس بسرعتين، لا يمتلك جميع أعضائه بالضرورة الأدوات نفسها للتعامل مع الملفات الأكثر تقنية.

الكفاءات غير المرئية

لا يفرض القانون الكثير من الناحية الدراسية، بينما تتطلب مهمة النائب، عمليا، ما هو أكثر بكثير.

فمنذ دستور 2011، اتسعت مهام مجلس النواب وتعقدت. ولم يعد دور النائب يقتصر على التصويت على النصوص التي تقترحها الحكومة، بل أصبح مطالبا بفهمها ومناقشتها وتعديلها، كما بات بإمكانه تقديم مقترحات قوانين والمشاركة في تقييم السياسات العمومية.

وقد وسع الفصل 71 من الدستور مجال القانون بشكل كبير، ليشمل مواضيع بالغة التقنية، من الحريات العامة والملكية إلى البيئة والجبايات. وهي ملفات تتطلب معارف حقيقية للإحاطة بها. كما تعزز حق المبادرة التشريعية، إذ يتعين على المجلس تخصيص جلسة واحدة على الأقل كل شهر لدراسة مقترحات القوانين التي يتقدم بها النواب.

غير أن صياغة قانون لا تقتصر على معرفة قواعد الصياغة التشريعية، أي التقنيات التي تسمح بكتابة نص واضح ومنسجم وقابل للتطبيق، بل تقتضي أيضا استشراف آثاره القانونية وتفادي ما قد يجعله عرضة لاحقًا للرقابة الدستورية.

ومن بين المسؤوليات الأخرى، وهي ليست بالهينة، تقييم السياسات العمومية. فقد كرس الفصل 70 من الدستور هذا الاختصاص البرلماني. وتقييم سياسة عمومية يقتضي القدرة على قراءة الإحصاءات، وفهم مؤشرات الأداء، وتحليل الميزانيات، وقياس الأثر الاقتصادي أو الاجتماعي لأي قرار.

كما يتعين على النواب امتلاك القدرة على فحص وثائق مالية معقدة في إطار القانون التنظيمي لقانون المالية، وإعداد تقارير تقييمية تستند إلى منهجية واضحة.

وفي هذا السياق، يكشف مشروع الدعم والتوأمة المؤسساتية، الذي نُفذ بين 2016 و2018 بشراكة مع الاتحاد الأوروبي، عن ارتفاع مستوى المتطلبات المرتبطة بالعمل البرلماني. فمن أجل مواكبة البرلمانيين في مهامهم الجديدة، ساهمت إدارات عدد من البرلمانات الأوروبية الكبرى، من بينها فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وبلجيكا واليونان، في إعداد أدلة عملية تتناول الصياغة التشريعية، ولجان تقصي الحقائق والاستطلاع، فضلًا عن التحليل الميزانياتي.

ومن دون تكوين كافٍ، قد يجد النائب نفسه محصورا في رد الفعل إزاء المشاريع الحكومية، من دون قدرة فعلية على بناء سياسة عمومية أو تحليلها أو تقييمها بشكل مستقل.

كم لغة تتقن؟

إلى جانب هذه الكفاءات، تبرز مسألة اللغات بوصفها عنصرا أساسيا في العمل البرلماني. فالمغرب بلد ثنائي اللغة رسميا على المستوى الوطني، إذ يكرس الدستور العربية والأمازيغية. غير أن الواقع اللغوي داخل الإدارة والعمل العمومي أكثر تعقيدا، بحكم تاريخ البلاد وصلاتها الاقتصادية والدولية.

وهكذا، ما تزال الفرنسية تحتفظ بمكانة مهمة في الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية. فرغم تصنيفها لغة أجنبية في المنظومة التعليمية المغربية منذ سياسة التعريب التي انطلقت في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فإن حضورها ما يزال قويا في التعليم العالي، والمواد العلمية، والوثائق الإدارية، والمبادلات الاقتصادية.

وبالنسبة إلى البرلماني، يعني ذلك أن إتقان الفرنسية يتيح له الوصول إلى جزء كبير من الوثائق التقنية. فالتقارير الاقتصادية، والتحليلات الماكرو-اقتصادية، والمعطيات المرتبطة بالاستثمار الأجنبي، ما تزال متاحة على نطاق واسع بهذه اللغة.

Législatives 2026 : qui donne le ton au début de la campagne ?

ثم هناك الإنجليزية، التي فرضت نفسها، خصوصًا لدى الأجيال الشابة، لغة  للعلوم والرقمنة والأعمال، وبصورة أوسع لغة للاقتصاد المعولم.

ويعكس ميثاق ESRI 2030، الذي يواكب تحول التعليم العالي، هذا التوجه. إذ ينص، على الخصوص، على بلوغ مستوى B1 في الإنجليزية، مصادق عليه عبر IELTS أو TOEFL، إلى جانب مستوى معتمد في الفرنسية عبر DELF أو DALF، لنيل الإجازة الجامعية.

وبالنسبة إلى النائب، يشكل إتقان أكثر من لغة أداة عمل فعلية. فالدبلوماسية البرلمانية تحتل مكانة مهمة ضمن أنشطة مجلس النواب، إذ يشارك المنتخبون في لقاءات دولية ومؤتمرات متعددة الأطراف، ويتواصلون مع نظرائهم في الخارج.

السقف الأخلاقي

إذا كان الحد الأدنى الدراسي لا يزال منخفضا بشكل لافت، عند مستوى شهادة الدروس الابتدائية، فإن شروط النزاهة والاستقامة أصبحت أكثر صرامة.

فتخليق الحياة العامة باتت محورا مهما في مسار الإصلاحات المؤسساتية. وقد تجسد ذلك، على الخصوص، في السعي إلى إرساء إطار أخلاقي ملزم داخل غرفتي البرلمان، يحول دون توظيف الصفة الانتخابية لخدمة مصالح شخصية أو ممارسة أنشطة لا تنسجم مع طبيعة الولاية التمثيلية.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، تعزز هذا الإطار أكثر. فقد أكد قرار للمحكمة الدستورية بشأن القانون التنظيمي رقم 53.25، على الخصوص، مقتضيات المادة 6 المتعلقة بشروط الأهلية للترشح.

وأصبحت القواعد أكثر صرامة، إذ لا يمكن لبعض الأشخاص الترشح إذا كانوا موضوع متابعات جنائية جارية، أو في حالة تلبس بمخالفة انتخابية، أو سبق أن صدرت في حقهم إدانات بسبب الفساد أو الجرائم المالية، بما في ذلك عندما تكون العقوبة موقوفة التنفيذ أو يكون الحكم ابتدائيا.

ويضاف إلى ذلك ما تنص عليه أحكام التنافي الواردة في القانون التنظيمي رقم 27-11. فالنائب المنتخب يتوفر على أجل 30 يوما للاختيار بين صفته البرلمانية وبعض المهام العمومية التي لا يجوز الجمع بينها وبين العضوية في مجلس النواب. وفي حال عدم الامتثال، قد يفقد مقعده بقرار من المحكمة الدستورية.

كما يشكل التصريح بالممتلكات آلية أخرى للمراقبة. إذ يتعين على النائب أن يصرح بممتلكاته ومصالحه المهنية لدى المجلس الأعلى للحسابات داخل أجل 90 يوما من افتتاح الولاية التشريعية.

ومع ذلك، لا يخلو هذا النظام من الانتقادات. إذ تتركز الملاحظات، خصوصًا، على الطابع السري لهذه التصريحات، التي يحميها السر المهني، ويعاقب القانون على إفشائه بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وفق الفصل 446 من القانون الجنائي. ومن بين النقاط التي تثار أيضا أن الأطفال القاصرين لم يعودوا، منذ تعديل تنظيمي دخل حيز التنفيذ سنة 2017، مشمولين بواجب التصريح بالممتلكات.

مسالك أكاديمية متميزة

إذا كان القانون لا يفرض سوى مستوى التعليم الابتدائي، فأين يمكن للمسؤولين السياسيين المستقبليين اكتساب الكفاءات الضرورية لممارسة ولاية أصبحت بهذا القدر من التعقيد؟

خلال نحو العقدين الأخيرين، تطورت في المغرب منظومة تكوين حقيقية في مجالات السياسات العمومية والحكامة والإدارة. ففي القطاعين العام والخاص، صارت عدة مؤسسات تقدم مسارات تجمع بين القانون والاقتصاد والمالية والعلاقات الدولية وتقييم السياسات العمومية.

وتظل كلية الحقوق، بطبيعة الحال، أحد المسالك التقليدية. فهي تؤهل، على الخصوص، للمهن السياسية والإدارية عبر الإجازات وتكوينات السلك الثالث في القانون الدستوري والقانون العام والعلاقات الدولية.

وفي مراكش، تقترح جامعة القاضي عياض، على سبيل المثال، ماستر في العلوم السياسية يركز على تحليل الأنظمة السياسية، والحكامة الذكية، والانتقال البيئي، وتقييم العمل العمومي. ويكوّن هذا المسار كفاءات قادرة على فهم آليات القرار العمومي ومواكبة الإصلاحات بأدوات تحليلية منظمة.

وفي الوقت نفسه، تظل المدرسة الوطنية للإدارة، التي أسسها الراحل الملك محمد الخامس سنة 1948، واحدة من المؤسسات التاريخية لتكوين الأطر العليا للدولة.

وفي القطاع الخاص، وكذلك داخل المؤسسات التي طورت شراكات دولية، اتسع العرض بدوره. وتندرج مدرسة الحكامة والاقتصاد بالرباط، التي أُحدثت سنة 2008، ضمن هذا التوجه، من خلال تكوينات انتقائية في مستويي Bac+3 وBac+5، موجهة إلى العلوم السياسية والاقتصاد والحكامة.

وفي الدار البيضاء، عقدت جامعة مونديابوليس شراكة مع Sciences Po Bordeaux لتقديم مسار مدمج بين المغرب وفرنسا يفضي إلى ماستر مزدوج في العلوم السياسية. أما الجامعة الدولية للرباط (UIR)، فتقدم تكوينات في السياسات الدولية وتدبير المخاطر وحقوق الإنسان. كما تقترح مؤسسة HEM بدورها مسارًا مخصصًا للحكامة العالمية.

ولا تشكل هذه التكوينات، بطبيعة الحال، شرطًا قانونيًا للترشح للانتخابات. لكنها توفر كفاءات أصبحت ضرورية لممارسة الولاية البرلمانية بكفاءة.

وبين الحد الأدنى الذي يفرضه القانون، وما تتطلبه الممارسة فعليًا، تبدو الهوة كبيرة. ومع الجيل المقبل، قد تعرف الطبقة السياسية المغربية شكلا من أشكال التجدد.

ومع اقتراب اقتراع شتنبر 2026، تظل الشهادة وحدها غير كافية لصنع نائب قادر على الاضطلاع بكل مهامه. لكن أمام التعقيد المتزايد للعمل البرلماني، قد يصبح التكوين، في الواقع، هو “الحد الأدنى” الحقيقي لممارسة هذه الوظيفة.

Législatives : qui sont les partis en lice en 2026 ?

اترك لنا تعليقك ←
سياسة
A A A A A

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً