عرفت مداخلة المستشار البرلماني، يونس ملال، عن الفريق الحركي، توجيه دعوة للحكومة والبرلمان من أجل عقد لجنة لتقصي الحقائق في قضية مبلغ 280 مليار درهم الخاص بالدعم لتخفيف حدة غلاء الأسعار. وتبخر هذا المبلغ الكبير دون أثر على أرض الواقع. وبهذا يعود هذا الرقم بقوة إلى النقاش العمومي، بعدما كان قد خلق جدلاً واسعا خلال فترة الحملة الانتخابية. في هذه المادة نعيد تركيب قصة هذا الرقم ونقتفي أثر ظهوره كرونولوجياً، وردود الأفعال التي خلّفها.
البداية
ظهر هذا الرقم لأول مرة في تصريح لفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، آنذاك خلال الحملة الانتخابية استعدادا لاستحقاقات شتنبر 2026. وكان لقجع وهو عضو القيادة السياسية لـ”البام”، قد قال ما مفاده أن الإرهابيين الحقيقيين هم الذين استفادوا من 280 مليار درهم من المال العام على مدار الولاية الحكومية كدعم لاحتواء غلاء الأسعار دون فائدة تذكر. رقم ضخم للغاية، وهو ما أثار نقاشاً عريضاً وواسع النطاق في المشهد السياسي والاقتصادي المغربي، خصوصاً في ظل تزامن هذه التصريحات مع تشكي المواطنين من غلاء المعيشة، وهو ما تؤكده التقارير الرسمية وغير الرسمية.
ردود الأفعال وتداعيات التصريح
أثار الرقم المذكور صدمة وانتقادات لاذعة من مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين، وتتلخص ردود الأفعال الأساسية. وقد تلقفته سريعا أحزاب المعارضة. إدريس الأزمي الإدريسي، الوزير السابق والقيادي بحزب العدالة والتنمية سارع إلى التقاط التصريح ووصفه بـ “الخطير” و”الصادم”.
واعتبر الأزمي أن الإقرار الحكومي بتبديد أو صرف 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية “تقريباً دون فائدة” يعكس عبثاً حكومياً واستخفافاً بالمال العام، مشدداً على أن الأمر يتطلب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بدل الاكتفاء بإطلاق الأرقام الفلكية دون أثر حقيقي على الأرض.
وتعهد الحزب عبر تصريحات متواترة لقياداته بأنه لن يتردد في خوض معركة ضد حكومة المنصوري بشأن هذا الرقم الضخم من الدعم، والذي لم يقدم الجواب المرجو منه. واليوم يتفجر الجدل مجددا داخل مجلس المستشارين بالموازاة مع مناقشة البرنامج الحكومي للمصادقة عليه، ونيل الحكومة لثقة البرلمان. وفي المقابل نأت رئيسة الحكومة بنفسها، لحد الساعة، عن الموضوع، متجنبة الخوض فيه.
التحركات الحقوقية
وكانت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة (ترانسبيرنسي المغرب) قد دخلت على الخط بشكل رسمى، حيث وجهت مراسلة مباشرة ومفتوحة إلى فوزي لقجع تطالبه فيها بالكشف الدقيق عن تفاصيل وخلفيات صرف مبلغ 280 مليار درهم.
وطالبت الجمعية بتوضيح طبيعة البرامج المستفيدة من هذا الدعم، ومعايير واستهدافات الميزانية، وآليات تقييم أثرها على الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك، متسائلة عن مدى قدرة الحكومة على استرداد أموال الدعم في حال عدم احترام الشروط أو إخفاقها في تحقيق أهدافها الاجتماعية.
وذهب جزء من الصحافة المغربية إلى أن الرقم أماط اللثام عن مفارقة كبرى بين حجم الإنفاق الحكومي الضخم المتوقع وبين هشاشة النتائج الاجتماعية، مما حول النقاش من مجرد أرقام محاسباتية إلى أزمة ثقة وفجوة بنيوية بين السياسات العمومية ومعانات الفئات الهشة مع غلاء المعيشة.
ماذا كان يمكن أن ينجز بهذا المبلغ؟
وعلى خلفية هذا الجدل، ارتفعت أصوات بالسوشل ميديا، تشير إلى ماذا كان يمكن أن يُنجز برقم مماثل. فهو يُمثل تقريباً خمس الناتج الداخلي الخام للمملكة.
بالنسبة للبنية التحتية والربط القاري، كان يمكن، مثلا، توسيع شبكة القطار الفائق السرعة (TGV)، عبر ربط الرباط/الدار البيضاء بكل من مراكش وأكادير ثم فاس ووجدة (بتكلفة تُقدر بحوالي 75 إلى 90 مليار درهم).
أو إنشاء وتوسيع 3 إلى 4 موانئ عملاقة، بإنشاءات تتجاوز ميناء الناظور غرب المتوسط أو ميناء الداخلة (تكلفة الميناء الضخم الواحد تتراوح بين 10 و15 مليار درهم). أو بناء مطار عالمي جديد بالكامل في الدار البيضاء ومحطات جديدة بالمدن الكبرى (حوالي 20 مليار درهم)، مع ربط جميع الجهات بشبكة طرق سيارة جديدة (أكثر من 2000 كلم إضافية).
أو إنجاز 10 إلى 12 محطة عملاقة لتحلية المياه، على طول الشريط الساحلي (مثل محطة الدار البيضاء أو أكادير)، مما يؤمن الماء الصالح للشرب والري لجميع مدن المملكة بشكل كامل ومستدام (بتكلفة تقارب 40 إلى 50 مليار درهم).
وفي مجال الصحة، الذي يعاني من خصاص مزمن بشهادة الحكومات المتعاقبة، كان يمكن بمبلغ 280 مليار درهم بناء وتجهيز 15 إلى 20 مستشفى جامعي حديث (CHU) بمواصفات عالمية في مختلف الأقاليم، مع إعادة هيكلة كامل المستشفيات الإقليمية ومراكز القرب (تكلفة تتراوح بين 30 و40 مليار درهم). وفي التعليم، كان يمكن بناء 20 جامعة وتجمعاً أكاديمياً تكنولوجياً متطوراً، إضافة إلى تحديث وتأهيل كافة المدارس العمومية وإدراج التقنيات الحديثة في التعليم (حوالي 30 مليار درهم).