تبخّر الوعد الحكومي الذي أعلنه رئيس الحكومة السابقة، عزيز أخنوش، حين وعد بالرفع من نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى حدود 30 في المائة في أفق سنة 2026. اليوم، ومع إقرار البرنامج الحكومي الجديد (2026-2031)، تتراجع الطموحات الرسمية. إذ بات التطلع الحكومي يقف بالكاد عند حدود تحقيق 21.2 في المائة بحلول عام 2031. هذا التراجع الرقمي يطرح أسئلة حارقة حول مدى جدية السياسات العمومية في تحقيق تمكين اقتصادي فعلي للنساء.
ويمثل الوصول بمعدل نشاط النساء إلى 30 في المائة طموحاً يُفترض أن يحدث نقلة نوعية في إدماج المرأة في الدورة الاقتصادية وتقليص الفجوة بين الجنسين في سوق الشغل. وتجسد هذه النسبة نقل النساء من هامش المشاركة المنخفضة إلى موقع الفاعل المباشر في خلق الثروة والتنمية.
تساؤلات حقوقية حول الأرقام والمناصب
وفي هذا السياق، تقول الفاعلة الحقوقية النسائية، خديجة الرباح، إن نسبة 21.2% المعلن عنها لا ترقى لتطلعات الحركة النسائية، وهي نسبة سبق للمغرب الوصول إليها في السابق. وتقدم قراءة نقدية للبرنامج الحكومي، مؤكدة أنه “يطرح تحدياً أساسياً يتعلق بمدى قدرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية على ضمان الحق الفعلي للنساء في الشغل والاستقلال الاقتصادي. فبينما يعلن البرنامج عن إحداث مليون فرصة شغل، ويحدد هدف رفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2% في أفق 2031، تظل الحاجة قائمة إلى توضيح نصيب النساء من فرص الشغل المعلن عنها، وطبيعة المناصب التي ستُحدث لفائدتهن، ومدى استقرارها وجودتها وأجورها، وشروط الاستفادة من الحماية الاجتماعية.
ويأتي تصريح الرباح ليكشف عن البعد الخفي وراء الأرقام المعلنة، فالقضية ليست في إحداث مليون فرصة عمل كعنوان عريض فحسب، بل في تفكيك هذا الرقم لمعرفة موقعه من الإنصاف وتحديد نصيب المرأة منه. وينبع سياق هذا التساؤل من التخوف المشروع من تخصيص مناصب شغل غير قارّة أو ذات أجور متدنية. فالأبعاد الحقيقية لخفض السقف الحكومي من 30% إلى 21.2% لا تتوقف عند تراجع النسبة فقط، بل تمتد إلى التشكيك في نوعية الوظائف المتاحة للمرأة ومدى قدرتها على منحها الاستقلالية المالية والكرامة المهنية بعيداً عن الهشاشة.
العوائق البنيوية والعمل الرعائي غير المؤدى عنه
وتشدد الفاعلة الحقوقية على ضرورة تجاوز النظرة الرقمية السطحية، موضحة أنه “من منظور حقوقي، لا ينبغي اختزال إدماج النساء اقتصادياً في مجرد رفع معدل نشاطهن، بل يتطلب الأمر معالجة العوائق البنيوية التي تحد من ولوجهن إلى سوق الشغل، وفي مقدمتها التوزيع غير المتكافئ للعمل المنزلي والرعائي غير المؤدى عنه، وضعف خدمات الحضانة ورعاية الأشخاص في وضعية إعاقة، وصعوبات النقل والتنقل، والتمييز في التشغيل والأجور، والهشاشة المهنية والاقتصاد غير المهيكل”.
الحكامة والقياس وإعادة توزيع المسؤوليات
ولضمان عدم تكرار فشل التعهدات السابقة، تؤكد خديجة الرباح على الآليات الميدانية للتقييم، مشيرة إلى أنه يقتضي تقييم هذا الالتزام اعتماد مؤشرات مصنفة حسب الجنس والعمر والوسط المجالي، تقيس معدلات التشغيل والبطالة، ونوعية العقود والأجور، والتغطية الاجتماعية، والولوج إلى مناصب المسؤولية، إلى جانب رصد الاعتمادات المالية المخصصة للتدابير الداعمة لتشغيل النساء. ويظل الاعتراف بالعمل المنزلي والرعائي غير المؤدى عنه وإعادة توزيع مسؤوليات الرعاية بين الدولة والأسرة والقطاع الخاص والمجتمع شرطاً أساسياً لتحقيق المساواة الاقتصادية.
وتسجّل الرباح، قائلة: «وعليه، فإن المعيار الحقيقي لنجاعة البرنامج ليس فقط عدد فرص الشغل المعلن عنها، بل مدى إسهامه في ضمان حق النساء في شغل لائق ومستدام، وفي الاستقلال الاقتصادي والكرامة والمساواة الفعلية».