مع اقتراب كل موعد انتخابي، تنشط البرامج التلفزيونية، وتزداد حركة الشارع، فيما يبدي المواطنون قدرا من التشكيك الممزوج باللامبالاة. وتروج في الخطاب الشعبي فكرة مفادها أن الأحزاب السياسية ليست سوى هياكل فارغة وآلات لوجستية ضخمة تمولها الدولة، ولا تخرج من سباتها إلا مرة كل خمس سنوات لجمع الأصوات.
غير أن عددا من التنظيمات السياسية في المغرب يخوض معاركه بميزانية رسمية تبلغ… صفر درهم. فلا مقرات فاخرة، ولا جيش من الأجراء ذوي الرواتب المرتفعة. أما الوقود الحقيقي لهذه التنظيمات، فلا يأتي من الأموال التي تضخها الوجوه البارزة، بل من تفاني المناضلين في القواعد.
إنها حكاية مناضلين من ذوي الدخل المحدود يضعون بيوتهم مجانا رهن إشارة الحزب لعقد لقاءات الأحياء، وأطر تسهر الليالي على تفكيك إحصاءات البلاد، وحراس يلازمون صناديق الاقتراع حتى ساعة متأخرة… وكل ذلك من دون مقابل.
غوص في قلب هذا الاقتصاد القائم على العرق والتضحية، بعيدا عن أوهام المال السهل.
حين يمول محدودو الدخل الجهاز الحزبي
ترتكز السياسة الميدانية، في معناها الفعلي، على بنية مادية متواضعة يتحمل كلفتها مواطنون عاديون. وبالنسبة إلى هؤلاء الجنود المجهولين، لا يشكل العمل الحزبي سلما للترقي الاجتماعي أو المالي، بلوإنما استثمارا خاسرا يمنح فيه المناضل الكثير من دون أن يتلقى في المقابل إلا القليل، إن تلقى شيئا أصلا.
وينظر التصور السائد إلى الأحزاب السياسية باعتبارها آلات مالية قوية قادرة على تعبئة الملايين لترسيخ نفوذها. لكن الواقع أن عددا كبيرا من هذه التنظيمات يشتغل من دون تمويل عمومي مهم. ومع غياب دعم يضمن التسيير اليومي، تضطر هذه البنيات إلى تدبير شؤونها بما هو متاح لها من موارد محدودة.
وفي مثل هذه الظروف، يبدو مجرد استمرار الحزب أقرب إلى معجزة يومية. فالجهاز الحزبي لا يقوم على جيش من المتفرغين أو الأطر ذات الأجور السخية. وعلى العكس من ذلك، يكشف الأستاذ نبيل عادل، عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية، أن هذه الهياكل لا تضم سوى “قدر ضئيل جدا من الأجور”، وأن الغالبية الساحقة ممن ينشطون داخلها “لا يتلقون أي تعويض” عن العمل الذي يقومون به. فالتطوع هو القاعدة.
أما الذين يسهرون على تسيير الفروع المحلية، ويوزعون المناشير، وينظمون الاجتماعات، فهم في الغالب أشخاص من ذوي الدخل المحدود. وهؤلاء، بحسب تعبيره، “يمنحون أحزابهم من وقتهم وإمكاناتهم”. وهي تضحيات مادية صغيرة في ظاهرها، لكنها تتراكم مع مرور الوقت.
وفي الأحزاب التي تفتقر إلى الموارد، يقوم جزء كبير من النشاط على التمويل الذاتي. فالقيادة المركزية لا تتكفل بكل شيء، ولذلك، حين يقرر فرع محلي عقد اجتماع أو تنظيم جولة ميدانية، يضطر المناضلون إلى الإنفاق من أموالهم الخاصة. فهذا يؤدي ثمن الوقود، وذاك يتحمل كلفة الوجبات أو القهوة وقنينات الماء الموضوعة على الطاولات خلال الجموع العامة، فيما يتكفل آخر بمصاريف التنقل للقاء سكان دوار ما أو بالوجبات السريعة التي يتقاسمها الجميع في نهاية يوم طويل من التعبئة.
لا يحدث شيء من ذلك تلقائيا. فجزء كبير من تفاصيل الحياة النضالية يموله، في النهاية، الأشخاص أنفسهم الذين يقومون بالعمل.
إنه، في المحصلة، نموذج اقتصادي مقلوب: من يؤدي العمل هو نفسه من يمول جزءا من كلفته.
ولتفادي الاصطدام المستمر بالعوائق المادية، يطور المناضلون خبرة واسعة في تدبير الإمكانات المحدودة. ومع غياب المكاتب الرسمية، تنتقل السياسة إلى قلب البيوت. ويكشف هذا التنازل عن الفضاء الخاص حجم التداخل بين الحياة الشخصية والانخراط الحزب، فالنشاط السياسي يدخل المنزل، ويستقر وسط الأطفال وتفاصيل الحياة اليومية. بل إن كثيرا من الآباء يشركون أبناءهم بدورهم في هذا المسار النضالي.
100.000 درهم سنويا
بالنسبة إلى أطر الميدان والمناضلين الأكثر نشاطا، ممن يتحملون مسؤولية هيكلة الحزب على مستوى إقليم أو جهة، سرعان ما تصبح كلفة هذا الالتزام باهظة. ويورد الأستاذ نبيل عادل رقما يكشف حجم هذه التضحية. فبحسبه، قد ينتهي الأمر ببعض المناضلين إلى إنفاق ما يصل إلى 100.000 درهم سنويا من أموالهم الخاصة للإبقاء على تنظيمهم قائما.
ويقول: “أب يُدخل أسرته في العمل الحزبي، ويؤدي واجبات الانخراط السنوية، ويتنقل عدة مرات في السنة مهما كان مكان الموعد، ويكترى شقة، ويتكفل بإطعام الأسرة كلها… سرعان ما نصل إلى مبالغ كبيرة جدا».
وفي بلد ما يزال فيه متوسط الأجر متواضعا، فإن إنفاق مثل هذا المبلغ بدافع الالتزام وحده، ومن دون أي أفق لعائد مادي، يبدو أقرب إلى شكل من أشكال النذر العصري. فكيف يمكن إقناع المقربين بأن جزءا من ميزانية الأسرة يُستهلك في تنقلات سياسية ودعم لوجستي لاجتماعات حزبية؟
وهنا يشدد الأستاذ نبيل عادل على أنه “لا بد من درجة عالية جدا من الوعي السياسي والإيمان بالحزب من أجل الاستمرار».
Législatives 2026 : combien coûte réellement une campagne électorale au Maroc ?