كيف يمول المناضلون العمل الحزبي؟ تحقيق في الوجه الآخر للحياة السياسية

كيف يمول المناضلون العمل الحزبي؟ تحقيق في الوجه الآخر للحياة السياسية

في المخيال الجماعي وعناوين الصحف الكبرى، تُقدَّم الأحزاب السياسية المغربية غالبا باعتبارها دكاكين انتخابية ثرية، وآلات انتهازية لا تستفيق إلا مع اقتراب مواعيد الاقتراع. لكن بعيدا عن الكاميرات وضجيج الانتخابات التشريعية، تكشف الممارسة اليومية عن واقع مختلف تماما، واقع يقوم على الجهد والتضحية المالية، حيث يُبقي مناضلون مجهولون، ينحدر كثير منهم من أوساط متواضعة، الآلة الحزبية قائمة من جيوبهم الخاصة. تحقيق في قلب التزام مُكلف، بين تمويل ذاتي شبه كامل، وبيوت خاصة تحولت إلى مقرات محلية، وعمل يومي لا يتوقف.

مع اقتراب كل موعد انتخابي، تنشط البرامج التلفزيونية، وتزداد حركة الشارع، فيما يبدي المواطنون قدرا من التشكيك الممزوج باللامبالاة. وتروج في الخطاب الشعبي فكرة مفادها أن الأحزاب السياسية ليست سوى هياكل فارغة وآلات لوجستية ضخمة تمولها الدولة، ولا تخرج من سباتها إلا مرة كل خمس سنوات لجمع الأصوات.

غير أن عددا من التنظيمات السياسية في المغرب يخوض معاركه بميزانية رسمية تبلغ… صفر درهم. فلا مقرات فاخرة، ولا جيش من الأجراء ذوي الرواتب المرتفعة. أما الوقود الحقيقي لهذه التنظيمات، فلا يأتي من الأموال التي تضخها الوجوه البارزة، بل من تفاني المناضلين في القواعد.

إنها حكاية مناضلين من ذوي الدخل المحدود يضعون بيوتهم مجانا رهن إشارة الحزب لعقد لقاءات الأحياء، وأطر تسهر الليالي على تفكيك إحصاءات البلاد، وحراس يلازمون صناديق الاقتراع حتى ساعة متأخرة… وكل ذلك من دون مقابل.

غوص في قلب هذا الاقتصاد القائم على العرق والتضحية، بعيدا عن أوهام المال السهل.

حين يمول محدودو الدخل الجهاز الحزبي

ترتكز السياسة الميدانية، في معناها الفعلي، على بنية مادية متواضعة يتحمل كلفتها مواطنون عاديون. وبالنسبة إلى هؤلاء الجنود المجهولين، لا يشكل العمل الحزبي سلما للترقي الاجتماعي أو المالي، بلوإنما استثمارا خاسرا يمنح فيه المناضل الكثير من دون أن يتلقى في المقابل إلا القليل، إن تلقى شيئا أصلا.

وينظر التصور السائد إلى الأحزاب السياسية باعتبارها آلات مالية قوية قادرة على تعبئة الملايين لترسيخ نفوذها. لكن الواقع أن عددا كبيرا من هذه التنظيمات يشتغل من دون تمويل عمومي مهم. ومع غياب دعم يضمن التسيير اليومي، تضطر هذه البنيات إلى تدبير شؤونها بما هو متاح لها من موارد محدودة.

وفي مثل هذه الظروف، يبدو مجرد استمرار الحزب أقرب إلى معجزة يومية. فالجهاز الحزبي لا يقوم على جيش من المتفرغين أو الأطر ذات الأجور السخية. وعلى العكس من ذلك، يكشف الأستاذ نبيل عادل، عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية، أن هذه الهياكل لا تضم سوى “قدر ضئيل جدا من الأجور”، وأن الغالبية الساحقة ممن ينشطون داخلها “لا يتلقون أي تعويض” عن العمل الذي يقومون به. فالتطوع هو القاعدة.

أما الذين يسهرون على تسيير الفروع المحلية، ويوزعون المناشير، وينظمون الاجتماعات، فهم في الغالب أشخاص من ذوي الدخل المحدود. وهؤلاء، بحسب تعبيره، “يمنحون أحزابهم من وقتهم وإمكاناتهم”. وهي تضحيات مادية صغيرة في ظاهرها، لكنها تتراكم مع مرور الوقت.

وفي الأحزاب التي تفتقر إلى الموارد، يقوم جزء كبير من النشاط على التمويل الذاتي. فالقيادة المركزية لا تتكفل بكل شيء، ولذلك، حين يقرر فرع محلي عقد اجتماع أو تنظيم جولة ميدانية، يضطر المناضلون إلى الإنفاق من أموالهم الخاصة. فهذا يؤدي ثمن الوقود، وذاك يتحمل كلفة الوجبات أو القهوة وقنينات الماء الموضوعة على الطاولات خلال الجموع العامة، فيما يتكفل آخر بمصاريف التنقل للقاء سكان دوار ما أو بالوجبات السريعة التي يتقاسمها الجميع في نهاية يوم طويل من التعبئة.

لا يحدث شيء من ذلك تلقائيا. فجزء كبير من تفاصيل الحياة النضالية يموله، في النهاية، الأشخاص أنفسهم الذين يقومون بالعمل.

إنه، في المحصلة، نموذج اقتصادي مقلوب: من يؤدي العمل هو نفسه من يمول جزءا من كلفته.

ولتفادي الاصطدام المستمر بالعوائق المادية، يطور المناضلون خبرة واسعة في تدبير الإمكانات المحدودة. ومع غياب المكاتب الرسمية، تنتقل السياسة إلى قلب البيوت. ويكشف هذا التنازل عن الفضاء الخاص حجم التداخل بين الحياة الشخصية والانخراط الحزب، فالنشاط السياسي يدخل المنزل، ويستقر وسط الأطفال وتفاصيل الحياة اليومية. بل إن كثيرا من الآباء يشركون أبناءهم بدورهم في هذا المسار النضالي.

100.000 درهم سنويا

بالنسبة إلى أطر الميدان والمناضلين الأكثر نشاطا، ممن يتحملون مسؤولية هيكلة الحزب على مستوى إقليم أو جهة، سرعان ما تصبح كلفة هذا الالتزام باهظة. ويورد الأستاذ نبيل عادل رقما يكشف حجم هذه التضحية. فبحسبه، قد ينتهي الأمر ببعض المناضلين إلى إنفاق ما يصل إلى 100.000 درهم سنويا من أموالهم الخاصة للإبقاء على تنظيمهم قائما.

ويقول: “أب يُدخل أسرته في العمل الحزبي، ويؤدي واجبات الانخراط السنوية، ويتنقل عدة مرات في السنة مهما كان مكان الموعد، ويكترى شقة، ويتكفل بإطعام الأسرة كلها… سرعان ما نصل إلى مبالغ كبيرة جدا».

وفي بلد ما يزال فيه متوسط الأجر متواضعا، فإن إنفاق مثل هذا المبلغ بدافع الالتزام وحده، ومن دون أي أفق لعائد مادي، يبدو أقرب إلى شكل من أشكال النذر العصري. فكيف يمكن إقناع المقربين بأن جزءا من ميزانية الأسرة يُستهلك في تنقلات سياسية ودعم لوجستي لاجتماعات حزبية؟

وهنا يشدد الأستاذ نبيل عادل على أنه “لا بد من درجة عالية جدا من الوعي السياسي والإيمان بالحزب من أجل الاستمرار».

Législatives 2026 : combien coûte réellement une campagne électorale au Maroc ?

البنية التحتية الخفية لإنتاج الأفكار

ولمن يظن أن العمل الحزبي يقتصر على الانتخابات التشريعية، فإن استمرارية الأحزاب تقوم على هياكل داخلية لا يعرفها الرأي العام كثيرا. فالحزب لا يختزل في أمينه العام أو في مرشحيه الذين يظهرون في الواجهة، بل ينتظم ضمن منظومة من العمل والتفكير المتواصل. وعلى امتداد خمس سنوات من الولاية، تتوزع المهام وفق إيقاع منتظم لاجتماعات مختلف الأجهزة.

فالمكتب السياسي، على سبيل المثال، يجتمع مرة واحدة على الأقل كل شهر لتوجيه الاستراتيجية العامة والحسم في اختيارات التنظيم. وبالتوازي مع ذلك، تحافظ التنظيمات الموازية، من الشبيبات والروابط المهنية إلى التنظيمات النسائية، على وتيرة شهرية مكثفة من النشاط الميداني.

ويضاف إلى هذا الامتداد نشاط هياكل الخبرة، مثل مراكز التفكير التابعة للأحزاب، التي تتولى إنتاج التصورات الفكرية، وتحليل السياسات العمومية، وصياغة البدائل الاقتصادية والاجتماعية. وهذه الشبكة غير المرئية هي التي تُبقي التنظيم في حالة اشتغال دائم واتصال مستمر بالمجتمع المدني، بما يتجاوز بكثير فترة الحملة الانتخابية.

11 دقيقة على المنصة، وأسابيع من البحث

ولقياس حجم هذا الجهد الخفي بشكل ملموس، يقدم الأستاذ نبيل عادل معطى كاشفا من كواليس العمل البرلماني. فالرأي العام غالبا ما يقيس أداء الحزب من خلال تدخلاته داخل المؤسسة التشريعية. وحين يتناول نائب الكلمة أمام الكاميرات لمساءلة الحكومة بشأن موضوع معقد، مثل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تبدو مداخلته قصيرة جدا. وهي كذلك فعلا، إذ لا تتجاوز في المتوسط 11 دقيقة.

ولا تمثل هذه الدقائق الـ11 سوى نحو 1400 كلمة، أي ما يقارب ثلاث صفحات مكتوبة كحد أقصى.

غير أن إنتاج هذه الصفحات الثلاث يتطلب تشغيل الآلة الفكرية للحزب بكامل طاقتها لأسابيع عدة. ويشرح الأستاذ أن “إعداد مادة بهذا القدر من الصرامة يقتضي تعبئة كفاءات تطوعية عديدة”. فالأطر والمناضلون ينخرطون في عمل بحثي فعلي، يغوصون خلاله في المعطيات الخام وأحدث الإحصاءات الوطنية، ويطلعون بدقة على تقارير التقييم الضخمة الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE)، ومنشورات المندوبية السامية للتخطيط (HCP).

ومن أجل تقوية الحجاج، تنجز هذه الفرق مراجعات واسعة للأدبيات، وتجمع مقارنات دولية، وتدرس بالتفصيل التجارب الناجحة في الخارج.

ويستجيب كل هذا الجهد لمطلب أساسي هو المصداقية. فعندما يستعد منتخب لمساءلة الحكومة أمام ملايين المغاربة، يصبح أي خطأ في الوقائع مكلفا. فرقم غير صحيح أو إحصائية أسيء فهمها قد يتحول في صحافة اليوم الموالي إلى عنصر يضر بسمعة التنظيم السياسي. ولذلك تصبح الصرامة في البحث ودقة المعطيات من أدوات حماية الحزب.

قانون المالية: ذروة الضغط

لا يعرف هذا العمل الذهني هدنة، لكنه يبلغ ذروته كل سنة عند محطة مفصلية من الحياة السياسية، ألا وهي دراسة مشروع قانون المالية. وبالنسبة إلى الفرق التقنية داخل الحزب، خصوصا عندما يكون في المعارضة، تعني هذه الفترة ليالي بيضاء. ويقول الأستاذ عادل: “عندما يتعلق الأمر بقانون المالية، لا ننام”.

فبمجرد التوصل بمشروع القانون، يبدأ سباق مع الزمن. وينكب الخبراء المتطوعون والاقتصاديون والحقوقيون داخل الحزب على تحليل الخيارات الميزانياتية للحكومة بشكل دقيق، ورصد اختلالات التوقعات الماكرو-اقتصادية، وإعداد مذكرات المواجهة.

ويكمن الهدف في تحديد كيفية مساءلة الحكومة بدقة، والتعديلات التي ينبغي اقتراحها، والطريقة المثلى لتعبئة النواب حول النقاط التقنية المهمة. ويجري كل هذا العمل الضخم في تفكيك النصوص التشريعية وصياغة المذكرات التركيبية تحت ضغط الوقت، لكن بانضباط صارم.

ومع مرور السنوات، يشكل تراكم التقارير وتحليلات القوانين والخطب المكتوبة والمساءلات البرلمانية رصيدا معرفيا حقيقيا. ولذلك، عندما يحل الاستحقاق الانتخابي ويُطلب من الحزب صياغة برنامجه الرسمي، فإنه لا يبدأ من صفحة بيضاء، ولا يضطر إلى ارتجال إجراءات كبرى أو الاتكال على مكاتب استشارة خارجية لملء مناشيره.

فالبرنامج الانتخابي ليس سوى خلاصة خمس سنوات من الإنتاج الفكري المتواصل، وتشخيصات الميدان، والمواجهة التقنية مع الحكومة. وهذا العمل المتراكم في الظل هو الذي يمنح الحزب عموده الفقري البرنامجي، ويضمن قدرا من التماسك لمقترحاته أمام الناخبين.

إن الديمقراطية لا تُصنع في عشرة أيام من الحملة، بل تُحضَّر كل يوم، مجانا وفي صمت.

استقطاب بالسيرة الذاتية بعيدا عن منطق الولاء الشخصي

في الصور النمطية الرائجة، تبدو مسطرة منح التزكيات داخل الأحزاب السياسية أشبه ببلاط من العصور الوسطى. إذ يتخيل البعض زعيما نافذا، أو أمينا عاما متسلطا، يوزع الدوائر الانتخابية بحسب المزاج والعلاقات الشخصية أو حجم الإمكانات المالية للمرشحين. ويُستدعى هذا التفسير بسهولة لتبرير وجود هذا الاسم أو ذاك في اللوائح الانتخابية.

غير أن اختيار المرشحين يشبه، في الواقع، مسار تقييم متدرجا، بل عملية استقطاب حقيقية تقوم على فحص السير الذاتية، داخل شبكة معقدة من التوازنات والآليات الداخلية.

الكاتب الأول ليس رب عمل

أول سوء فهم ينبغي تصحيحه يتعلق بطبيعة السلطة في قمة الحزب السياسي. فرئيس الحزب أو أمينه العام ليس مدير شركة، ومناضلوه ليسوا أجراء لديه. وكما أن عميد الكلية أو رئيس الجامعة يُختار لتمثيل نظرائه من دون أن يصبح رئيسا إداريا عليهم، فإن قائد الحزب لا يملك إصدار أوامر أحادية لأطره.

بل إن تسمية “الكاتب الأول” نفسها، التي يفضلها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تختصر طبيعة هذا الدور. فهو الأول بين أقرانه، ومنسق لجماعة سياسية، لا صاحب قرار منفرد.

وداخل هيئة مثل المكتب السياسي، تتخذ السلطة طابعا أفقيا. فهو فضاء تتقاطع فيه مصالح متباينة وموازين قوى وآليات للضبط المتبادل. وكل قرار أو تزكية يأتي ثمرة تسويات ونقاشات وتقييمات متبادلة. وأي مسؤول يحاول تجاوز هذه الجماعية يصطدم سريعًا باعتراض داخلي.

اللجنة الانتخابية أو مديرية الموارد البشرية داخل الحزب

ومن أجل تأطير هذا المسار ومنحه شرعية تنظيمية، تعتمد الأحزاب على بنية محددة. فقبل كل استحقاق انتخابي، يحدث الحزب لجنة وطنية لإعداد الانتخابات، تؤدي عمليا دور مكتب الاستقطاب داخل التنظيم السياسي.

وتبدأ اللجنة بجمع ملفات الترشيح عبر قناتين رئيسيتين: إما من الهياكل المحلية المتجذرة في الأقاليم، أو من خلال عمليات استقطاب موجهة تستهدف بروفايلات محددة.

وبعد تجميع الملفات، تبدأ مرحلة الفرز دائرة انتخابية تلو الأخرى. ولا تحسم اللجنة بناء على الانطباعات الشخصية، بل تدرس الملفات والمسارات، وتقيم التجذر المحلي ومتانة كل مترشح.

ويلخص الأستاذ نبيل عادل ذلك بقوله: “المسار الذي يتم عبره الأمر هو استقطاب. نستقبل عدة سير ذاتية. ونأخذ الأفضل”.

وبعد هذا الفحص، تصوغ اللجنة مقترحاتها وتعرض الترشيحات النهائية على المكتب السياسي، الذي يظل الهيئة المخولة قانونا بالحسم النهائي.

وبذلك، يشبه الترشح بألوان حزب سياسي الولوج إلى ناد خاص. فلا يستطيع المرشح فرض نفسه ببساطة، بل يتعين عليه احترام قواعد الانضمام وإقناع هيئات الاختيار بقيمته المضافة وجدواه السياسية.

الميركاتو السياسي

لا تمنع هذه الصرامة الإجرائية التوترات وخيبات الأمل والتحكيمات المتأخرة. فالأستاذ نبيل عادل يرفض فكرة وجود عملية اختيار مثالية تجري من دون احتكاكات، إذ تتدخل أحيانا اعتبارات براغماتية تربك عمل اللجان المحلية.

ومن أكثر الحالات شيوعا، والأشد إيلاما بالنسبة إلى القواعد الحزبية، قدوم مرشح خارجي في آخر لحظة. فقد يحدث أن يفضل الحزب، قبيل الحسم، اسما وافدا على مناضل تاريخي متجذر منذ سنوات في دائرته وساهم فعليا في حياة التنظيم.

لكن حتى هنا، لا يتعلق الأمر دائمًا بنزوة من الزعيم، بل بمنطق الفوز، فإذا كان المرشح المتأخر يتمتع بحظوظ إحصائية أوفر لانتزاع المقعد في مواجهة المنافسين، فإن الحزب قد يختار النجاعة الانتخابية بدل مكافأة الأقدمية.

إنه ميركاتو سياسي فعلي، ونظام ترحال يمكن مقارنته بسوق انتقالات كرة القدم الاحترافية. وفي لعبة التأثير هذه، تملك الأحزاب الكبرى، بما تتوفر عليه من شبكات قوية، قدرة أكبر عادة على استقطاب أفضل البروفايلات على حساب التنظيمات الأكثر تواضعا.

ولتقريب الصورة، يورد النص حالة الحركة الشعبية، التي فقدت خلال انتخابات 2021 ما لا يقل عن 15 برلمانيا جذبهم الميركاتو الانتخابي قبيل الاقتراع. كما يدعو إلى ملاحظة ما يجري في حملة 2026، حيث تتجه حركة انتقال لافتة نحو الأصالة والمعاصرة.

وفي هذه الحالة، يتحول المرشح الجيد إلى مورد نادر تتنافس عليه الأحزاب، بما يقلب ميزان القوة المالي المعتاد: فليس المرشح هو من يدفع للحصول على التزكية، بل الحزب هو من يجد نفسه مضطرا إلى بذل جهود كبيرة لإقناعه بالانضمام إلى صفوفه.

وللحد من هذا الترحال السياسي الذي يضر بوضوح المشهد الديمقراطي، يقترح الأستاذ نبيل عادل إصلاحا تشريعيا بسيطا، يتمثل في منع أي منتخب أو مرشح من التقدم تحت يافطة جديدة إذا كان قد غادر تنظيمه الأصلي قبل أقل من سنة من موعد الاقتراع. ويرى أن مثل هذه القاعدة قد تحد من الانتهازية المتأخرة وتعيد الاعتبار إلى العمل المتواصل للمناضلين المجهولين.

حرب المحاضر: 24 ساعة تحت الضغط الانتخابي

مع بزوغ فجر يوم الاقتراع، ينتهي زمن الخطب الحماسية والجدالات على شبكات التواصل والتجمعات الانتخابية. وفي تلك اللحظة، ينضغط عمل ولاية كاملة، بما حملته من جهد فكري وتضحيات مادية على مدى خمس سنوات، داخل نافذة زمنية لا تتجاوز 24 ساعة.

وبالنسبة إلى الأحزاب السياسية، يشبه يوم التصويت عملية شديدة الحساسية. ففي هذا المنعطف الأخير، تتركز المعركة الحقيقية في القدرة على مراقبة الاقتراع وتأمين الوثيقة الحاسمة لإثبات سلامة العملية: محضر التصويت.

ولفهم حجم المهمة، ينبغي تغيير زاوية النظر. فعلى مستوى دائرة انتخابية واحدة، يتطلب يوم التصويت تعبئة فورية لموارد بشرية كبيرة.

وفي مقرات ميدانية مرتجلة، يجمع الحزب فرقه ويوجه إليها التعليمات الأخيرة قبل الانطلاق. لكن المناضلين التاريخيين، على تفانيهم، لا يكفون وحدهم لتغطية حاجيات يوم من هذا النوع. ولذلك يضطر الحزب إلى تعبئة قوى إضافية، والاستعانة بمتعاقدين، وتنظيم سلسلة معقدة من النقل والإمداد.

فالقاعدة الذهبية لأي حزب يريد الفوز، أو على الأقل حماية فوزه من الضياع، هي ضمان وجود ممثل فعلي له داخل كل مكتب تصويت، منذ اللحظة الأولى لفتح الأبواب إلى غاية التوقيع النهائي بعد الفرز. فهذا الممثل هو عين الحزب وأذنه داخل المكتب، ويراقب سير العمليات بشكل متواصل.

ويشكل هذا الحضور خط الدفاع الأساسي في مواجهة أي انزلاقات قد تمس بنزاهة الاقتراع. ويذكر الأستاذ عادل أن بعض الفاعلين المحليين قد يذهبون بعيدا، في حرارة يوم التصويت، في محاولة ترجيح الكفة، ويتحدث عن مخاطر تشمل محاولات إدخال أوراق مزدوجة أو التلاعب بالصندوق، خصوصا في المناطق الأبعد أو الأضعف مراقبة.

غير أن مهمة المراقبة نفسها تمثل اختبارا قاسيا للتحمل البدني والنفسي. فهي تبدأ قبل الساعة الثامنة صباحا للتحقق من أختام الصندوق، وتمتد إلى ساعات متأخرة جدا من الليل. فبعد إغلاق المكاتب عند الساعة 19، تنطلق عملية الفرز، ثم العد وتحرير الوثائق الرسمية.

ويشدد الأستاذ على أن “الأمر يتعلق بيوم طويل جدا”، قد يمتد في أحيان كثيرة إلى الساعة الثانية أو الثالثة صباحا.

وبالنسبة إلى الحزب، يعني ذلك أعباء لوجستية ثقيلة، إذ يتعين توفير الماء والوجبات لهؤلاء المراقبين، وضمان نقلهم ليلا، والتأكد من بقائهم في مواقعهم رغم الإرهاق.

معركة الفرز وغنيمة المحضر

عندما تغلق أبواب المكتب ويبدأ الفرز، تبلغ درجة التوتر ذروتها. ففي قاعة دراسية أو مكتب إداري تحول إلى مكتب تصويت، تُفتح الأوراق واحدة واحدة وتُقرأ الأصوات أمام القائمين على العملية. ويجلس ممثلو الأحزاب، ممسكين بدفاترهم، لتسجيل كل صوت يحتسب لكل تنظيم سياسي بدقة.

لكن هذا الإحصاء الموازي، على أهميته، لا يكفي من دون الوثيقة القانونية الحاسمة: محضر الفرز. فهذا المحضر، الذي يحرر في عدة نسخ عند نهاية العمليات، يوقعه رئيس المكتب وممثلو الأحزاب الحاضرون. والحصول على نسخة مطابقة منه وتأمينها يمثل الهدف الحقيقي لليوم كله.

ولماذا كل هذا الحرص على المحضر الورقي؟ لأن هذه الوثيقة، الموقعة والمختومة، تصبح عند النزاع أو الطعن أمام القضاء أو ظهور اختلافات صارخة أثناء تجميع النتائج، الدليل القانوني الأهم لمواجهة أي محاولة لتغيير الأرقام خلال نقلها وتجميعها على مستوى العمالة أو وزارة الداخلية.

ومن دون نسخة من المحضر في يد ممثليه، يفقد الحزب إحدى أهم وسائل الدفاع عن نتيجته أمام الإدارة أو المنافسين.

استنفار شامل

ما إن يحصل ممثلو الحزب على نسخة من المحضر داخل مكتب التصويت، حتى يبدأ سباق محموم لنقل المعطيات. فيتصل المناضلون أو المنسقون المحليون فورا بالخلية الانتخابية للحزب لإبلاغها بالأرقام الدقيقة الخاصة بمكتبهم.

وفي تلك اللحظة، يدخل الجهاز الحزبي كله حالة استنفار قصوى. فمن الفرع المحلي إلى البنية الجهوية، وصولا إلى المقر الوطني للحزب في الرباط أو الدار البيضاء، تظل الهواتف ترن بلا توقف. وتتحرك فرق التجميع لحصر الأصوات دائرة دائرة ومكتبا مكتبا، واستخلاص الاتجاهات قبل وقت طويل من صدور النتائج الرسمية.

وتتحول سرعة التجميع هنا إلى سلاح سياسي مهم. ويستحضر النص السابقة المرتبطة بالانتخابات التشريعية لسنة 2016، حين نجحت آلة التجميع والتواصل التابعة لحزب العدالة والتنمية في إعلان نتائجه وفوزه الوطني قبل البلاغ الرسمي لوزير الداخلية. ومن خلال نشر أرقامه التي جمعها استنادا إلى المحاضر الواردة من الميدان، سعى الحزب إلى تحصين نتيجته الانتخابية من أي تغيير محتمل في اللحظات الأخيرة.

وتكشف حرب المحاضر هذه أن يوم الاقتراع لا يقوم فقط على إرادة الناخبين، بل أيضا على الصرامة التي يبديها أولئك الذين يراقبون العملية في الظل. وعندما يُسأل هؤلاء المناضلون عن سبب كل هذه التضحيات، يأتي الجواب، في بساطته، حاسما: “لأنهم يحبون هذا البلد”.

اترك لنا تعليقك ←
سياسة
A A A A A

الرسالة الإخبارية في 5 دقائق

كل يوم، احصل على ملخص للأخبار الأساسية

اترك تعليقاً